سفة بالتقسيط

بقلم: يوسف الغوث
في بلدٍ يعاند فيه الإنسان قوانين الاقتصاد ويصارع التضخم بابتسامة ساخرة، لم يعد الخبر عن ارتفاع الأسعار مفاجئاً بقدر ما أصبح طقسا يومياً ينتظره المواطن ،، ومن بين كل الصدمات، جاءت صدمة الكيف لتثبت أن لا شيء في السودان بمنأى عن القفزات الجنونية. فبعد أن كان كيس التمباك رفيق الجلسات والملاذ من ضغوط الحياة، إذا به يتحول إلى مادة سيادية يحسب سعرهاو كأنها استثمار استراتيجي،,, فماذا حدث بالضبط؟ وكيف استقبل السودانيون هذه الزيادة الجديدة؟
لقد أصدرت شعبة التمباك بيانها التاريخي الذي زلزل أركان المقاهي والمجالس، معلنة أن سعر كيس التمباك قفز رسمياً إلى 4,000 جنيه سوداني دفعة واحدة.
ان هذا القرار التاريخي الخطير لم يكن مجرد زيادة أسعار عادية، بل كان إعلانا رسميا عن تحول الصعوط من مجرد سفة إلى مادة سيادية تقاس بالمليغرام وتحفظ في الخزائن الحديدية بجانب الذهب والدولار.
لقد دخلنا رسميا الي مرحلة تراجع حجم السفة من الحجم العائلي الضخم (الدقار) الي حجم الشفشفة الميكروسكوبية خوفا من نفاد المخزون الاستراتيجي للكيس قبل نهاية اليوم،،،،وربما تكون المرحلة القادمة هي مرحلة الجرة
ان المثير للضحك الباكي أن المبرر الجاهز دوماً هو تكاليف الترحيل والشحن، وكأن هذا الكيس الأخضر الصغير لا يأتي من الولايات بل يتم استيراده عبر مضيق هرمز ،،واليوم إذا تجرأت وطلبت من صديقك سفة ولو علي سبيل المزاح، فسينظر إليك وكأنك تطلب منه التنازل عن قطعة أرض في الخرطوم أو مشاركته في ورثة العائلة. بل إن عبارة نسيت الكيس تحت المخدة سوف تختفي تماما،، ليحل مكانها عبارة بطل الاوانطة بتاعتك …
المضحك حقاً أن الحكومة تحاول محاربة التبغ عبر الندوات الصحية، بينما تولت الشعبة المهمة بنجاح ساحق عبر الصدمات الاقتصادية، فجعلت المواطن يقلع عن الكيف ليس خوفاً على رئتيه أو لثته، بل رأفةً بجيبه ومحفظته التي باتت تشتكي لطوب الأرض. ومع ذلك يظل السوداني صامداً متمسكاً بابتسامته الساخرة، يضع كيسه الثمين في جيبه القريب من قلبه وكأنه يحمل وثيقة تأمين ضد جنون العالم من حوله.
وأمام هذا الوضع، واجه السودانيون الأزمة بسلاحهم الأزلي النكتة والقفشة الساخرة حيث أصبحت جلسات الحافلات وبيوت المناسبات مسرحا لتبادل شمارات الأسعار، حيث يعزي المواطنون بعضهم البعض بضحكة تخفي وراءها تدبيرا شاقا لليوم التالي.
ان المواطن اليوم ينام وهو يفكر في سعر الصرف، ويصحو ليجد أن حصالته التي جمعها طوال حياته لا تكفي لشراء وجبة فطور محترمة، ومع ذلك تجده يضحك في الحافلة ويطلق النكات الساخرة، لأن البكاء لم يعد يجدي نفعاً، ولأن التكيف مع الطيران الاقتصادي صار هو الهواية الرسمية الأولى للجميع….
وهكذا، بين كيس تمباك صار يُشترى بالتقسيط المريح، وراتب يتبخر أسرع من الضوء، ودفتر ديون لدى سيد الدكان امتلأ بالقصص، يواصل المواطن السوداني رحلته اليومية بجيوب فارغة ولكن بنفوس عزيزة.
لقد أثبت هذا الشعب أنه قادر على التكيف مع المستحيل، وأن السخرية صارت آخر أوتاد الصمود وأول أدوات البقاء،،،فمهما ارتفعت الأسعار وطارت الميزانيات، يظل الضحك في الحافلة، والقفشة في المناسبات، والسفة المقتصدة تحت المخدة، دليلاً على أن هذا الإنسان لا يُهزم بالأسعار وحدها…



