مقالات الرأي

«شهداؤنا ما ماتوا: من كيغالي إلى وطنٍ ينزف»

بقلم: إبتهال عبد العزيز علي موسى

تذكرت شعار “شهداؤنا ما ماتوا، عايشين مع الثوار” الذي ظل محفوراً على الذاكرة، أثناء زيارتي الأخيرة لمتحف الإبادة الجماعية بدولة رواندا، ولقد كانت عبارات الشعار أصدق تعبيراً عمّا رأيته هناك.

في رواندا الشهداء لم يموتوا فعلًا لأن أسماءهم ظلت محفوظة وصورهم معلّقة وقصصهم تُروى، ودماؤهم تحوّلت إلى ذاكرة وطن، أما نحن في السودان، فقد إستشهد الملايين ولكنهم ظلوا بلا أسماء وبلا أرشيف، وبلا جدارٍ يحمل وجوه الذين رحلوا، فلا نملك توثيقاً دقيقياً لعدد شهدائنا كما فعل الروانديون، كأن موتنا يحدث في الظل وكأن تاريخنا يُمحى قبل أن يُكتب، لذلك بدأ لي أن هذا الشعار رغم سودانيته يليق برواندا أكثر.

زرتُ متحف الإبادة في كيغالي مرتين رغم قسوة المشهد وثقل الذاكرة ، فلم تكن الزيارة سهلة، فهناك حيث تُعرض الجماجم، والصور وأغراض الضحايا، لا يمكنكِ أن تخرج كما دخلت، فالألم يتسلل بلا استئذان، والدمع يصبح أصدق لغة، فقد كنت أرى مآسي شعبٍ ذُبح في أيام فأستحضر مآسي شعبي الذي يُذبح على مهل.

في رواندا رأيت حجم الكارثة لكنني رأيت أيضًا حجم النهوض، رأيت شعبًا يواجه ماضيه بلا إنكار ويحوّل الإبادة إلى درس لا إلى لعنة.
الروانديون اليوم ينادون بالسلام، يقدّسون قيمة الإنسان، يوثّقون تجربتهم لا ليفتحوا الجراح بل ليغلقوا صفحة المآسي بوعي، فهناك الأمن ليس شعاراً، والتنمية ليست وعداً مؤجّلًا.

حين قارنت بين رواندا ووطني، جاءت المقارنة موجعة، نحن في السودان نموت بالملايين نخوض حروباً لا نعرف متى ستنتهي ولا إلى أين ستقود، حروب تمزّق الجغرافيا وتكسر الإنسان، وتتركنا معلقين بين الخوف والجوع والفقد.

دولتنا تعجز عن توفير الأمن وتعجز حتى عن رسم ملامح النهاية، كل بقعة في السودان صارت مسرحاً للحرب، وكل بيت صار مشروع فجيعة.

سألت نفسي السؤال الأصعب:
هل هناك فرقٌ بين الحروب القبلية وحروب السلطة؟ وأيهما أشد وطأة؟
لكنني أدركت أن النتيجة واحدة، دمٌ واحد، ودموعٌ واحدة، وخسارة إنسان لا تُعوّض، انتهت الحرب في رواندا أما في السودان فلا تزال تبحث عن نهاية.

هناك قررت الدولة أن يكون الإنسان هو الأولوية، وهنا ما زلنا نبحث عن معنى الدولة بل تأسيس دولة تحترم إنسانيتنا. خرجت من متحف الإبادة، وأنا أحمل حزناً مضاعفاً، حزن على موتى لن يعودوا، وحزنًا على أحياء لم يجدوا بعد طريق النجاة، ولكن وسط كل هذا الخراب ظل سؤال الأمل يطاردني:
إذ نهضت رواندا من بين الركام فهل سينهض السودان؟ هل سيأتي يوم نقول فيه إن الحرب كانت آخر فصول الجنون؟ هل سنختار الحياة أخيرًا كما اختاروها؟

لا أملك الإجابة، لكنني أعلم يقينًا أن الشعوب التي تنجو من الإبادة لا تعود كما كانت إما أن تولد من جديد أو تبقى معلّقة في فصول الموت طويلاً.
لم نيأس رغم الدماء والدموع، ولا نزال ننتظر ميلاد السودان الآمن والمستقر ، ودولة المواطنة المتساوية بلا تمييز.

10 ديسمبر 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x