فخ أديس أبابا

بقلم: أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
في الفترة من 3 إلى4 يونيو 2026م، اجتمع تحت قبة “الآلية الخماسية” التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (الإيقاد) وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وممثلون عن قوى سياسية سودانية متنافرة، في محاولة جديدة ضمن مسلسل طويل ومتعب من المحاولات الرامية إلى إنهاء حرب مدمرة دخلت عامها الرابع، وأودت بحياة عشرات الآلاف، وشرّدت الملايين داخل السودان وخارجه، ودمرت ما تبقى من بنية تحتية بالكاد كانت قائمة قبل اندلاع الصراع. لكن حتى قبل أن تبدأ الجلسات، كانت الخلافات العميقة والجذور التاريخية للأزمة السودانية قد التهمت أي أمل حقيقي في ولادة “عملية سياسية” يمكنها أن تنقل السودان من مربع الحرب إلى مربع السلام المستدام. لقد تحولت القمة، كما هو حال سابقاتها، إلى مرآة عاكسة تعكس بصدق أزمة التمثيل والشرعية والإقصاء التي تعيشها النخبة السياسية السودانية، تلك النخبة التي أثبتت مراراً وتكراراً أنها ليست فقط عاجزة عن حل الأزمة، بل إنها في كثير من الأحيان جزء لا يتجزأ من إنتاجها وتكريسها. يسعى هذا المقال الموسع إلى تقديم قراءة نقدية معمقة ومتعددة الأبعاد لمخرجات هذا المؤتمر ولمسودة اللجنة التحضيرية التي خرج بها، محللاً الأبعاد العلمية والقانونية والإنسانية والسياسية، وكاشفاً ليس فقط عن الفراغ الهائل الذي يخلفه غياب الرؤية الواضحة، بل أيضاً عن الخطر الأخلاقي الذي يكتنف عملية تقديم “غطاء سياسي” لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. إن تسمية هذا التجمع بـ”فخ أديس أبابا” ليست مجرد استعاره بلاغية، بل هي تشخيص دقيق لطبيعة هذا المأزق الذي يقدم فيه السياسيين للسودانيين وهم الحل، بينما هم في الحقيقة يعيدون إنتاج ذات الفشل الذي قاد إلى الحرب في المقام الأول.
قبل الغوص في التفاصيل، لا بد من استحضار السياق العام الذي انعقد فيه هذا المؤتمر. فالسودان يعيش منذ منتصف أبريل 2023م حرباً عبثية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكن هذه الحرب ليست وليدة اللحظة، بل هي تتويج مأساوي لأزمة هيكلية مزمنة تتعلق بطبيعة الدولة السودانية وهوية السلطة وعلاقة العسكري بالسياسي وتوزيع الثروة والسلطة وموقع المهمشين والمركز. إن أي محاولة لحل سياسي تتجاهل هذه الجذور العميقة هي محكوم عليها بالفشل منذ البداية، وهذا هو بالضبط ما شهده مؤتمر أديس أبابا. فالمشاركون بدوا وكأنهم يعيشون في عالم موازٍ، عالم من الخطابات البراقة والوعود الكبيرة، بينما يغرق السودان في مستنقع من العنف غير المسبوق، والانقسامات الاجتماعية الحادة، وانهيار كل مفاهيم الدولة والمجتمع. لقد كان المؤتمر بمثابة عرض مسرحي سياسي بامتياز، حيث تبادل الممثلون الأدوار دون أن يلامس خطابهم واقعاً ملموساً أو يقدم حلاً عملياً لأي من التحديات الكبرى التي تواجه البلاد. ومن هنا يظهر وجه “الفخ” الأول: فهو فخ الأوهام، حيث يُقنع السياسيين أنفسهم والرأي العام بأنهم يعملون من أجل السلام، بينما هم في الحقيقة يعملون على إضفاء الشرعية على واقع الحرب واستمرار معاناة الناس.
عند تحليل ما صدر عن المؤتمر، يتبين بسرعة أنه لم يتجاوز كونه “بيان نوايا” طويلاً، مليئاً بالمصطلحات الرنانة والشعارات الجذابة كالعدالة والتنمية والديمقراطية والمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، لكنه في جوهره يخلو تماماً من أي خريطة طريق واقعية أو تصور واضح لكيفية الخروج من عنق الزجاجة التي تعيشها البلاد. إن المتابع المدقق للمخرجات الرسمية للمؤتمر ومسودة اللجنة التحضيرية يجد نفسه أمام وثيقة تشبه إلى حد كبير الوثائق السابقة التي صدرت عن جوبا ونيروبي والقاهرة، وكأن السياسيين السودانيين يعيدون إنتاج أنفسهم ونماذجهم الفاشلة بشكل قهري، وكأنهم محكومون بتكرار الأخطاء ذاتها في كل مرة، متوقعين هذه المرة نتائج مختلفة. هذا هو جوهر الجنون السياسي حسب التعريف الشهير: أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتتوقع نتائج مختلفة. وهذا هو الوجه الثاني للفخ: فخ التكرار العقيم، حيث يعاد تدوير نفس الأشخاص والأفكار والحلول، وكأن الحرب لم تغير شيئاً، وكأن الدماء التي سالت لا تستحق أكثر من بيان ختامي جديد. إن تجاهل الدروس المستفادة من فشل جميع المبادرات السابقة هو أمارة على أن هؤلاء السياسيين لا يريدون حلاً حقيقياً، بل يريدون فقط البقاء في دائرة الضوء والادعاء بأنهم لا يزالون فاعلين على الساحة الوطنية.
يمكن تفكيك الإشكالية المنهجية والفكرية التي يعاني منها هذا المؤتمر ومسودته عبر محورين أساسيين ومتشابكين. الأول هو فشل تشخيص جذور الأزمة، والثاني هو الغياب التام للآليات التنفيذية القابلة للتطبيق. أما فيما يخص فشل التشخيص، فقد تعاملت المخرجات مع الحرب وكأنها مجرد “كوارث طبيعية” حلت بالسودان فجأة، أو وكأنها صراع عابر بين جنرالين على السلطة، متجاهلة تماماً الجذور العميقة لهذه الحرب في أزمة بنيوية للسلطة، وفي الإرث التاريخي المتراكم للدولة العميقة في السودان، وفي الإشكالية العالقة منذ الاستقلال حول علاقة العسكري بالسياسي، وفي هيكل الدولة القائم على المركزية القبلية والإقصاء الجهوي. إن هذا الفشل في تشخيص الداء الحقيقي يجعل أي دواء مقترح عديم الجدوى بالضرورة، لأن الطبيب لا يمكنه معالجة مريض لا يفهم طبيعة مرضه. حين تصف القوى السياسية الوضع السوداني وكأنه مجرد “أزمة عابرة” أو “سوء تفاهم” بين طرفي النزاع، فإنها بذلك تبرر استمرار الحرب وتجرد الشعب السوداني من حقه في محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن هذه الكارثة. إنها طريقة بارعة في تحويل الجريمة السياسية إلى مشكلة فنية إدارية تحتاج إلى “خبراء سلام” و”لجان تحضيرية” بدلاً من أن تكون مسألة عدالة ومحاسبة ومقاومة للإفلات من العقاب. هذا هو فخ التبرير: تحويل قضية سياسية وأخلاقية عميقة إلى مجرد إجراءات بيروقراطية جامدة، مما يريح الضمير العام ويعفي الجميع من المسؤولية الحقيقية.
أما فيما يتعلق بغياب الآليات، فإن القوى السياسية المشاركة في المؤتمر تتحدث بطلاقة عن ضرورة “دمج قوات الدعم السريع” في الجيش السوداني، وعن أهمية “إصلاح القطاع الأمني” و”بناء جيش وطني واحد”، وعن تحقيق “العدالة الانتقالية” و”التعويضات” للمتضررين، وكأن هذه الحلول هي أمور بديهية يمكن تحقيقها بمجرد النص عليها في وثيقة سياسية. لكن الحقيقة المغايرة تماماً هي أن هذه القوى لا تقدم أي تصور قانوني أو مؤسسي أو تنفيذي لكيفية تحقيق هذه الأهداف الطموحة في ظل انعدام الثقة الكامل بين الأطراف المتنازعة، وفي ظل استمرار القتال على الأرض، وفي ظل انقسام المجتمع السوداني إلى هويات متصارعة ومتعارضة. إن مجرد ترديد شعار “لجنة تحضيرية” كحل سحري لكل المشكلات دون تحديد واضح لصلاحيات هذه اللجنة وتمثيلها الجغرافي والحزبي والمدني لجميع السودانيين، ودون وضع آليات ملزمة لاتخاذ القرار فيها، ودون ضمانات لتنفيذ توصياتها، هو بمثابة بناء قلعة ساحرة على رمال متحركة في الصحراء، حيث أول هبوب ريح سياسية قوية سيجعلها تنهار على نفسها. السؤال الذي يجب على كل مواطن سوداني أن يطرحه على هذه القوى هو: كيف تخططون لدمج جيشين متحاربين في مؤسسة واحدة بعد اربعة سنوات من الدماء والكراهية؟ وأين النموذج العالمي الناجح الذي تستندون إليه في هذا الأمر؟ والإجابة المؤسفة هي أن هناك فراغاً كبيراً في هذا الجانب، وهو ما يجعل مسودة اللجنة التحضيرية مجرد حبر على ورق دون أي قيمة فعلية. هذا هو فخ التفاصيل: الانشغال بالشكليات واللجان الفرعية والمسودات كوسيلة للتهرب من جوهر الأزمة، وهو إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الحرب وبناء الدولة.
على الصعيد القانوني، تمثل أزمة الشرعية العقبة الجوهرية والجدار الصلب الذي تصطدم به أي تسوية سياسية مرتقبة، وقد تجسدت هذه الأزمة بوضوح بالغ في وقائع ومخرجات مؤتمر أديس أبابا. فالقوى السياسية المشاركة في هذا المؤتمر تعاني من انقسامات حادة وتفتقر بشكل صارخ إلى أي تفويض شعبي حقيقي من قواعدها الجماهيرية أو من الشارع السوداني الذي أنهكته الحرب والنزوح والجوع والخوف. هناك مفارقة كبرى ودامغة تتمثل في أن قوى سياسية فقدت تماماً قدرتها على تنظيم احتجاج سلمي في شوارع العاصمة الخرطوم، وعجزت عن حماية نفسها أو حماية مواطنيها من انتهاكات طرفي الصراع، تدعي الآن وبكل ثقة أنها تمثل “الإرادة الوطنية” للسودانيين وتتكلم باسم “الثورة السودانية” و”مطالب الحرية والسلام والعدالة”. إن هذا الادعاء ليس فقط مبالغاً فيه، بل هو خطير من الناحية القانونية والدستورية، لأنه يخلق شرعية صورية لعملية سياسية لا تمت للواقع بأي صلة، ويغيب صوت الملايين الحقيقيين من النازحين واللاجئين والنساء والأطفال وكبار السن الذين يدفعون الثمن الأغلى من دمائهم وأعراضهم يومياً. إن النخبة السياسية التقليدية في السودان، سواء كانت ذات أصول إسلامية أو علمانية أو يسارية، أثبتت خلال العقود الماضية أنها عاجزة عن قيادة البلاد إلى بر الأمان، وأنها تحكم وفق منطق المحاصصة والإقصاء والصراع على الغنائم أكثر من منطق البناء الوطني الحقيقي. فكيف يمكن لهذه النخبة نفسها أن تكون الحل وهي التي كانت جزءاً من المشكلة على مدى سبعين عاماً؟ هذا هو فخ الشرعية المزيفة: حيث يتحدث السياسيون وكأنهم ممثلون شرعيون للشعب، بينما الشعب يصرخ من الجوع والموت في المخيمات، ولم يعد يسمع لهم صوتاً ولا يعترف بهم كقادة.
وكان أبرز ملامح هذا المؤتمر وأكثرها إثارة للجدل هو النقاش المفتوح حول مشاركة تحالف “تأسيس” المرتبط بشكل أو بآخر بقوات الدعم السريع، وما نتج عن هذا النقاش من مواقف متضاربة وصلت إلى حد مقاطعة فصائل كاملة داخل “الكتلة الديمقراطية” المؤتمر احتجاجاً على منح هذا التحالف شرعية المشاركة. وهنا يبرز السؤال القانوني العميق: كيف يمكن لعملية بناء سلام وأمن واستقرار أن تنطلق بجدية وهي تمنح صفة “شريك سياسي” و”طرف تفاوضي” لكيان عسكري متهم من منظمات حقوقية دولية ومحلية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل العمد، والتعذيب، والاغتصاب الجماعي، والتطهير العرقي في إقليم دارفور؟ وإذا كان الرد التقليدي من دعاة “الواقعية السياسية” هو أن “السلام يصنع مع الأعداء”، وأنه لا بد من الجلوس مع كل من يملك سلاحاً على الأرض، فإن السؤال الأصعب والأخلاقي الذي يبقى بلا إجابة: أين الخط الفاصل بين صنع السلام العادل الحقيقي وبين تقديم الغطاء السياسي والقانوني للجريمة بحق الضحايا الأبرياء؟ هل يمكن للسودان أن يبني سلاماً مستداماً على أنقاض ضحاياه، مع منح الجلادين مناصب عليا في السلطة الجديدة؟ أليست هذه هي وصفة إعادة إنتاج الحرب بعينها وليس إنهاءها؟ إن التجارب العالمية في كولومبيا ورواندا وليبيريا ونيبال علمتنا أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الصفح الجماعي عن الجرائم البشعة دون تحقيق قدر أدنى من العدالة والمحاسبة والمصالحة الحقيقية وليس المصالحة الصورية. إن مسودة اللجنة التحضيرية لمؤتمر أديس أبابا لم تقدم أي مقترح جاد حول كيفية التوفيق بين ضرورة إنهاء الحرب وبين ضرورة تحقيق العدالة لضحايا الحرب، بل أرجأت كل هذه الملفات الشائكة إلى “مرحلة لاحقة” غير محددة، وهذا هو الهروب إلى الأمام بعينه. هذا هو فخ الإفلات من العقاب: حيث تُؤجل العدالة إلى أجل غير مسمى، وتُمنح ميليشيات متهمة بارتكاب إبادة جماعية فرصة لتبييض سجلها التاريخي والحصول على شرعية لم تكن لتحصل عليها أبداً في ظل محكمة عادلة.
على الصعيد الإنساني والأخلاقي، يمثل هذا البعد الجوهر الراسخ والنابض لأي قراءة نقدية لهذا المؤتمر ولمسودته. فبينما كان السياسيين السودانيين يتناقشون ويتخاصمون ويتحالفون ويتفككون في قاعات مؤتمر أديس أبابا المكيفة والمعزولة تماماً عن الواقع السوداني، كان المواطنون السودانيون يموتون بأعداد هائلة، ليس فقط بفعل القنابل والرصاص، بل بفعل الجوع والأمراض ونقص الدواء والماء الصالح للشرب، وبفعل الانهيار الكامل لكل الخدمات الأساسية التي يفترض أن توفرها الدولة. لكن الخطر الأعمق هنا لا يكمن فقط في اللامبالاة الإنسانية الذي يعكسها هذا المؤتمر، بل في التسوية السياسية والأخلاقية الأكثر خطورة والتي تتمثل في تطبيع وجود القادة العسكريين المتهمين بارتكاب أبشع الانتهاكات. عندما يجلس قائد ميليشيا متهم من المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب في دارفور على طاولة واحدة مع زعماء سياسيين يبحثون عن تقاسم السلطة، فإن الصورة التي تلتقط لهم، والبيان الختامي الذي يوقعونه، كل ذلك يمنح هؤلاء القادة “شرعية صورية” و”غطاء سياسياً” مؤقتاً يمحو بضربة قلم البعد الإنساني الكارثي للجريمة التي ارتكبوها ويسبغ عليهم صفة “شركاء في بناء الدولة الجديدة” بدلاً من أن يكونوا في قفص الاتهام. هذا هو أخطر ما في المؤتمرات من هذا النوع: إنها تعيد تعريف الشرعيات، وتخلق ذاكرة جديدة للصراع، وتجعل الضحية والجلاد في موقع متساوٍ أمام عدسة الكاميرا الدبلوماسية. والسودانيين الذين يعيشون في مخيمات النازحين وفي مدن بأكملها أصبحت تحت الحصار أو في حالة نزوح جماعي، يرون هذا المشهد بأم أعينهم ويعرفون يقيناً أن العالم الدبلوماسي والسياسي تخلَّ عنهم، وأن ضحاياهم لن ينالوا لا عدالة ولا اعترافاً ولا كرامة، بل سيتم توظيف معاناتهم كورقة ضغط في لعبة سياسية كبرى. هذا هو فخ التطبيع مع الجريمة: حيث تصبح الفظائع مجرد عوائق تقنية يمكن تجاوزها بالبيانات الختامية، وتصبح دماء الضحايا مجرد رقم في تقرير أممي لا يقرؤه أحد.
كما يلاحظ المراقب النزيه وجود ازدواجية واضحة وصارخة في خطاب بعض القوى السياسية السودانية، وخاصة تحالف “صمود” وغيره من القوى المناوئة للجيش السوداني، حيث يكون الخطاب السياسي والإعلامي حاداً وقاطعاً ومتجهاً بكل عنف ضد الجيش السوداني ومؤسسات الدولة التقليدية، بينما يتسم بالغموض والمراوغة والتبرير عندما يتعلق الأمر بانتهاكات قوات الدعم السريع بحق المدنيين. هذه الازدواجية لا يمكن تفسيرها بمنطق “العدو صديق” أو “لابد من توازن القوى”، بل هي تعكس بشكل قاس تحالفات حقيقية ومصالح ضيقة تتجاوز حدود السودان. هذا الموقف غير المتوازن لا يمنح القوى السياسية “حياداً إيجابياً” أو “وساطة نزيهة” كما تدعي، بل يُقرأ في الشارع السوداني، وبخاصة بين ضحايا العنف من المدنيين، كغطاء سياسي واضح لاستمرار الميليشيا في انتهاكاتها، وكأن معاناة ضحايا الدعم السريع أقل قيمة وأقل وجهاً للإدانة من معاناة ضحايا الطرف الآخر. هذه الانتقائية الأخلاقية هي واحدة من أسوأ الظواهر التي تسم المشهد السياسي السوداني حالياً، لأنها تقسم الضحايا إلى “درجات”، وتجعل من العدالة سلاحاً سياسياً وليس هدفاً قائماً بذاته، وتعمق الانقسام المجتمعي بدلاً من أن تلتئمه. هذا هو فخ المعايير المزدوجة: حيث يُدان العنف عندما يأتي من طرف معين، ويُغض الطرف عنه أو يُبرر عندما يأتي من حليف، وكأن دماء السودانيين ليست متساوية في القيمة والحرمة.
على الصعيد السياسي العام، لم يأت مؤتمر أديس أبابا بجديد يذكر عن سابقيه من محافل السلام السودانية في جوبا أو نيروبي أو الدوحة أو برلين أو باريس، بل أعاد إنتاج نفس الأخطاء القاتلة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم. أول هذه الأخطاء هو ما يمكن تسميته بفوضى الوساطات وتناقض الأجندات الإقليمية. وجود “الآلية الخماسية” الموحدة ظاهرياً لم يمنع فشل الحوار، بل على العكس تماماً، فإن تعدد الأجندات والمصالح المتناقضة للدول الخمس والأطراف الإقليمية الأخرى (إثيوبيا، الإمارات، مصر، تركيا، السعودية، روسيا) حوّل المؤتمر إلى ساحة فوضوية ومشوشة لتنافس النفوذ والمصالح الخارجية بدلاً من أن يكون منصة نزيهة لحل سوداني خالص قيادته وتفاصيله سودانية بالكامل. السودان اليوم يدفع ثمناً باهظاً لكونه ساحة لصراع جيوسياسي إقليمي ودولي، ليس له أي علاقة بمصالح السودانيين، بل كل علاقته بممرات المياه والموارد الطبيعية والمنافذ البحرية والنفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. هذا هو فخ المصالح الخارجية: حيث يصبح السلام السوداني رهناً بتوافق أو تنافس قوى إقليمية لا تعير لحياة سوداني واحد أي اهتمام، وتجعل من الأزمة السودانية مادة للصراع على النفوذ.
ثاني هذه الأخطاء السياسية هو هوس الإقصاء الذي تعاني منه النخبة السودانية. لا تزال هذه النخبة أسيرة عقلية قديمة مفادها “إما نحن أو هم” و”لا شرعية لمن نختلف معه”، حيث يصر كل فاعل سياسي على إقصاء خصومه، سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين أو يساريين أو جهويين، كشرط مسبق لأي حوار جاد. هذا النهج الاستئصالي المريض هو نفسه الذي أوصل البلاد إلى حافة الهاوية ثم إلى الحرب الدموية، وهو نفسه الذي يمنع اليوم من أي خروج حقيقي من هذه الحرب. كيف يمكن بناء سلام في بلد يتهم فيه كل طرف الطرف الآخر بأنه “عميل” لأجندة خارجية أو “خائن” للوطن أو “إرهابي” يستحق الإبادة؟ الحقيقة الأليمة التي يجب أن تعترف بها النخبة السودانية هي أن لا أحد منهم يملك الشهادة النبوية في الوطنية أو الفساد، وأن الطريق إلى السلام يمر حتماً عبر الاعتراف بالآخر، مهما كان صعباً ومؤلماً. هذا هو فخ الإقصاء: لعبة حذف الخصوم التي تنتهي غالباً بحذف الجميع، حيث لا يبقى أحد على الطاولة لصنع السلام.
ثالث الأخطاء السياسية والأكثر تحديداً لهذه اللحظة الحرجة هو الفجوة المطلقة بين ما يسمى بقادة الرأي والسياسيين من جهة، والقادة العسكريين على الأرض من جهة أخرى. يكمن السر الحقيقي وراء فشل جميع المبادرات السلمية حتى الآن في أن الفريقين يعيشان في واقعين متوازيين لا يلتقيان ولا يتفاهمان. الميدان العسكري لم يحسم بعد لصالح أي طرف، والسلاح الثقيل لا يزال هو اللغة السياسية السائدة والمترجمة فعلياً على الأرض، بينما يتحدث السياسيون لغة الورق والبيانات الختامية واللجان التحضيرية والمسودات غير الملزمة. القادة العسكريون يقررون مناطق النفوذ ويتحكمون في الموارد وينتهكون حقوق الإنسان، بينما يضع السياسيون في قاعات الفنادق المكيفة “خططاً سلام” يتم تجاهلها في اليوم التالي لصدورها. لن يتوقف العنف في السودان طالما أن القرار السياسي ليس بيد السياسيين، أو طالما أن السياسيين أنفسهم ليس لديهم جيش على الأرض يفرض إرادتهم. هذا هو فخ العجز: حيث السياسيون بلا سلطان، والعسكريون بلا رؤية، والشعب يدفع الثمن بينهما.
في التحليل النهائي، يمكن القول بكل ثقة ووضوح إن الحلقة المفرغة التي تدور فيها مسودة اللجنة التحضيرية لملتقى أديس أبابا هي نتيجة حتمية ومباشرة لفشل النخبة السياسية السودانية في تجاوز شعارات المرحلة الانتقالية الأولى التي أعقبت سقوط نظام الإنقاذ في عام 2019. لا يمكن أبداً بناء سلام حقيقي ومستدام على خريطة طريق تُعد خارج حدود السودان الجغرافية والثقافية والسياسية، على ورق مستورد، بوساطات متضاربة الأهداف، ويفتقد جميع أطرافها للشرعية الشعبية والجماهيرية الحقيقية. الحل لا يكمن في مؤتمر آخر، أو وساطة جديدة، أو بيان ختامي مطول، أو مسودة أكثر تفصيلاً، بل في عملية مراجعة ذاتية جذرية ومؤلمة من قبل كل القوى السياسية السودانية دون استثناء. يجب أن تعترف هذه القوى صراحة وبكل جرأة وصدق أن الإقصاء السياسي والحزبي والجهوي والقبلي والديني هو العدو الحقيقي للسلام والوحدة والاستقرار في السودان، وأن لعبة المحاصصة الفاسدة بين النخب هي التي جلبت كل هذه الكوارث على رأس المواطن البسيط. حتى يشعر المواطن السوداني، أي مواطن، بغض النظر عن منطقته الجغرافية أو قبيلته أو لونه أو انتمائه الديني أو السياسي، أن أي عملية سياسية قادمة تعالج جذور الأزمة الحقيقية (الدولة المدنية الحديثة، وحتمية الفصل بين الدين والسياسة، وإعادة توزيع عادل للثروة والسلطة، وحسم علاقة العسكري بالسياسي بشكل جذري ونظامي، ونزع السلاح من الميليشيات وجميع الجهات غير النظامية، وبناء قوات مسلحة مهنية واحدة)، وليس فقط تداعياتها المؤقتة والظاهرية، فإن كل المؤتمرات القادمة، سواء في أديس أبابا أو القاهرة أو جوبا أو نيروبي أو باريس أو جنيف، لن تكون أبداً أكثر من مجرد “ترف دبلوماسي” مكلف ومضيعة للوقت والجهد في زمن الانهيار الكامل. الشعب السوداني ليس بحاجة إلى لجان تحضيرية تتقاسم المناصب والصلاحيات، بل بحاجة إلى رجال ونساء شجعان يجرؤون على قول الحقيقة، والاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية التاريخية، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار حزبي أو شخصي أو جهوي أو إقليمي. وإلى أن يحين ذلك اليوم، والكثير من السودانيين لا يستطيعون الانتظار أكثر من ذلك، فستبقى كل مسودة وكل لجنة وكل اتفاق مجرد وهم جميل، بينما تنهش الحرب جسد السودان من الداخل، ويصبح حلم السلام أبعد من أي وقت مضى. لقد وقع السودانيون في “فخ أديس أبابا” مراراً وتكراراً، وحان الوقت لكسر هذا الفخ، ليس بمؤتمر جديد، بل باعتراف صادق بأن حل السودان لن يأتي من قاعات الفنادق في أديس أبابا، بل من داخل السودان نفسه، ومن إرادة أبنائه الأحرار في مواجهة آلة الحرب والعنف والإقصاء، ومن قدرتهم على بناء دولة المواطنة والعدالة من جديد على أنقاض دولة المحاصصة والفساد والعسكرة التي قادتهم إلى هذا الهاوية.
بتاريخ 5يونو2026م



