عندما تتحول الدولة إلى قانون الغابة، يهاجر الجميع بحثاً عن الحياة

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
بعد استقلال السودان عام 1956م، كان هناك أمل كبير في بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، لكن هذا الحلم لم يتحقق بالشكل المطلوب. فمنذ بروز فكرة الاستقلال، بدأت تتشكل مجموعات ونخب سياسية كانت قد عملت داخل مؤسسات الحكم في عهد الاستعمار البريطاني–المصري، واستفادت من ذلك النظام بشكل مباشر، ثم انتقلت لتكون جزءاً أساسياً من الدولة الجديدة بعد الاستقلال.
هذا الانتقال لم يكن بسيطاً، إذ حمل معه إرثاً ثقيلاً من الإدارة الاستعمارية وأساليب الحكم التي لم تُبنَ على أسس المواطنة المتساوية، بل على إدارة التنوع بما يُبقي على السيطرة والهيمنة. ومع استمرار تأثير تلك النخب، تعاقبت على حكم البلاد، لكنها فشلت في بناء مشروع وطني جامع، وساهمت في تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية، وأضعفت قدرة الدولة على تحقيق العدالة والاستقرار.
ومع مرور الوقت، تراجعت مؤسسات الدولة وفقدت قدرتها على أداء دورها الأساسي في حماية المواطن وضمان كرامته، فأصبحت الدولة بالنسبة لكثير من السودانيين لا تمثل الأمان، بل تمثل بيئة غير مستقرة تفتقر إلى العدالة وتكافؤ الفرص. وفي ظل هذا الواقع، بدأت الثقة بين الإنسان ووطنه تتآكل شيئاً فشيئاً.
ومن هنا، تصاعدت الهجرة والنزوح، وأصبحت قوارب الموت في البحر الأبيض المتوسط رمزاً مأساوياً لهذا الانسداد، حيث لم تعد الهجرة مجرد خيار، بل تحولت إلى محاولة للهروب من واقع ضاغط. وهي ليست “هجرة غير شرعية” كما تُختزل أحياناً، بل نتيجة مباشرة لتراكمات سياسية وتاريخية واقتصادية طويلة.
وفي ظل غياب العدالة وتراجع مؤسسات الدولة، يقترب المشهد من صورة مجازية يمكن وصفها بـ“قانون الغابة”، حيث تضعف سلطة القانون، وتغيب المساواة، ويصبح البقاء للأقوى أو للأكثر قدرة على تحمل الظروف القاسية، بينما يُدفع الآخرون إلى الهجرة أو الضياع.
إن جوهر الأزمة لا يكمن في الهجرة نفسها، بل في المسار التاريخي والسياسي الذي أوصل إليها. لذلك فإن الحل لا يكون في معالجة النتائج فقط، بل في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تتجاوز إرث الاستعمار، وتقوم على المواطنة والعدالة والاعتراف بالتنوع، حتى يعود الوطن مكاناً للحياة لا ساحة للهروب.



