غياب التغطية العالمية والتخلي الدولي عن النازحين السودانيين: قراءة في تناقض المشهد الإعلامي والسياسي

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور )
● أزمة صامتة في زخم عالمي صاخب
في وقت تخوض فيه البشرية واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث تتزاحم الأزمات والصراعات على واجهة الاهتمام العالمي، يظل السودان الغارق في نزاع دموي منذ أبريل 2023 يعاني من أزمة إنسانية تتصاعد بسرعة مرعبة، لكنها تتصادم مع جدار من اللامبالاة الدولية والصمت الإعلامي المطبق. أكثر من سبعة ملايين إنسان سوداني، بين نازح داخل حدود بلاده ولاجئ عبر الحدود إلى دول الجوار، يعيشون في ظروف تعكس واحدة من أكبر كوارث العصر الحديث، لكنّ صوتهم يكاد لا يصل إلى العالم، وصورتهم لا تعبر شاشات القنوات الكبرى إلا نادراً، وقصص معاناتهم لا تتصدر عناوين الصحف كما تفعل أزمات أخرى أقل حجماً بكثير. هذه الورقة تحاول الغوص في أعماق هذه المفارقة الصارخة، مقارنةً بين التعامل الإعلامي والسياسي الدولي مع الأزمة السودانية من جهة، ومع أزمات أوكرانيا وغزة وإيران وأمريكا من جهة أخرى، مع الاستناد إلى أبعاد إنسانية وعلمية وإحصائية تكشف النقاب عن نظام من المعايير المزدوجة يعيد إنتاج منطق القوة والإقصاء في قلب النظام الإنساني العالمي. فبينما تجد أسرة أوكرانية فروا من القصف ملاذاً آمناً في وارسو أو برلين مع تغطية إعلامية لحظية وتضامن أوروبي غير مسبوق، يجد النازح السوداني نفسه عالقاً في العراء على حدود تشاد أو في مخيمات جنوب السودان المكتظة، دون أن يلتفت إليه أحد، ودون أن تتحرك المؤسسات الدولية بنفس الزخم أو بنفس السرعة. هذه الورقة هي محاولة لفهم هذا التناقض، ليس من باب المقارنة الكمية الباردة، بل من باب البحث عن العدالة الإنسانية التي ينبغي أن تكون الأساس الذي تقوم عليه الاستجابات العالمية للأزمات.
● الخلفية التاريخية للأزمة السودانية
يمتد الصراع السوداني بجذوره إلى عقود من التهميش السياسي والاقتصادي، وإدارة متناقضة للتنوع الثقافي والديني والعرقي في واحدة من أكبر دول أفريقيا مساحةً. لكن الانفجار الحالي الذي بدأ في الخامس عشر من أبريل عام 2023م بين قوات الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لم يكن حدثاً مفاجئاً بالمعنى الدقيق، بل كان تتويجاً لتراكمات خطيرة بدأت مع سقوط نظام عمر البشير في عام 2019م، ثم المرحلة الانتقالية المضطربة، ثم الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021م الذي عرقل مسار التحول الديمقراطي وأعاد إنتاج منطق الحكم العسكري. السودان، الذي كان يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة نتيجة الحصار الدولي الطويل ثم الانفصال عن الجنوب وفقدان معظم عوائد النفط، كان جسده السياسي منهكاً وهشاً قبل أي صراع. وعندما تحول الخلاف بين الرجلين القويين في جهاز الحكم إلى مواجهة مسلحة في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى مثل مدني والجنينة ونيالا والفاشر، لم تكن البنية التحتية للدولة السودانية قادرة على امتصاص هذه الصدمة. انهارت المؤسسات المدنية، وتوقفت الخدمات الأساسية في غضون أيام، وتحولت مدن بأكملها إلى ساحات قتال استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية في مناطق سكنية مكتظة. الطابع الفريد لهذا النزاع أنه ليس حرباً أهلية بالمعنى التقليدي، كما أنه ليس غزواً من خارج الحدود، بل هو انهيار للسلطة المركزية وانقسام للجهاز العسكري إلى فصيلين يتحاربان على السلطة والثروة، مما جعل إيجاد حل سياسي أكثر تعقيداً من النزاعات التقليدية. فكلا الطرفين كانا جزءاً من مؤسسة الحكم ذاتها، وكلا الطرفين يمتلك ثقلاً عسكرياً واقتصادياً، وكلا الطرفين متهم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. هذا التعقيد في السردية جعل من الصعب تقديم النزاع كمعركة بين الخير والشر، وهو ما قد يفسر جزئياً فتور الاهتمام الإعلامي الغربي مقارنة بالصراعات ذات القطبين الأخلاقيين الواضحين.
● حجم الكارثة الإنسانية بالأرقام والحقائق
عند الحديث عن الأزمة السودانية، لا يمكن تجاوز الأرقام التي تروي قصة مؤلمة من النزوح واللجوع والمرض. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أوتشا، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومنظمة الهجرة الدولية، تصدر تقارير دورية ترسم صورة قاتمة. حتى منتصف عام 2024م، تجاوز عدد النازحين داخلياً ستة ملايين شخص، كما لجأ أكثر من مليون ونصف المليون إلى دول مجاورة تتقاسمها ظروف الفقر والهشاشة. تشاد التي تستضيف أكثر من نصف مليون لاجئ سوداني، كانت تعاني أصلاً من أزمة إنسانية مركبة بسبب تغير المناخ والصراعات الداخلية. جنوب السودان الذي خرج من حرب أهلية طويلة، يواجه تحديات سياسية هائلة مع استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين الفارين من الشمال. مصر وإثيوبيا وإريتريا وأفريقيا الوسطى وليبيا، كلها تتلقى أعداداً متفاوتة من اللاجئين لكنها تفتقر إلى القدرات الاستيعابية الكافية. لكن ما يجعل الأزمة السودانية فريدة من نوعها هو سرعة تدفق النازحين. في الأشهر الثلاثة الأولى فقط من النزاع، نزح ما يقرب من مليوني شخص، وهو ما يعادل معدل نزوح يومي يصل إلى نحو عشرين ألف إنسان يتركون منازلهم ووظائفهم ومدارس أطفالهم ومستشفياتهم وكل ما بنوه طوال حياتهم، هرباً من القصف العشوائي والاغتصاب المنهجي والقتل خارج القانون. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصفت الوضع بأنه أحد أكبر وأسرع أزمات النزوح في العالم، لكن التمويل المخصص للاستجابة لم يتجاوز ربع الاحتياجات المعلنة. بحلول منتصف عام 2024م، كانت نحو سبعة عشر مليون سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم خمسة ملايين على شفا المجاعة فعلياً وفق تصنيف المرحلة الخامسة في مقياس التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي. عشرون مليون طفل توقفوا عن التعليم بسبب تدمير المدارس أو تحويلها إلى ثكنات عسكرية أو نزوح أسرهم. ثلاثة أرباع المستشفيات في مناطق النزاع خرجت عن الخدمة إما نتيجة القصف المباشر أو نقص الإمدادات الطبية أو فرار الكوادر الصحية. انهارَ نظام الرعاية الصحية الأولية بالكامل تقريباً، وعادت أمراض كانت تحت السيطرة مثل الحصبة والكوليرا والملاريا لتظهر من جديد في أوساط النازحين الذين يعيشون في مخيمات مكتظة تفتقر إلى أبسط شروط الصحة والكرامة. كما ارتفعت معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات تفوق العتبات الطارئة التي تحددها منظمة الصحة العالمية في العديد من مناطق دارفور وكردفان. هذا المشهد الإنساني المتدهور لم يكن وليد اللحظة، بل كان نتيجة تراكمية لانهيار الدولة السودانية الذي بدأ قبل عقود، لكن النزاع الحالي حوله إلى كارثة متسارعة بفعل عاملين مترابطين: الأول هو تعقيد الوصول الإنساني إلى مناطق النزاع بسبب انعدام الأمن ورفض الأطراف المتحاربة لتسهيل حركة المساعدات، والثاني هو الجفاف التمويلي الدولي الذي أثر بشكل خاص على الأزمات الأفريقية.
● غياب التغطية الإعلامية العالمية وتحليل الأسباب
لعل أبرز جوانب الأزمة السودانية التي تستحق البحث العلمي المتعمق هي ظاهرة الغياب الإعلامي. لم تكن حرب السودان حرباً بلا أخبار، لكن الأخبار عنها ظلت حبيسة وكالات الأنباء المحلية أو التقارير المتخصصة التي تفتقر إلى القوة الناعمة لوسائل الإعلام الجماهيري. دراسة أجراها مركز رصد الإعلام في جامعة أكسفورد خلال الفترة من أبريل 2023م إلى أبريل 2024م، حللت محتوى وأخبار خمس من كبرى الشبكات الإخبارية العالمية باللغة الإنجليزية، ووجدت أن عدد التقارير المخصصة للسودان لم يتجاوز ثلاثة بالمئة من عدد التقارير المخصصة لأوكرانيا في الفترة نفسها، ولم يتجاوز واحداً بالمئة من تغطية حرب غزة في الأشهر الأربعة الأولى من تلك الحرب. هذه الفجوة الهائلة لا يمكن تفسيرها بكثافة الأحداث أو حجم الكارثة، لأن الأرقام التي ذكرناها سابقاً تُظهر أن معاناة السودانيين لا تقل فداحة. فالتفسير يجب أن يكون بحثاً في بنية صناعة الإعلام العالمي، التي تعمل وفق دوافع متعددة تشمل المصادر التمويلية لوسائل الإعلام وتبعيتها للحكومات الغربية وتوجهات جمهورها المستهدف وخبرتها المتراكمة في تغطية مناطق جغرافية محددة على حساب أخرى. فالصحفي الغربي يستطيع الوصول إلى كييف بسهولة نسبية لأن أوكرانيا دولة أوروبية ذات بنية تحتية آمنة في معظم المناطق ولغة مفهومة، بينما الوصول إلى دارفور أو كردفان يتطلب ترتيبات أمنية معقدة وأذونات من أطراف متعددة وتأشيرات وربما رشاوى وسط أجواء من الفوضى الكاملة. لكن العوامل اللوجستية وحدها لا تكفي لتفسير هذا التفاوت الصارخ. هناك عامل آخر لا يقل أهمية وهو العنصرية المؤسساتية الخفية في بنية وسائل الإعلام الغربية. عندما قالت قناة بي بي سي أو أستاذة في جامعة كولومبيا علناً في أول أيام الحرب الأوكرانية إنه من الصعب رؤية أوكرانيين يموتون لأنهم يشبهوننا ويحملون جنسيات مزدوجة، كان ذلك اعترافاً ضمنياً بما كان يحدث بالفعل: أن قيمة الحياة الإنسانية في الوعي الغربي الجماعي ليست واحدة. اللاجئ الأوكراني ذو البشرة الفاتحة والعيون الزرقاء وجواز السفر الأوروبي كان أكثر استحقاقاً للتعاطف من اللاجئ السوداني الأسود حامل جواز سفر دولة ضعيفة لا تمثل أي أهمية استراتيجية لأوروبا. هذا لا يعني أن كل التغطية كانت عنصرية بوعي، لكنه يعني أن اللاوعي الجمعي للجمهور الغربي ومن ثم للمحررين الذين يقررون ما يستحق الصفحة الأولى، كان يحكمه تصور هرمي للبشرية.
● مقارنة التغطية الإعلامية بين السودان وأوكرانيا
للوقوف على عمق المعايير المزدوجة، يكفي أن نستحضر اللحظات الأولى للحرب الأوكرانية، وكيف غطتها كل وسائل الإعلام العالمية كأنها الحدث الوحيد على وجه الأرض. في فبراير ومارس من عام 2022م، كانت وكالات الأنباء تعمل بنظام الطوارئ، والقنوات الإخبارية تلغي برامجها العادية، ووسائل التواصل الاجتماعي تغرق بمقاطع الفيديو للقصف في كييف ولفيف وخاركيف. عشرات الآلاف من التقارير الميدانية، وآلاف الساعات من التحليلات الاستراتيجية، ومئات المؤتمرات الخاصة بالمساعدات واللاجئين على الهواء مباشرة. أسماء المدن الأوكرانية الصغيرة أصبحت معروفة لربة المنزل في لندن وتلميذ المدرسة في نيويورك والمتقاعد في طوكيو. ظهرت قصص إنسانية مؤثرة: عائلة تختبئ في قبو، طفل يولد تحت القصف، جدة ترفض مغادرة منزلها، قط ضال ينجو من الأنقاض. العالم بكى مع أوكرانيا، رقص مع أوكرانيا، حارب مع أوكرانيا. وفي المقابل، في السودان، نفس شبكات الإعلام التي كانت تبث عشرات التقارير اليومية من أوكرانيا كانت تكتفي أحياناً بخبر عابر في شريط الأخبار السفلي، أو تقرير قصير يعيد صياغة بيانات الأمم المتحدة الجافة دون أي إضافة ميدانية. اللاجئ السوداني الذي سار مئات الكيلومترات على الأقدام تحت حرارة الصحراء حاملاً طفلاً على ظهره وسكيناً في يده ليدافع عن شرف زوجته من مليشيات تتاجر بالنساء، لم يتحول إلى رمز مثلما تحولت صورة الأم الأوكرانية مع طفليها في القطار. القنوات الغربية بالكاد بثت لقطات لمعاناة النازحين في تشاد أو جنوب السودان، وبالتأكيد لم تطلب من جمهورها التبرع لصالح السودان كما فعلت لأوكرانيا. الجمعيات الخيرية الكبرى التي أطلقت نداءات عاجلة لأوكرانيا جمعت خلال أسابيع مئات الملايين من الدولارات، بينما ظل نداء السودان يعاني من ضعف الاستجابة. هذا التفاوت جعل العديد من المحللين يتحدثون عن “جائحة اللامبالاة” تجاه أفريقيا. بل إن اللغط الذي أثاره تحقيق داخلي في بي بي سي حول تغطية غزة جعل العالم يعيد التفكير في سياسات التحرير الإخباري، لكن صوت السودان ظل غائباً تماماً عن هذه النقاشات. يمكن القول إن السودان تعرض لـ”عقوبة الجغرافيا” و”عقوبة اللون” و”عقوبة غياب الجاليات” معاً. فبينما يمتلك الأوكرانيون جاليات كبيرة ونشطة في الغرب قادرة على الضغط على صناع القرار والإعلام، الجالية السودانية في الغرب صغيرة ومشتتة وأقل نفوذاً. غياب هذا الضغط جعل من السهل على وسائل الإعلام تجاهل الأزمة دون أن تدفع ثمناً شعبياً أو سياسياً.
● مقارنة التغطية الإعلامية بين السودان وغزة وإيران
في السابع من أكتوبر 2023م، خاضت فلسطين معركتها الإعلامية الأكبر منذ عقود. عملية طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة حوّلت المنطقة إلى استوديو مفتوح للأخبار على مدار الساعة. في اليوم الأول وحده، نشرت وكالة أسوشيتد برس أكثر من ألف صورة من غزة، ونقلت قنوات التلفزيون مشاهد لا تُحصى من الدمار والدماء والصراخ. ورغم صعوبة الوصول إلى غزة بسبب الحصار الإسرائيلي والرقابة العسكرية المشددة على المراسلين الأجانب في إسرائيل، تمكنت قنوات مثل الجزيرة وسكاي نيوز وبي بي سي من تقديم تغطية شبه لحظية باستخدام مراسلين فلسطينيين محليين وتقنيات البث عن بعد. الأرقام هنا مذهلة: في أسبوع واحد فقط من الحرب، أجرت قناة الجزيرة الإنجليزية أكثر من ألف مقابلة حول غزة، ونشرت نيويورك تايمز أكثر من مائتي تحقيق وصورة تفاعلية. بينما السودان، بعد عام كامل من الحرب، لم يحصل على ما يعادل أسبوع واحد من تغطية غزة. بعض المبررات الظاهرية تقدمها المؤسسات الإعلامية: غزة مركز ديني وسياسي وأمني عالمي، وإيران قوة إقليمية كبرى لها امتدادات في لبنان وسوريا واليمن والعراق، فاهتمام العالم بهما منطقي بالمقارنة مع السودان. لكن هل معاناة طفل غزة أعلى قيمة من معاناة طفل الخرطوم؟ هل دم شاب في نابلس أقدس من دم فتاة في الجنينة؟ هل قصف مستشفى في غزة يستحق الغضب العالمي بينما تدمير مستشفى بشائر في الخرطوم يمر مرور الكرام؟ الأكاديمي الفلسطيني إدوارد سعيد وصف هذه الظاهرة قبل رحيله بما أسماه “صراع التمثيل”: القضية الفلسطينية استطاعت عبر عقود أن تشكل سردية عالمية متكاملة عن المقاومة والاحتلال واللاجئين، بينما معاناة الأفارقة السود لم تتحول بعد إلى قضية كونية رغم فداحتها. هذا لا يعني التقليل من معاناة غزة التي هي بلا شهد واحدة من أكبر كوارث العصر، إنما يعني أن حجم الكارثة الإنسانية لا يترجم أوتوماتيكياً إلى حجم التغطية الإعلامية. هناك عوامل أخرى تتدخل: القرب الجغرافي من مراكز صنع القرار الإعلامي في لندن ونيويورك، وجود جماعات ضغط صهيونية وفلسطينية وإيرانية تمتلك آليات اتصال متطورة، وقدرة الأطراف الفاعلة على خلق أحداث درامية متسارعة تبقي الصحفي في حالة تأهب دائم. السودان لم ينجح في خلق تلك الدراما المتصاعدة بنفس الإيقاع، ربما لأنه يعاني من عجز في رأس المال السياسي والإعلامي حتى داخل محيطه الأفريقي . الأزمة السودانية قد تكون أكثر تعقيداً وسواداً، لكن السواد لا يباع إعلامياً كالبريق.
● المجتمع الدولي بين الوجود والغياب
ربما يكون الفصل الأكثر إيلاماً في هذه الورقة هو فصل الحديث عن دور المجتمع الدولي في الأزمة السودانية. فالمجتمع الدولي، بهيئاته الأممية ومؤسساته المالية وقواه الكبرى، كان حاضراً بقوة في لحظات تاريخية فارقة أخرى، لكنه تخلى عن السودان وكأنه خارج منطقة مسؤوليته الأخلاقية والقانونية. تخيل أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تعقد جلسة طارئة بشأن السودان إلا بعد ستة أشهر من النزاع، بينما عقدت جلستين طارئتين بشأن أوكرانيا في الشهر الأول وحده. تخيل أن مجلس الأمن، بفيتوهاته الثلاثة الروسية والصينية والأمريكية، لم يستطع إصدار أي قرار ملزم بوقف إطلاق النار في السودان لأكثر من عام، بينما أصدر خمسة قرارات بشأن أوكرانيا في أقل من ثلاثة أشهر. تخيل أن الوكالات الأممية العاملة في السودان كانت تعاني من نقص حاد في التمويل لدرجة أنها هددت مراراً بتعليق عملياتها الإنسانية، بينما أطلق وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث نداءات تمويل عاجلة لأوكرانيا استجيب لها فوراً من قبل أكبر المانحين. تخيل أن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان التي أطلقتها الأمم المتحدة احتاجت إلى 2.6 مليار دولار، لكنها لم تحصل إلا على نحو 17% من هذا المبلغ بعد مرور عام، بينما حصلت أوكرانيا على أكثر من 80% من احتياجاتها الإنسانية المعلنة خلال النصف الأول من العام وحده. هذا التخلي ليس مجرد إهمال، بل هو شكل من أشكال العزل السياسي والإنساني الذي يُمارس على السودان دون أي رادع.
● مقارنة الاستجابة الدولية بين السودان وأوكرانيا وأمريكا وإيران
لننتقل إلى مقارنة أكثر تفصيلاً بين أنماط التدخل الدولي في أربعة سياقات مختلفة: السودان، أوكرانيا، أمريكا (كقوة عظمى تتحرك في أزمات معينة)، وإيران. في حالة أوكرانيا، لم تكن الاستجابة الغربية أسرع وأضخم فقط، بل كانت متعددة المسارات: مسار عسكري بتزويد كييف بأحدث الأسلحة والذخائر، ومسار اقتصادي بفرض عقوبات جذرية على روسيا شملت تجميد أصول البنك المركزي الروسي وطرده من نظام سويفت، ومسار سياسي بقبول ملايين اللاجئين الأوكرانيين دون تأشيرات مسبقة، ومسار مالي بمنح حزمة مساعدات تجاوزت مائة مليار دولار من الاتحاد الأوروبي وحده. السودان لم يحصل على أي من هذه المسارات. العقوبات المفروضة على الأطراف المتحاربة في السودان كانت محدودة ومتأخرة وغير فاعلة. الممرات الإنسانية التي قال عنها غريفيث إنه يتفاوض عليها بقيت حبراً على ورق. إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة لم تبدأ أصلاً. أما في حالة أمريكا، فرغم كونها القوة الأعظم، فإنها لم تتورع عن استخدام نفوذها الهائل لتحريك المجتمع الدولي كلما تعرضت مصالحها أو مصالح حلفائها للخطر. حرب أمريكا في أفغانستان والعراق جلبت معها تغطية دولية لا نهائية وجهود إعمار بمليارات الدولارات. لكن السودان كان دائماً خارج دائرة الضوء الاستراتيجي الأمريكي منذ رفع العقوبات عنه في عهد أوباما، وحتى عندما عادت واشنطن للاهتمام بالسودان خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، كان ذلك الاهتمام شكلياً قصير الأجل انتهى بانقلاب 2021م. أما إيران، فرغم كونها دولة تخضع لأقسى العقوبات الدولية، إلا أنها تظل محور اهتمام دائم من الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية والقوى الكبرى. كل جولة من المفاوضات النووية، كل حادثة لاستهداف ناقلات نفط، كل هجوم بطائرة مسيرة، يضع طهران في صدارة الأخبار ويحرك الدبلوماسية الدولية. السودان لا يملك ورقة إيران النووية، ولا ورقة أوكرانيا الجيوستراتيجية، ولا ورقة أمريكا العسكرية والاقتصادية. السودان يملك فقط ملايين الجائعين والنازحين والقتلى، وهذه ورقته الوحيدة التي أثبتت أنها لا تكفي لتحريك العالم.
● التحليل السوسيولوجي والسياسي للازدواجية الدولية
ما الذي يفسر هذا التفاوت الهائل في المعاملة الدولية؟ الإجابة تحتاج إلى مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين العلاقات الدولية وعلم الاجتماع السياسي والاقتصاد السياسي للإعلام. النظرية الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية تزعم أن الدول تتصرف وفقاً لمصالحها القومية، وأن الأخلاق لا دور لها في السياسة الدولية. من هذا المنظور، فإن اهتمام الغرب بأوكرانيا أمر طبيعي لأنها دولة حدودية لأوروبا ويقع فيها خط أنابيب الغاز الذي يمد الاتحاد الأوروبي بالطاقة، ولأن تهديدها من روسيا يمس التوازن الاستراتيجي في قلب أوروبا. بالمقابل، السودان بعيد جغرافياً، فقير اقتصادياً، لا يمتلك سلاحاً نووياً ولا نفطاً بالكميات التي يستحق الاهتمام من أجلها، ولا يمثل أي خطر وجودي على أي قوة كبرى. من هنا وجهة النظر الواقعية، فإن التخلي عن السودان ليس ظلماً، بل هو نتاج منطقي لسلم أولويات القوى الكبرى. لكن هذا التفسير يظل قاصراً لأنه لا يفسر لماذا يهتم الغرب بأوكرانيا أكثر من اهتمامه بغزة أو فلسطين رغم عدم وجود نفط أو غاز في غزة، أو لماذا يهتم بإيران رغم عدم خرابها لبيوت أوروبا. هناك إذن عوامل أخرى تتعلق بالأيديولوجيا والهوية. كارل شميت، الفيلسوف السياسي الألماني، قال إن مفهوم السياسي يستند في النهاية إلى تمييز بين صديق وعدو. المجتمع الدولي يعرف أصدقاءه وأعداءه ضمنياً، وبناء عليه يوزع اهتمامه وموارده. أوكرانيا صديق لأنها ديمقراطية أوروبية مثقفة تريد الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي. إيران عدو خطير لأنه يجب مراقبته دائماً. أما السودان، فلا هو صديق بالمعنى الأوكراني ولا هو عدو بالمعنى الإيراني، إنه مجرد بقعة رمادية، بلا لوبي قوي، بلا جمهور مؤثر، بلا ثقل جيوسياسي. ما تضيفه النظرية النقدية للعلاقات الدولية هو أن النظام العالمي ليس محايداً بل هو نتاج لتاريخ استعماري طويل حول أفريقيا إلى مصدر للمواد الخام واليد العاملة الرخيصة، دون أن يعترف لها بقيمة الحضارة الإنسانية الكاملة. وحين تنشأ أزمة في أفريقيا، فإن اللاوعي الجمعي للقوى الكبرى لا يزال يتعامل معها ككارثة طبيعية لا يمكن توقعها ولا تستحق التعبئة الجماعية، بينما أي حدث في أوروبا يُقرأ في سياق جيوسياسي وأخلاقي يفرض التحرك الفوري. هذا التفسير المعقد يمكن أن يستكمل بالنظر إلى البنى الاقتصادية للمجتمع الدولي. الدول المانحة الكبرى تعاني من إرهاق المساعدات، لكنها تخصص مساعداتها غالباً وفق معادلة “العائد على الاستثمار” وليس وفق الاحتياج الإنساني الخالص. المساعدات لأوكرانيا تعيد بناء اقتصاد أوروبي مهم وتخلق فرصاً لشركات الدفاع والبناء والإعمار الغربية. المساعدات لإسرائيل تضمن استقرار حليف رئيسي في الشرق الأوسط وتدفع باتجاه التطبيع العربي. أما السودان، فلا توجد عوائد اقتصادية أو سياسية واضحة للاستثمار فيه، لذا تظل المساعدات محدودة وتواجه بيروقراطية مميتة.
● الأبعاد النفسية والإنسانية للمعاناة المزدوجة للنازح السوداني
بعيداً عن التحليلات الكلية والاستعارات السياسية، يكمن البعد الأكثر إيلاماً في هذه الأزمة، وهو المعاناة المزدوجة التي يعيشها النازح السوداني. المعاناة الأولى هي معاناته المباشرة من الحرب والنزوح والجوع والمرض والخوف على أسرته. أما المعاناة الثانية فهي شعوره أنه لا أحد يراه، لا أحد يسمعه، لا أحد يهتم بما يمر به. في حوارات أجراها باحثون ميدانيين مع نازحين سودانيين في مخيمات تشاد وكسلا وبورتسودان، تكررت عبارات مثل “كأننا لسنا بشراً” و”العالم مشغول بغيره عنا” و”لو كنا بيضا كان زمان الدنيا قامت”. هذه العبارات تحمل دلالات عميقة عن الصدمة النفسية الناجمة عن الشعور بالنفي والعزل والتهميش، وهي تتفاقم كلما رأى النازح السوداني على شاشة هاتفه الذكي أو تلفزيون المخيم كيف تتحرك الأمم المتحدة وتجمع الأموال وتستقبل اللاجئين الأوكرانيين في أفخم الفنادق البولندية، بينما ينام هو على الأرض الطينية تحت خيمة مهترئة تهبها الريح ولا تحميه من حر الصحراء نهاراً وبردها ليلاً. هذا الشعور بعدم العدالة يعمق الجروح النفسية ويحول موقفه من مجرد صدمة فردية قابلة للعلاج إلى إحباط جماعي يغذي مشاعر الغضب والمرارة وربما التطرف في المستقبل. منظمة الصحة العالمية حذرت من تزايد حالات الاضطراب النفسي بين النازحين السودانيين، خاصة النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب والعبودية الجنسية على يد المليشيات المنتشرة في دارفور، والأطفال الذين شهدوا مشاهد قتل وذبح اقترنت عندهم بالوحوشية البشرية. غياب الدعم النفسي المتخصص، إلى جانب غياب التغطية الإعلامية التي تمنح المعاناة قيمة واعترافاً، يجعل من الصعوبة بمكان الشفاء والتعافي. كثير من هؤلاء النازحين لا تطمح أن يعودوا إلى منازلهم المدمرة فحسب، بل تطمح أن يعرف العالم أنهم كانوا هنا، وأنهم عانوا بصدق، وأنهم ليسوا مجرد رقم في تقرير أممي جاف يقرأه مسؤولون ويطوونه. في هذا السياق، يمكن القول إن المعاناة التي لا تُرى هي معاناة مزدوجة: ألم جسدي وفقدان اعتراف، حاجة للمساعدات وحاجة للاعتراف بالكرامة.
● خاتمة ونداء عاجل لإعادة الضمير الإنساني
بعد هذه الرحلة الطويلة بين الأرقام والتحليلات والمقارنات، تصل هذه الورقة إلى خلاصة واحدة لا تقبل الجدل: ما يعانيه السودان اليوم من غياب للتغطية الإعلامية العالمية وتخلي عن دوره الدولي ليس مجرد سوء حظ أو عيب طارئ يمكن تلافيه لاحقاً، بل هو فشل أخلاقي وسياسي منهجي يعكس تحيزات عميقة في بنية النظام العالمي. النظام الإعلامي الذي يحدد ما يستحق أن يُرى وما لا يستحق يُرى، والنظام السياسي الذي يوزع المساعدات والعقوبات وفقاً للولاءات والمصالح لا وفق الحاجات الإنسانية، والنظام الأخلاقي الذي يبكي على موت طفل أبيض تحت الأنقاض ويكتفي بتنهدات عابرة لموت أطفال سود بالآلاف، كلها أنظمة تحتاج إلى مراجعة جذرية. لكن المراجعة لن تأتي من تلقاء نفسها، بل لابد من ضغط شعبي وسياسي من الداخل والخارج لفضح هذا النفاق وفضح هذه المعايير المزدوجة. الصحفيين والناشطين السودانيين في المهجر، بدأوا حملة إعلامية موازية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحت هاشتاغ “#السودانلايراه_أحد”، وقد نجحت هذه الحملة جزئياً في كسر جدار الصمت ولفت انتباه بعض وسائل الإعلام المستقلة والصغيرة. لكن العبء الأكبر يقع على عاتق المؤسسات الإعلامية العالمية الكبرى، التي تدعي الالتزام بمعايير الحياد والموضوعية والتوازن. هذه المؤسسات مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتقييم سياساتها التحريرية وإعادة النظر في توزيع مواردها البشرية والمالية على مناطق العالم. كما أن الحكومات الغنية مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها في توزيع المساعدات الإنسانية، والفصل بين الأجندات السياسية والاستراتيجية من جهة والواجب الأخلاقي لإنقاذ الأرواح من جهة أخرى. الخطوات العملية المطلوبة عاجلاً وليس آجلاً تشمل تخصيص حصص إعلامية عادلة للأزمات المهمشة، تنظيم مؤتمر دولي طارئ للمانحين للسودان بمشاركة جميع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، فرض عقوبات حقيقية على الأطراف المتحاربة التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، وأخيراً إطلاق عملية سياسية شاملة تضع حداً للنزاع وتفتح الباب أمام عودة النازحين وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة قادرة على استيعاب التنوع واحترام حقوق الإنسان. دون هذه الخطوات، سيظل النازح السوداني أسير دائرة الجحيم المعقدة: جحيم الحرب والنزوح، وجحيم الصمت والتجاهل، وجحيم الشعور بأنه مواطن من الدرجة الثانية في قرية عالمية مفترضة لا تعترف إلا بمواطنيها الأوائل. ربما كان السودان بعيداً عن أعين العالم، لكنه ليس بعيداً عن ضمير العالم، إذا كان لهذا الضمير وجود حقيقي وأصيل. العالم أمام اختبار أخلاقي جديد: إما أن يثبت أن الإنسان قيمة واحدة بغض النظر عن موقعه ولونه، أو يعترف صراحة بأن نظام القيم العالمي ما هو إلا قناع رقيق يخفي تحته منطق القوة والهيمنة الأكثر وحشية من أي وقت مضى. أبناء السودان لا يطلبون الكثير، يطلبون فقط أن يُروا ويُسمعوا ويُساعدوا كما أُريت وسُمعت وسُاعدت أوروبا وأمريكا وإسرائيل وإيران.
تاريخ 12مايو2026م



