صمود التعليم في الحرب

بقلم: يوسف الغوث
في وطنٍ تكسّرت على صخرة وجعه الأيام وتناثرت قراه كحبّات عقدٍ انفرط في مهبّ الريح،، ثم توارت مدارسُه خلف لهيب المعارك ،،نهض فتيةٌ لم تُطوِهم يدُ الحرب ولم تُغوِهم راياتُ اليأس فحملوا مصابيحهم ومضوا في الدرب الوعر
لم ينتظروا الفرج على وسادة الحزن بل صنعوه بيدين صغيرتين وقلبٍ لا يعرف الانكسار فأحاطت بهم الحرب من كلّ جهة ،،،فردّوا عليها بالإرادة وتسلحوا بالعلم
لم يكن هذا الصمود حكراً على مدينةٍ دون أخرى فقد امتدّ وهجُه من الخرطوم إلى الجزيرة ومن كردفان إلى دارفور حتى في نيالا التي ضيّقت عليها الحرب من كلّ فجّ ،،ظلّ الطلاب يجلسون للامتحان وقلمُهم أقوى من المدافع
وفي قلب هذه الملحمة وقف المعلمون حرّاسَ الوعي وصنّاعَ الأمل،، حملوا الرسالة على عواتقهم رغم شحّ الموارد وانقطاع الرواتب ففتحوا منازلهم فصولاً ومساجدهم مدارس ومراكز للايواء
لم يبخلوا بقطرة علم ولم تثنِهم قلة ذات اليد،، بل بذلوا من روحهم قبل جيوبهم فالعلم أمانة والعطاء في المحن شهادة أخرى..
وإلى جانبهنّ وقفت الأمهات درعاً من حنانٍ لا ينكسروفيض.من نور
تتجاوز هذه التجربة نطاق الامتحان بوصفه حدثاً تقويمياً لتكتسب دلالاتٍ أوسع على أكثر من مستوى
فعلى المستوى التربوي تُظهر أن استمرارية التعليم ممكنة حتى في غياب المقومات المادية متى توفّرت الإرادة الفاعلة والقيادة المهنية
وعلى المستوى الاجتماعي تعكس مخزوناً من التضامن يمكن استثماره في مشاريع التنمية بعد انتهاء النزاع
أما على مستوى السياسات فهي دعوة إلى بناء أنظمة تعليمية مرنة قادرة على الاستجابة للطوارئ،، فتجربة طلاب الشهادة السودانية تشكل انموذجاً يستحق التوثيق والدراسة،، فهي لا تُعبّر عن قدرة فردية على التحمّل فحسب بل تكشف عن نسيج اجتماعي ومهني قادر على الاستمرار في ظروف بالغة القسوة ومن ثمّ فإنّ أيّ جهدٍ لإعادة إعمار القطاع التعليمي ينبغي أن ينطلق من هذا الرصيد لا من نقطة الصفر
فمباركٌ لكم هذا الفوز المستحق ومباركٌ لمعلميكم الأوفياء
وتحية خاصة لأمهاتكم وآبائكم الذين صنعوا من الألم أملاً مستداماً
هنئياً للسودان بهذا الجيل المزهر رغم الحريق…..
ودمتم…



