صرخة من رحم المعاناة: زواج القاصرات في السودان.. وأدٌ للمستقبل بقناع “السترة”

بقلم: كمال محجوب عبدالبشير عبدالرحمن (أرسطو)
25 أبريل 2026م
في مجتمعٍ تتقاذفه أمواج الأزمات، وتخنقه ضيق سبل العيش، تبرز قضية “زواج القاصرات” في السودان كواحدة من أكثر الظواهر قسوةً وإيلاماً. إنها ليست مجرد ممارسة اجتماعية موروثة، بل هي “مقصلة” تُنصب لبراءة الفتيات تحت دعاوى واهية تارةً باسم “السترة” وتارةً أخرى تحت ضغط الفقر الذي حوّل الطفلة في بعض الأقاليم إلى “سلعة” تُقايض لتخفيف العبء عن كاهل الأسرة.
الواقع السوداني: بين المطرقة والسندان
إن ما نراه اليوم في قرانا ومعسكرات نزوحنا وفي أحياء مدننا الطرفية، هو اغتيالٌ معنوي وجسدي مكتمل الأركان. الفتاة السودانية التي كان من المفترض أن تحمل القلم لترسم مستقبل بلادها، تُجبر اليوم على حمل أعباء بيتٍ لا تدرك كنهه، ومواجهة حملٍ ينهك جسدها الغضّ الذي لم يكتمل نموه بعد.
إننا في السودان نعيش تناقضاً صارخاً؛ فبينما نتحدث عن التغيير وبناء الدولة الحديثة، لا تزال قيود العادات البالية والفقر المدقع تدفع بالآلاف من بناتنا إلى “قفص الزوجية” وهنّ لا يزلن في سن اللعب والتمدرس. إن “السترة” الحقيقية ليست في تزويج القاصرة، بل في تعليمها، وتمكينها، وحماية حقها في أن تعيش طفولتها كاملة غير منقوصة.
الجوانب المظلمة لهذه الظاهرة:
الخطر الصحي: مستشفيات الولادة في السودان تعج بحالات “ناسور الولادة” والوفيات الناتجة عن مضاعفات الحمل في سن مبكرة، وهي ضريبة جسدية تدفعها الطفلة ثمنًا لجهل المجتمع.
التسرب التعليمي: كل طفلة تُزفّ قبل أوانها هي مقعد دراسي فارغ، وهي فرصة ضائعة للسودان في الحصول على طبيبة أو مهندسة أو معلمة كانت ستساهم في نهضة هذا الوطن.
التمزق النفسي: هؤلاء الصغيرات يُنتزعن من عالم الطفولة ويُلقى بهن في عالم الكبار، مما يخلق جيلاً من الأمهات الفاقدات للتوازن النفسي، مما ينعكس سلباً على تربية الأجيال القادمة.
خارطة الطريق للمواجهة:
إن محاربة هذه الظاهرة في السودان تتطلب جراحة اجتماعية وقانونية عميقة:
قوانين رادعة: يجب تفعيل تشريعات تمنع زواج من هم دون الثامنة عشرة دون أي مواربة أو ثغرات قانونية.
ثورة الوعي: على قادة المجتمع، ورجال الدين المستنيرين، ومنظمات المجتمع المدني، النزول إلى القواعد الشعبية لتصحيح مفهوم “السترة” وربطه بالتعليم لا بالزواج.
الدعم الاقتصادي: لا يمكن محاربة هذه الظاهرة دون معالجة جذور الفقر التي تدفع الآباء لاتخاذ قرارات كارثية بحق بناتهم.
خاتمة
إن الطفلة السودانية هي أمانة في عنق الدولة والمجتمع، والسكوت عن تزويجهن هو تواطؤ في جريمة ضد الإنسانية. إننا نناشد الضمير السوداني الحي أن يستيقظ، لنجعل من مدارسنا ملاذاً لبناتنا، لا غرف الزوجية المظلمة. لنمنحهن الفرصة ليكبرن، ليتعلمن، وليخترن مصيرهن بإرادة حرة حين يبلغن النضج الكافي.
كفى وأداً لأحلام الصغيرات.. فالسودان لا يُبنى إلا بنساء متعلمات، قويات، ومسلحات بالوعي.



