عندما تغيب العدالة… تتحول الدولة إلى غابة الجميع ضد الجميع

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
لا تقوم الدول على القوة وحدها، بل تقوم أولًا على العدالة. فهي الأساس الذي يحفظ الحقوق، ويصون كرامة الإنسان، ويمنح مؤسسات الدولة شرعيتها. وعندما تغيب العدالة، يضعف القانون، وتتراجع هيبة الدولة، ويصبح الاحتكام إلى القوة بديلًا عن الاحتكام إلى المؤسسات، فتتحول الدولة إلى ساحة صراع يتنازع فيها الجميع ضد الجميع.
هذه الحقيقة تجسدها التجربة السودانية منذ الاستقلال عام 1956. فقد تعاقبت الحكومات، وتعددت الأنظمة، لكن جذور الأزمة بقيت دون معالجة حقيقية. واستمرت الحروب في جنوب السودان، ثم دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، حتى وصلت البلاد إلى حرب 15 أبريل 2023، التي كشفت عمق الأزمة التي تواجه الدولة السودانية.
إن استمرار هذه النزاعات لم يكن نتيجة الحرب وحدها، بل نتيجة غياب العدالة، واختلال التنمية، وضعف المشاركة السياسية، وعدم الاعتراف الكامل بالتعدد والتنوع الذي يتميز به السودان، إلى جانب تمركز السلطة والثروة ومراكز صنع القرار في يد نخب محدودة، بينما ظلت مناطق واسعة تعاني التهميش وضعف الخدمات وفرص التنمية.
لقد أثبتت التجربة أن الدولة التي لا يشعر جميع مواطنيها بالمساواة أمام القانون، ولا يجدون فيها عدالة في الحقوق والواجبات، تصبح أكثر عرضة للصراعات والانقسامات. فكلما غابت العدالة، اتسعت فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، وأصبح السلام أكثر هشاشة.
لذلك، فإن وقف الحرب يمثل ضرورة وطنية وإنسانية، لكنه لا يكفي وحده. فالسلام الحقيقي يبدأ بمعالجة جذور الأزمة عبر حوار سوداني–سوداني شامل، يؤسس لدولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والتنمية المتوازنة، والاعتراف بالتنوع، مع إصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، وجبر ضرر المتضررين من الحروب.
لقد أثبت تاريخ السودان أن تجاهل أسباب الصراع لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجه بصورة جديدة. أما بناء دولة عادلة، يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في الوطن، فهو الطريق الوحيد لوقف دوامة الحروب وتحقيق الاستقرار.
إن العدالة ليست شعارًا سياسيًا، ولا مطلبًا يمكن تأجيله، بل هي أساس الدولة وضمان بقائها. فإذا حضرت العدالة، حضر السلام، وإذا غابت، تحولت الدولة إلى غابة الجميع ضد الجميع.



