مقالات الرأي

عندما يفرح الجميع بانتصارات الحرب… تتحرك حركة/ جيش تحرير السودان لحماية الشعب وبناء الجبهة المدنية العريضة


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


في اللحظة التي تُرفَع فيها رايات الحرب ويُعلَن عن “انتصارات” تُبنى فوق الخراب، يُخيَّل للبعض أن صوت البنادق أعلى من صوت الشعب، وأن التقدم العسكري يمكن أن يكون بديلاً عن السلام العادل وبناء الدولة. وبينما تحوّلت الساحة السودانية إلى ساحات احتفال وهمي بانتصارات لا ترى فيها العيون سوى مزيد من الدماء والدمار، تخرج حركة/جيش تحرير السودان برؤية مختلفة، رؤية تعيد توجيه البوصلة نحو الإنسان السوداني الذي ظلّ وحده وقوداً لصراع لا نهاية له منذ ميلاد الوطن. فالحركة لا تنظر للحرب كغنيمة ولا تعترف بالدم كوسيلة للشرعية، بل تنظر إليها باعتبارها حالة اضطرار لحماية المدنيين عندما يغيب القانون وتنعدم الدولة وتتحول الأرض إلى ساحة فوضى تتنازعها القوى المسلحة. وكما قال أحد حكماء القارة الإفريقية: «الانتصار الحقيقي ليس أن تهزم خصمك في الميدان، بل أن تمنع موت الأبرياء في الطريق إليه.» وهذا القول يلخّص بعمق موقع الحركة في لحظة تغمر فيها نشوة الحرب الكثيرين، بينما ينزف الشعب بلا توقف.
لقد ورث السودان منذ يومه الأول دولة لم تُبنَ على أسس العدالة ولا المواطنة، دولة كانت فيها الحرب جزءاً من تكوينها الأول وليس استثناءً. فمنذ الاستقلال، ظلّت الأطراف المتعاقبة تتعامل مع السلطة باعتبارها ميراثاً لا عقداً اجتماعياً، ومع الشعب باعتباره تابعاً لا شريكاً. وهكذا وُلد وطنٌ ممزق في جوهره، يحمل داخله بذور الحروب قبل أن تحملها جغرافيته. ومن هذا الوعي بالتاريخ العميق للأزمة السودانية، تدرك الحركة أن أي “انتصار” عسكري لا يعني شيئاً ما لم ينعكس مباشرة على حياة الشعب، وما لم يوقف هذا الدوران الأبدي في طاحونة الدم. ولذلك، بينما يتسابق المتحاربون لانتزاع المواقع ورفع الشعارات التي تخفي خلفها صراعاً على السلطة، تتحرك الحركة لحماية المدنيين، لأن معيارها ليس الحدود التي تتغير بالقوة، بل الإنسان الذي تُنتهك كرامته كل يوم.
إنّ الحركة وهي تتحدث عن حماية الشعب لا تفعل ذلك من باب العاطفة أو الخطاب السياسي، بل من باب الفعل التاريخي الذي سجّلته مسيرتها الطويلة في مقاومة الإقصاء وبناء مشروع للمواطنة المتساوية، مشروع يرى أن الإنسان هو أساس الدولة لا موردها. ولأن الحروب الحالية تُدار بعقلية الغلبة لا بعقلية الدولة، ولأنها تُنتج أنهاراً من الضحايا وطبقات جديدة من التشظي، فقد طرحت الحركة بديلاً تاريخياً: بناء جبهة مدنية عريضة، مستقلة من مصالح الأطراف المتحاربة، وغايتها وقف الحرب فوراً وفتح الطريق لحوار سوداني–سوداني ينتج سلاماً عادلاً ودولة مواطنة لا إقصاء فيها ولا محاصصات. وهذه الجبهة ليست تجمعاً رمزياً بل قوة اجتماعية يمكن أن تُعيد للمدنيين دورهم المصادَر منذ عقود، وتمنح الشعب القدرة على أن يصبح صانعاً للحلول لا شاهداً على المآسي.
فالسودان اليوم أمام مفترق يقرر مصيره لعقود قادمة: إما أن يستمر في حلقات الحرب التي لا تنتهي، أو أن يخلق لحظة وعي جديدة تُعيد ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة. والحركة تدرك أن الحوار السوداني–السوداني ليس ترفاً سياسياً ولا بديلاً شكلياً، بل هو الطريق الوحيد لتفكيك جذور الأزمة التي حملتها الدولة منذ ميلادها. فكل الحروب بدأت من غياب العقد الاجتماعي، وكل الانهيارات السياسية كانت نتيجة الإقصاء، وكل الثورات الشعبية التي اندلعت كانت تبحث عن وطن يُعامل أبناءه بإنصاف وعدل. ولذلك تأتي دعوة الحركة إلى جبهة مدنية مستقلة بوصفها استجابة لاحتياج تاريخي قبل أن تكون مبادرة سياسية.
وفي الوقت الذي يقف فيه كثيرون على منصات الاحتفال بالانتصارات العسكرية، تذكّر الحركة الجميع بأن الحرب التي تُفرِح القادة تُبكي الشعب، وأن الخرائط التي تُعاد رسْمها فوق الطاولات تُغطي دموع النازحين الذين فقدوا كل شيء. وكما ذكر أحد القادة الأفارقة الثوريين: «لا معنى لأي انتصار لا يوقف بكاء الأمهات.» ولهذا، تقف الحركة على النقيض من منطق الحرب الذي يرى في كل تقدمٍ مكسباً، فهي ترى أن كل يوم يمر والحرب مستمرة هو خسارة للوطن كله.
إنّ السودان اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من الانتصارات العسكرية، بل بحاجة إلى انتصار واحد فقط: انتصار الوعي على الحرب، انتصار المجتمع على الكراهية، انتصار المواطنة على الطائفية، وانتصار السلام العادل على منطق القوة. وهذا ما تدعو إليه الحركة بوضوح، وهي ترسم أفقاً جديداً لوطن تمزّق منذ لحظته الأولى، لكنها تؤمن أن إمكانية إعادة بنائه لا تزال حيّة ما دام هناك من يقف لحماية الشعب ويدافع عن فكرة الدولة التي تتعامل مع جميع أبنائها باعتبارهم شركاء في المصير.
إن حماية الشعب ليست شعاراً، والجبهة المدنية ليست تكتيكاً، والحوار السوداني–السوداني ليس مجاملة سياسية، بل هي الطريق الوحيد لإنقاذ وطن ينهار أمام أعين الجميع. وفي زمن يتسابق فيه المتحاربون للإعلان عن انتصاراتهم، تذكّر الحركة الجميع بأن الانتصار الحقيقي هو أن يتوقف النزيف، وأن تعود للبلاد إمكانية أن تُعاد ولادتها خارج متاريس الحرب. فالوطن الذي تُعاد صياغته بالدم لا يمكن أن يعيش، أما الوطن الذي يُعاد بناؤه بالإرادة المدنية فهو وحده القادر على النهوض.
وكما قال أحد الحكماء: «السلام الذي لا يحمي الضعفاء ليس سلاماً، والوطن الذي لا يجعل من حماية شعبه أولوية ليس وطناً بل ساحة حرب.» وهذا هو جوهر الرسالة التي تحملها الحركة اليوم: أن السودان أكبر من الحرب، وأن الشعب أهم من الانتصارات، وأن بناء المستقبل يبدأ عندما نضع البنادق جانباً ونبني دولة تتسع للجميع دون إقصاء ولا عنصرية ولا محاصصة.


24 نوفمبر 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x