سيكلوجية الحرب ومحركات العنف في السودان

بقلم: دكتور/ كمال عبدالعزيز
10يونيو 2026م
تشهد السودان اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى حالة اجتماعية ونفسية عميقة أثرت في بنية المجتمع ووعي الأفراد والجماعات. فالحروب الممتدة لا تنتج الدمار المادي فقط، وإنما تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، وأنماط التفكير، وصور الهوية والانتماء، الأمر الذي يجعل فهم الحرب في السودان يتطلب مقاربة تتجاوز التحليل السياسي والعسكري التقليدي نحو تحليل سيكولوجية العنف وآليات استمراره داخل المجتمع والدولة.
يمكن النظر إلى الحرب السودانية بوصفها نتاجاً لتراكمات تاريخية طويلة من الاقصاء والصراعات والانقسامات، حيث ساهمت عقود من الحروب الأهلية وعدم الاستقرار في تكوين ذاكرة جماعية مشبعة بالخوف والشك والإحساس بالتهديد. هذه التراكمات النفسية والاجتماعية خلقت بيئة يصبح فيها العنف وسيلة مألوفة للتعبير عن الصراع أو الدفاع عن الذات والجماعة. كما أن غياب مشروع وطني جامع أدى إلى تصاعد الهويات الضيقة، سواء كانت قبلية أو إثنية أو جهوية، وهو ما ساهم في إنتاج صورة “العدو الداخلي” وتغذية مشاعر الكراهية والانتقام المتبادل بين المكونات المختلفة.
وتتعدد دوافع الانخراط في العنف داخل السياق السوداني، إذ لا يمكن اختزالها في العامل السياسي وحده. فهناك دوافع اقتصادية ترتبط بالفقر والبطالة وانهيار فرص الحياة الكريمة، الأمر الذي يجعل بعض الشباب أكثر قابلية للانضمام إلى الجماعات المسلحة باعتبارها مصدراً للحماية أو الدخل أو النفوذ. كذلك توجد دوافع نفسية ترتبط بالإحساس بالإذلال وفقدان الكرامة والرغبة في الانتقام نتيجة التعرض المباشر للعنف أو فقدان الأقارب والمجتمعات المحلية. وفي كثير من الأحيان يصبح الانخراط في الحرب مرتبطاً بالحاجة إلى الانتماء وإثبات الذات داخل الجماعة، خاصة في البيئات التي تنهار فيها مؤسسات الدولة وتضعف فيها الروابط المدنية.
ومع استمرار الحرب، يبدأ العنف في التحول تدريجياً إلى جزء من الحياة اليومية، بحيث يفقد المجتمع حساسيته تجاه مشاهد القتل والنزوح والانتهاكات. هذه الحالة من “تطبيع العنف” تُعد من أخطر نتائج الحرب، لأنها تجعل الأجيال الجديدة تنشأ داخل بيئة ترى القوة المسلحة أمراً طبيعياً ومقبولاً. كما تلعب الخطابات الإعلامية والسياسية دوراً مهماً في إعادة إنتاج هذا الوعي، من خلال تعبئة الجماهير بالخوف والتحريض وتقديم الصراع باعتباره معركة وجودية لا تقبل التعايش أو التسوية.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في السودان لا يرتبط فقط بالدوافع النفسية والاجتماعية، بل أيضاً بوجود آليات وبنى تساعد على إعادة إنتاج العنف بصورة مستمرة. فاقتصاد الحرب أصبح أحد العوامل الأساسية في إطالة أمد الصراع، حيث تستفيد بعض القوى المسلحة والشبكات الاقتصادية من حالة الفوضى عبر السيطرة على الموارد والتهريب والجبايات وتوسيع النفوذ. وهكذا تتحول الحرب من أزمة مؤقتة إلى نظام قائم بذاته يوفر مصالح ومكاسب لفئات متعددة، مما يجعل إنهاءها أكثر تعقيداً.
كما أن ضعف مؤسسات الدولة وانهيار الثقة في القانون والعدالة ساهما في توسيع دائرة العنف، إذ يشعر كثير من الأفراد والجماعات بأن الحماية لا تتحقق إلا من خلال السلاح أو الانتماء إلى جماعة قوية. وفي ظل غياب مشروع سياسي جامع قادر على بناء الثقة بين السودانيين، تتعمق الانقسامات الاجتماعية وتُعاد إنتاج مشاعر الخوف والكراهية بصورة مستمرة. كذلك تلعب التدخلات الإقليمية والدولية دوراً في تعقيد المشهد، من خلال تضارب المصالح والدعم غير المباشر لبعض أطراف النزاع، مما يحول السودان إلى ساحة صراع تتجاوز حدوده الداخلية.
إن أخطر ما تنتجه الحرب على المستوى النفسي هو تحولها إلى حالة اعتياد جماعي، بحيث يصبح السلام نفسه أمراً غريباً أو غير مضمون بالنسبة لبعض الفاعلين الذين ارتبطت مصالحهم أو هوياتهم باستمرار الصراع. ولذلك فإن معالجة الأزمة السودانية لا يمكن أن تقتصر على الاتفاقات السياسية أو الترتيبات الأمنية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى معالجة الجذور النفسية والاجتماعية للعنف، من خلال بناء العدالة، واستعادة الثقة، وتعزيز ثقافة التعايش، ودعم برامج التعافي النفسي والمجتمعي، إلى جانب صياغة مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية.



