صوت العقل

بقلم: الكاتب و الشاعر/ حمزة عبدالرحمن محمد عمر
طالما كانت أرض دارفور عبر تاريخها الضارب في عمق الزمان لوحةً إنسانية بالغة الثراء تتمازج فيها الثقافات وتتشابك في أرجائها أواصر القربى والجوار حيث شكل هذا التنوع الفريد على مر العصور مصدر منعة وقوة للإقليم بأكمله غير أن الناظر إلى المشهد اليوم يلحظ بأسى بالغ كيف تسللت إلى هذا الجسد المترابط سموم خطاب الكراهية ونعرات العنصرية البغيضة لتتحول منصات التواصل وأقلام بعض النشطاء من أدوات للبناء والوعي إلى معاول للهدم والتفتيت في وقت لم تعد فيه اللحظة التاريخية الراهنة تحتمل ترف الصمت أو مواربة الكلمات بل تستدعي وقفة صدق حاسمة مع الذات لمواجهة خطابات التأجيج التي لا تجني منها الأرض سوى مزيد من الدماء والدموع والتشرذم.
إن هذا المنزلق الخطير يلوح بوضوح حينما يتحول الانتماء القبلي أو الجهوي من فضاء رحب للتعارف والتكامل إلى خندق ضيق للعداء والإقصاء فالإغراق في العنصرية ليس مجرد كلمات عابرة تقال بل هو وباء يلتهم العقل الجمعي ويعمد بخبث إلى تزييف الوعي وشيطنة الآخر وتعميم الأحكام الجائرة بحيث يحاسب الجماعة بجريرة الفرد وتلغى قيم العدالة الإنسانية مما يحيل الفضاء العام إلى ساحة للملاسنات وتصفية الحسابات التي يدفع فاتورتها المواطنون البسطاء على الأرض.
ومن هذا المنطلق لا يمكن قراءة هذا التصاعد المفاجئ لخطاب التحريض بمعزل عن الأجندات الخبيثة التي تطبخ في الغرف المظلمة وثمة جهات ومتربصون يدركون تماماً أن قوة دارفور تكمن في وحدة نسيجها الاجتماعي ولذلك يسعون بمكر دؤوب إلى تفكيك هذا الرابط وإشعال الحرائق في البيت الداخلي بأيدي أبنائه أنفسهم مما يفرض على عموم مكونات الشعب الدارفوري يقظة استثنائية لتفويت الفرصة على خفافيش الظلام وعدم الانسياق وراء الشائعات المصنوعة التي تبث بهدف إثارة الحفيظة وتأليب الأخ على أخيه.
وهنا يتجلى وعي مفصلي لا بد من إرسائه في العقول والضمائر وهو ألّا تفرقنا السياسة كمجتمع متماسك وأن ننأى بمجتمعاتنا وقواعدنا الأهلية تماماً عن الخصومات والتجاذبات السياسية. فالتحولات والمواقف السياسية هي متغيرات متبدلة وعابرة بطبعها ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتخذ كإسفين يدق في صدر العيش المشترك أو أن توظف الروابط الاجتماعية والقبلية كوقود لصراعات النخب والمصالح الحزبية الضيقة بل يجب أن تظل أواصرنا المجتمعية مقدسة ومحصنة و عصية على التسييس والتمزيق بحيث تظل قيم الأخوة فوق أي خلاف فكري أو سياسي.
إن ترياق هذا الداء العضال لا يكون بالانكفاء بل بصياغة خطاب بديل وشجاع يعلي من قيم الوحدة وقبول الآخر كشريك أصيل في الأرض والمصير إيماناً بأن الجغرافيا والتاريخ والدم قد نسجوا في دارفور شبكة علاقات لا يمكن لأي طرف فصمها أو إلغاؤها إذ لا خيار أمام الجميع سوى النهوض معاً وتأسيس دولة المواطنة التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات ويجرم فيها التمييز بقوة القانون مع استلهام الإرث العرفي الزاخر للإقليم في فض النزاعات وإدارتها بحكمة وتجرد.
وهنا تحديداً تقع المسؤولية الأخلاقية والتاريخية الأكبر على عاتق النشطاء والمثقفين وصناع الرأي من أبناء دارفور فالكلمة في أوقات الأزمات أمانة عظمى وقد تكون بمثابة رصاصة قاتلة أو بلسم شاف مما يوجب عليهم الارتقاء فوق الجراح والغبن وتطهير منصاتهم من لغة الشحن والتحريض والتحلي بالشجاعة الكافية لمواجهة الأصوات المتطرفة الصادرة من داخل مكوناتهم قبل إدانة الآخرين.
إن دارفور التي أنجبت العلماء وحفظة القرآن وقادة الفكر تستحق اليوم فجراً جديداً يعلو فيه صوت العقل والحكمة فبالوحدة وحدها تصان الدماء وتبنى الأوطان ومتى ما أُغلقت النوافذ في وجه رياح الفتنة المسمومة تحول الحلم بالاستقرار والتنمية إلى واقع معاش يظلل أرض دارفور الطيبة ويسع جميع أبنائها دون إقصاء أو تمييز.



