مقالات الرأي

شــرف النضـــال في زمـن التســـــــاقط

بقلم: حمزة عبد الرحمن محمد عمر


النضال الحق ليس نزوة عابرة تولد مع حمـاس اللحظـة وتتلاشى مع أول اختــبار بل هو ملحمة إنسانية وفكــرية متــــكاملة تصاغ خطوطــها الكــــــبرى داخل أتون التنظيــمات المناضــــلة فالتنظـــــيم ليس مجرد تجمع عابر للأفــــراد بل هو المـــــدرسة الأولى التي يتعــلم فيها الإنســـان كيف يفــكك معاني التضحـــــية وكـــيف يصــيغ بوصلـــته الأخلاقـــية والسياســــية وسط أمواج الصــــــراع العاتــية ومن رحم هذه المدارس يخرج الثوار وتتحدد ملامح الضمــــير الجمـــعي الذي لا ينكـــسر و من هنا فـإن الثوري الأصـيل هو من يحـمل عرفـان الجمــيل في قلبه لمنهــج التنظـــيم الـذي أروى فكـــره وعلـمه أبجـديات الوقوف في وجه الطغــيان حــتى وإن افترقــت الســبل أو اختلــف التقــدير الســــياسي والمـــيداني بين المناضل وتنظــيمه إذ يظل الاحترام قائماً والخـط الــثوري مصوناً بعـيداً عن معاول التهديم أو التشــــويه هذا الــثوري لا يتخــذ من الاختلاف مبرراً للتخـــلي عن المـبادئ ولا يرى في تباين المواقف رخــصة لبيع التاريخ بل يحافـــظ على نـقاء القضــية في صـدره ويمــضي في طريقــه مستــــقلاً بذاته محتفــظاً بنــبل البدايات ومدركاً أن الأفكار الكــبرى لا تموت باخـــتلاف الطرق بل تـصان بصـــلابة الأخـــلاق وفي المقابل يــبرز وجـه آخر مغاير تماماً وجـه المتساقط الــذي يختصــر تاريـخاً طويلاً من التضحــيات في صفقة شخصــــية عابرة فهو من يبـيع قضيـته بلا ثمن أو بثمن بخس ليرتمي بلا حــياء في أحضان الخصــم معاوناً ومســيئاً لتنظيمه لإرضاء من كان بالأمس خصــماً متخذاً من التبريرات الواهـــية غطاءً لسقوطـه الأخلاقــي والسياسي.
هذا النموذج لا يخــــون تنظيــــمه فحسب بل يخون ذاته وماضــــيه وكل دموع رفاقه الذين سقطوا على الطريق وحــين يفقد الإنسان بوصلــــته القيمـــية تتحول السياسة لديه من ساحة للدفاع عن الشعوب إلى سوق للمزايدات والمكاسب الضيقة ولأن الاستـــقالة في حقيقـــتها حق مشـــروع وخــيار مكفول لكل صاحـب مبدأ ضاقت به الســبل إلا أن المحك الفاصل يكــمن في كيفــية ممارســــتها فشـــتان بين استقالة شــريفة تحـفظ الود وتصون العـــهد وبين تســاقط ذلــيل يرتمي في أحضـــان الخصـم.
و تبــقى الوصــية الأبــدية لكل من أعيــته الطرق استـقل بشـــرف وإياك من التســـاقط فـأن تغادر الساحة مرفــوع الهامة محتفظاً بنقاء سريرتك وسلامة ضمـــيرك خـــير مئات الــمرات من أن تخرج مطأطأ الرأس ملوث اليـــدين بدم المبادئ فالتاريخ لا يرحم الخــونة والمتســاقطـين لكــنه يخلـد دائماً أولئك الذين عرفـوا كـــيف يختلفون بشـرف وكيف يحفظون العهد حتى في سـاعـــات الفراق الأقـسى.

مقالات ذات صلة

2 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x