عندما تخاطب المنظومة الثورية وجدان شعبها

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
لا يمكن للمراقب الحصيف والمتابع لمتلازمة الأزمة السودانية وتجلياتها الراهنة، أن يمر عابراً على الندوة السياسية الكبرى التي أقامتها “حركة/ جيش تحرير السودان” بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور في دائرة “طويلة”. فالحدث في توقيته ومكانه وسياقه الفكري، ليس مجرد نشاط تنظيمي أو تظاهرة سياسية روتينية، بل هو “زلزال وعي” حقيقي ومواجهة معرفية تجترحها الحركة في أشد اللحظات التاريخية قتامة، لتخاطب بها وجدان شعبها وتفكك عبرها طلاسم الراهن المأزوم.
تأتي هذه الندوة، الموسومة بـ (مرتكزات مشروع حركة/ جيش تحرير السودان والراهن السياسي)، والبلاد تتشظى تحت وطأة حرب كارثية، دفع المواطن السوداني البسيط ثمنها الباهظ تشريداً ونزوحاً ومأساة إنسانية غير مسبوقة. هنا تتجلى عبقرية التوقيت؛ ففي الوقت الذي تعجز فيه النخب التقليدية عن تقديم إجابات حقيقية، تنزل الحركة إلى القواعد، إلى الوجدان الحي في “طويلة”، لتعيد تعريف الصراع، وتؤكد أن النضال ليس ترفاً صفوياً، بل هو استحقاق ممتد ومتجذر في وجدان الشعب، ينطلق من إيمان قاطع بحق الشعوب في التحرر من ربقة الظلم، التهميش، والاستبداد البنيوي الذي مارسته الدولة المركزية عبر عقود.
وفي هذا السياق المعقد، يبرز موقف الحركة المحايد من حرب 15 أبريل 2023م كـ “موقف مبدئي، أصيل، أخلاقي وإنساني”؛ وهو تموضع استراتيجي لم ينأى بنفسه عن الصراع العبثي فحسب، بل تحول إلى مظلة أمان حقيقية لحماية المواطنين السودانيين الذين فروا من ويلات الحرب والدمار، ليجدوا ملاذهم الآمن في رحاب الأراضي المحررة الواقعة تحت سيطرة الحركة، والتي فتحت أبوابها لتجسد قيم التضامن الوطني في أسمى صورها.
إن الشعار الذي التفت حوله المكونات الاجتماعية في “طويلة”: (جذور ضاربة في التاريخ، وتنوع يجمع الشعوب، والسودان وطن الحضارات والتعايش والسلام)، يحمل دلالة أنثروبولوجية وسياسية بالغة العمق. إنه يمثل الرد الفكري والعملي الحاسم على كافة مشاريع التفتيت الإثني وخطابات الكراهية الممنهجة. في هذا المشهد المتلاحم، أحدثت الجماهير زلزالاً هزّ أركان المفاهيم الإقصائية، وقدمت “طويلة” نموذجاً حياً لإمكانية إعادة بناء النسيج الاجتماعي السوداني، مؤكدة أن “التنوع” ليس مهدداً للأمن كما توهمت نخب الخرطوم التاريخية، بل هو الرافعة الأساسية لبناء دولة المواطنة المتساوية.
في هذا الفضاء المشحون بالوعي، جاء خطاب رئيس ومؤسس الحركة، الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور، ليضع مبضع الجراح على مكمن الداء السوداني. لم يكن الخطاب مجرد سرد سياسي، بل كان قراءة تشريحية نقدية للراهن، واستشرافاً لتعقيدات مسيرة التحول الوطني الديمقراطي. لقد أعاد النور تذكيرنا بـ “الكتلة الحرجة” الغائبة في المشهد الراهن، وهي (وحدة الصف الجماهيري).
إن الالتفاف حول القضايا الوطنية الكبرى ــ من وقف الحرب، وإحلال السلام الشامل العادل، وتحقيق العدالة والمحاسبة التاريخية ــ هو المخرج الوحيد لانتشال البلاد من مستنقع الانهيار الوجودي. وبغير هذه الوحدة الجماهيرية الواعية، ستظل أي تسوية سياسية مجرد إعادة إنتاج للأزمة بأقنعة جديدة.
خلاصة القول، إن ندوة “طويلة” أثبتت أن مشروع حركة/ جيش تحرير السودان يمتلك حيوية فكرية تمكنه من ملامسة أشواق الجماهير حتى في أحلك الظروف. إنها رسالة واضحة لكل القوى الحية بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي، وأن بوصلة الخلاص الوطني لن تضل طريقها ما دامت مستندة إلى إرادة شعب يرفض الضيم، ويتوق إلى وطن يتسع للجميع؛ وطن الحضارات والتعايش والسلام.



