طريق العزلة

بقلم: السمؤل جمال
في حديث مطول مع نائب رئيس حركة/جيش تحرير السودان القائد عبد الله حران آدم برزت قراءة سياسية لمسار طويل من الصراع في السودان. قراءة ترى ان ما وصلت اليه الحركة الاسلامية من عزلة لم يكن حدثا مفاجئاً بل نتيجة مسار ممتد من السياسات التي قادت الدولة الى الحروب والانقسام.
يقول نائب رئيس الحركة ان فهم ما حدث يقتضي العودة الى بدايات المشروع السياسي الذي قادته الحركة الاسلامية منذ دخولها المجال العام عبر تنظيم الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي. منذ ذلك الوقت لم تتصرف الحركة كتيار سياسي طبيعي بل عملت على التغلغل داخل الجامعات والنقابات والجيش ومؤسسات الدولة حتى تهيأت لحظة السيطرة على الحكم.
وجاءت تلك اللحظة في انقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة عمر حسن أحمد البشير الذي اطاح بالحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي. منذ ذلك اليوم دخل السودان مرحلة جديدة حيث تم توظيف الدين في السياسة وتحوّلت الدولة الى اداة لخدمة مشروع ايديولوجي واحد.
الحروب التي شهدتها البلاد خلال تلك الحقبة كانت نتيجة مباشرة لهذا النهج. الحرب في الجنوب استمرت سنوات طويلة حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل لكنها انتهت في النهاية بانفصال جنوب السودان عام 2011. وفي غرب السودان اندلع نزاع وهو النزاع الذي كشف عمق ازمة الدولة السودانية.
فظهرت حركة/جيش تحرير السودان بمشروع سياسي واضح يدعو الى دولة المواطنة المتساوية تعترف بتنوع السودان وتوزع السلطة والثروة بعدالة.
ويؤكد ان الحركة منذ بدايتها اتخذت موقفاً واضحاً من طبيعة النظام. فقد رأت ان المشكلة ليست في الحكومة بل في منظومة سياسية كاملة قامت على العنف والاقصاء. لهذا تبنت الحركة خط الممانعة ورفضت منح الشرعية لذلك النظام عبر اتفاقات جزئية.
احد ابرز هذه المواقف كان رفض الحركة توقيع اتفاقية أبوجا للسلام في 5 مايو 2006. في ذلك الوقت وقعت بعض الفصائل المسلحة الاتفاق بينما رفضته حركة جيش تحريرالسودان لان الاتفاق لم يعالج جذور الازمة ولم يوفر حماية للمدنيين ولم يضمن تفكيك المليشيات التي انشأها النظام. بعد سنوات قليلة تعثر الاتفاق واستمرت الحرب وهو ما اكد صحة تلك القراءة.
الموقف نفسه تكرر مع اتفاقية الدوحة للسلام في دارفور حيث رفضت الحركة المشاركة في المفاوضات. كان السبب واضحاً وهو ان النظام الذي تفاوض لا يلتزم بالعهود. يتفق اليوم ثم ينقض الاتفاق غدا ويحول حلفاء الامس الى خصوم ويستخدم الاعلام والسلطة لتشويه كل من وقع معه اتفاقا. هذه السياسة تكررت مع قوى سياسية وحركات مسلحة كثيرة داخل السودان.
لهذا رأت الحركة ان المشكلة ليست في نصوص الاتفاقات بل في طبيعة المنظومة الحاكمة نفسها. منظومة لا تحترم المواثيق ولا تقيم وزناً للعقود السياسية وتستخدم الدين والسلطة لتبرير الحروب والانتهاكات.
مع مرور السنوات وتراكم الحروب والانتهاكات بدأ يتشكل فهم اوسع لطبيعة هذه المنظومة. وعندما اندلعت الثورة السودانية 2018 التي انتهت بسقوط نظام البشير في ابريل 2019 اتضح ان الازمة اعمق من تغيير رأس السلطة فقط.
منذ وقت مبكر ظلت الحركة تطرح فكرة واضحة وهي ان الحركة الاسلامية في السودان يجب التعامل معها كمنظومة مسؤولة عن العنف والحروب التي شهدتها البلاد. ولذلك طالبت صراحة بتصنيف الحركة الاسلامية في السودان كمنظومة ارهابية بسبب دورها في تقويض الدولة واشعال الحروب واستخدام الدين في تبرير العنف.
هذه الفكرة لم تظهر فجأة بل ظلت الحركة تطرحها منذ سنوات طويلة في خطابها السياسي حتى جاءت المبادرات الاخيرة التي توجت بـ اعلان نيروبي حيث دعت الحركة المجتمع الدولي الى الاعتراف بطبيعة هذه المنظومة والعمل على تصنيفها تنظيما ارهابياً بسبب سجلها الطويل في الحروب والانتهاكات وتقويض الدولة.
ويشير الى ان هذا المسار لم يكن نتيجة جهد طرف واحد فقط لكنه يؤكد ان ثبات موقف حركة جيش تحرير السودان طوال سنوات الصراع كان احد العوامل التي ابقت القضية وطبيعة المشروع الاسلامي في السودان حاضرة في النقاش الدولي.
التاريخ السياسي للسودان سيذكر ان كثيرين اختاروا طريق التسويات المؤقتة بينما اختارت الحركة طريق الممانعة. وقد بدا هذا الموقف في وقت مبكر مع رفض اتفاقات السلام الجزئية واستمر حتى طرح فكرة تصنيف الحركة الاسلامية منظومة ارهابية باعتبارها المسؤولة عن احد اطول عهود الحروب والانقسامات في تاريخ السودان.



