صراع الجنرالات… وطنٌ يدفع الثمن

بقلم: ايمن عبد العزيز اوباما
في لحظةٍ كان يُفترض أن تتقدّم فيها البلاد نحو استقرارٍ طال انتظاره، انزلقت إلى مشهدٍ أكثر قتامة؛ صراعٌ على السلطة تحوّل من خلافٍ سياسي إلى مواجهةٍ مفتوحة، ومن تنافسٍ داخل المؤسسات إلى معركةٍ على حساب الدولة نفسها. هنا لا تُقاس الخسائر بخطوط السيطرة على الخرائط، بل بعدد البيوت التي أُطفئت أنوارها، وبمساحات الأمل التي انكمشت في صدور الناس.
ليس جديدًا على السودان أن يرزح تحت ثقل الانقلابات والانتقالات المتعثّرة، لكن الجديد هو اتساع رقعة الضرر وعمقه. حين تتواجه مراكز القوة بالسلاح، تتراجع الدولة خطوةً بعد خطوة، وتتقدّم الفوضى بوصفها “نظامًا بديلًا”. تتآكل مؤسسات الخدمة، تتعطل عجلة الاقتصاد، ويصبح المواطن، لا العسكري، هو من يدفع كلفة كل جولة.
في قلب المدن، تغيّرت وظيفة المكان: المدارس صارت ملاجئ، والمستشفيات صارت ساحات نجاةٍ محدودة الإمكانات، والطرقات صارت معابر قلق. وبين هذه التحوّلات، يتشكل واقعٌ إنساني قاسٍ؛ نزوحٌ داخلي واسع، أسرٌ تتفرّق، وأجيالٌ تُدفع خارج مقاعد التعليم إلى هامشٍ لا يليق ببلدٍ يمتلك كل هذا الرصيد من التاريخ والموارد.
اقتصاديًا، لا يحتاج الأمر إلى أرقامٍ معقّدة لقراءة المشهد. العملة تضعف، الأسعار ترتفع، وسلاسل الإمداد تتقطع. في مثل هذه البيئات، يزدهر اقتصاد الظل، وتُفتح أبواب الفساد على مصراعيها، بينما تتقلّص فرص العمل النظامي. الثروات الطبيعية، التي كان يُفترض أن تكون رافعةً للاستقرار، تتحوّل إلى عنصرٍ في معادلة الصراع بدل أن تكون جسرًا للتوافق.
سياسيًا، يتبدّد الأفق. كلما طال أمد المواجهة، تضاءلت فرص بناء مسارٍ انتقالي موثوق، وتراجعت ثقة الشارع في قدرة النخب على إنتاج حلٍ جامع. تتكاثر المبادرات والوساطات، لكن أثرها يبقى محدودًا ما لم تُسنَد بإرادةٍ حقيقية لوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولةٍ تُعلي مصلحة الوطن على حسابات الغلبة.
الأخطر من ذلك كلّه هو ما يحدث للنسيج الاجتماعي. المجتمعات التي تعيش تحت ضغط العنف لفتراتٍ طويلة تتغيّر من الداخل: تنكمش دوائر الثقة، وتتسع مساحات الشك، وتُستدعى الهويات الضيقة بوصفها ملاذًا مؤقتًا. وإذا لم يُدار هذا الملف بحكمة، فإن آثار الصراع ستبقى حتى بعد أن تسكت البنادق.
ومع ذلك، ليس المشهد مغلقًا. تاريخ السودان يحمل شواهد على قدرة المجتمع على النهوض حين تتوفر القيادة الرشيدة والإرادة الجامعة. المخرج لا يبدأ من انتصار طرفٍ على آخر، بل من اعترافٍ صريح بأن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التنازل. وقفٌ فوري لإطلاق النار، حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة تُعيد بناء الثقة وتضع أسسًا واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية.
إن صراع الجنرالات، مهما بدا حاسمًا في لحظته، يظل عابرًا في تاريخ الأوطان. أما ما يبقى، فهو أثره في الناس: في تعليم طفلٍ انقطع، وفي أسرةٍ تهجّرت، وفي اقتصادٍ تعطّل. بين حسابات القوة ومعادلات السياسة، تقف حقيقة بسيطة لا تقبل التأجيل: لا وطن يربح حين يخسر مواطنوه.



