مقالات الرأي

عندما يصمت حراس الوطن… تتكلم الحروب: الإدارة الأهلية أمام محكمة التاريخ ومستقبل السودان

بقلم: الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل

لا تبدأ الحروب عندما تُطلق الرصاصة الأولى، وإنما تبدأ عندما يتراجع الضمير الوطني، وتضعف الحكمة، وتتخلى المؤسسات التي أُنشئت لحماية المجتمع عن رسالتها التاريخية. فالرصاصة ليست سوى المشهد الأخير في قصة طويلة من الإخفاقات السياسية والاجتماعية والأخلاقية، وما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد صراع على السلطة أو تنافس على النفوذ، بل هو أزمة عميقة في بنية الدولة، واختبار قاسٍ لصدق الانتماء الوطني، ولقدرة مؤسسات المجتمع على حماية الوطن في أحلك لحظاته.

لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا لحرب لم تترك بيتًا إلا وأصابته، ولا مدينة إلا وأثقلت كاهلها بالدمار، ولا أسرة إلا ولامستها المأساة. تشرد الملايين، وتوقفت عجلة التنمية، وتآكلت مؤسسات الدولة، وتعمقت الانقسامات، بينما تمددت شبكات المصالح التي لا تزدهر إلا في ظل الفوضى، حتى أصبحت الحرب بالنسبة للبعض وسيلة للنفوذ، ولآخرين تجارة تدر الأرباح، بينما ظل المواطن السوداني وحده يدفع الثمن من أمنه، وكرامته، ومستقبل أبنائه.

وفي خضم هذه العاصفة، يبرز سؤال لا يجوز الهروب منه: أين كانت المؤسسات المجتمعية التي حملت عبر التاريخ مسؤولية حماية المجتمع، وصون وحدته، وإخماد الفتن قبل أن تتحول إلى حروب؟ وفي مقدمة هذه المؤسسات تقف الإدارة الأهلية، التي لم تكن يومًا مجرد نظام تقليدي أو إرث اجتماعي، وإنما كانت إحدى الدعائم التي حافظت على التوازن بين الدولة والمجتمع، وأسهمت في إدارة التنوع، وفض النزاعات، وترسيخ السلم الأهلي، وبناء الثقة بين الناس.

لقد استمدت الإدارة الأهلية مكانتها من ثقة المجتمع، لا من قربها من السلطة، ومن قدرتها على الإصلاح، لا من امتلاك أدوات القوة، ومن استقلالها الأخلاقي، لا من انحيازها لأي طرف. وكانت الزعامة الأهلية في وجدان السودانيين مسؤولية قبل أن تكون مكانة، وأمانة قبل أن تكون وجاهة، ورسالة وطنية قبل أن تكون موقعًا اجتماعيًا.

غير أن التاريخ لا يمنح أي مؤسسة حصانة دائمة من المراجعة. فالمؤسسات العظيمة لا تُقاس فقط بما قدمته في الماضي، وإنما بما تفعله عندما تواجه الأوطان أخطر لحظات وجودها. ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة دور الإدارة الأهلية ليست انتقاصًا من تاريخها، ولا تقليلًا من مكانتها، وإنما دعوة وطنية صادقة إلى استعادة رسالتها الأصيلة، وتعزيز استقلالها، وتجديد دورها بما يتناسب مع حجم التحديات التي يواجهها السودان.

ومن الإنصاف أن يقال إن الإدارة الأهلية ليست كتلة واحدة، ولم يكن أداؤها واحدًا في مختلف أنحاء البلاد. فقد برزت قيادات أهلية حملت مسؤوليتها الوطنية بشجاعة، وسعت إلى الإصلاح، ووفرت الحماية للمجتمعات المحلية، وأسهمت في المصالحات، وحافظت على السلم الأهلي في ظروف بالغة التعقيد. وفي المقابل، تكشف التجارب أن انخراط بعض القيادات في الاستقطابات، أو تراجع دور بعضها في لحظات مفصلية، أضعف قدرة المجتمع على احتواء الأزمة. وهذه حقيقة تستدعي المراجعة والإصلاح، لا الإدانة الجماعية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة وطنية هو أن تفقد استقلالها الأخلاقي. فالمؤسسة التي تعجز عن الوقوف على مسافة واحدة من جميع أبناء الوطن، أو تسمح للمصالح الضيقة بأن تتقدم على المصلحة العامة، تبدأ تدريجيًا في فقدان رسالتها، مهما احتفظت بمكانتها الشكلية. والتاريخ يعلمنا أن سقوط المؤسسات لا يبدأ بانهيار مبانيها، بل بانهيار القيم التي قامت عليها.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الحروب لا تستمر بقوة البنادق وحدها، بل تستمر أيضًا عندما يضعف صوت العقل، وتتراجع المرجعيات الوطنية، ويغيب الإصلاح، ويُترك المجال للمستفيدين من استمرار النزاعات. وكلما تآكلت الثقة بين المجتمع ومؤسساته، ازداد اتساع دائرة الصراع، وارتفعت كلفة السلام، وصار إعادة بناء الدولة أكثر تعقيدًا.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاصطفافات، ولا إلى قيادات تُعمّق الانقسام، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويضع الإنسان السوداني في قلب كل السياسات، ويستنهض المؤسسات المجتمعية لتكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من الأزمة. والإدارة الأهلية، بما تمتلكه من رصيد اجتماعي وتاريخي، قادرة على أن تؤدي دورًا محوريًا في هذا المشروع إذا تمسكت باستقلالها، وانتصرت للوطن فوق كل ولاء آخر، وجعلت حماية المجتمع ووحدة السودان رسالتها الأولى.

فالزعامة ليست لقبًا يُورث، ولا نفوذًا يُمارس، وإنما مسؤولية تُختبر في أوقات الشدة. والقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأتباع، وإنما بقدرتها على حماية المجتمع عندما تتهاوى المؤسسات، وعلى قول كلمة الحق عندما يصبح الصمت شريكًا في استمرار المأساة. والتاريخ لا يخلد الذين اكتفوا بمراقبة أوطانهم وهي تنزف، بل يخلد الذين امتلكوا شجاعة المراجعة، وإرادة الإصلاح، والقدرة على تقديم الوطن على كل مصلحة شخصية أو قبلية أو سياسية.

إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتحول هذه المأساة إلى نقطة انطلاق نحو مراجعة وطنية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة وسيادة القانون، وإما أن يستمر استنزاف الوطن في دوامة لا رابح فيها إلا الحرب نفسها. ولن يكون السلام الحقيقي اتفاقًا سياسيًا فحسب، بل سيكون ثمرة عودة المؤسسات الوطنية إلى رسالتها، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وانتصار الضمير على المصالح، والحكمة على الانفعال، والوطن على كل الولاءات الضيقة.

سيأتي اليوم الذي تضع فيه الحرب أوزارها، وتُطوى صفحات هذه المأساة، لكن التاريخ لن ينسى مواقف الرجال والمؤسسات. سيظل يسأل: من حمل أمانة الوطن عندما كان ينزف؟ ومن جعل من مسؤوليته جسرًا للسلام، لا أداةً للانقسام؟ ومن أدرك أن السودان أكبر من الجميع، وأن بقاءه لا يتحقق إلا بوحدة أبنائه، وعدالة دولته، واستقلال مؤسساته؟

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى أبطال حرب جدد، بل إلى صناع سلام، ولا إلى زعامات تبحث عن النفوذ، بل إلى قيادات تستعيد المعنى الحقيقي للمسؤولية الوطنية. فالأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُحفظ بالمصالح العابرة، وإنما تُبنى بالإخلاص، وتُصان بالعدل، ويكتب مستقبلها رجال ونساء يؤمنون بأن خدمة الوطن ليست شعارًا يُرفع، بل عهدٌ يُصان، ورسالةٌ تُؤدى، وأمانةٌ سيحكم عليها التاريخ قبل أن يحكم عليها الناس.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x