فضفضة مع تروتسكي…!!

بقلم: محمد عبد الرحمن الناير(بوتشر)
●معتز محمد بشير سليمان (معتز تروتسكي) صديق قديم ولديه معزة خاصة ، جمعتني به علاقة تمتد لأكثر من عقدين من الزمان، عندما كان زميلاً في الجبهة الديمقراطية (ج.د) وكنت عضواً بالجبهة الوطنية الإفريقية (ANF)، وهو بمثابة الأخ الأصغر.
●رغم تبايناتنا الفكرية والأيديولحية والسياسية، إلا إننا أصبحنا صديقين حميمين، فالعلاقات الإنسانية بين البشر، يحددها التآلف والإنسجام وتقارب الأرواح والود والإحترام المتبادل وليس المواقف السياسية وحدها، فإذا أردت الحديث عنه لن يسعفني الوقت وإن تحدثت شهراً.
●طوال هذه السنوات ظللنا على تواصل متى ما سنحت الظروف رغم بعد المسافات والجغرافيا، وبعيد إندلاع حرب 15 أبريل 2023م ظللت في تواصل معه متفقداً أحواله والأسرة والإطمئنان عليهم كواجب إنساني وأخلاقي في مثل هذه الظروف القاهرة.
●اليوم عاتبني لعدم رغبتي في الحوار والنقاش معه في قضايا الراهن وصيرورة الحرب التي تجري الآن رغم محاولاته المتكررة ، ليس ذلك بسبب عدم قدرتي على الرد وتوضيح وجهة نظري ، ولكن لقناعتي الشخصية ألا أتجادل معه أو أيٍ من الذين أكن لهم كبير إحترام وتقدير ، لأن كلانا يعرف موقف الآخر من الحرب وأسبابها وتداعياتها، لذا فإن أي حديث عنها لا يعدو أن يكون مضيعة للوقت ، وإجتراراً لسرديات معلومة سلفاً، فلا هو بإمكانه أن يغيّر قناعاتي ولا أنا سأغير رؤيته ومنطقه ، فمن باب أولى المحافظة على الود والإحترام القديم ريثما تضع الحرب أوزارها وتعود النفوس والعقول إلى صوابها.
●أنا متابع ليوميات هذه الحرب منذ إندلاعها يوماً بيوم ، وشهراً بشهر، وعاماً بعام، وأتفّهم مواقف ومنطلقات الداعمين لأطرافها ، ولا ألومهم على ذلك ، ولا اطلب منهم تغيير قناعاتهم طالما هم مقتنعون بها، فالمنظار الذي أرى من خلاله هذه الحرب ليس ذلك المنظار الذي ينظرون منه ، فالسواد الأعظم من الطرفين منطلقاتهم عرقية/ جهوية ومرارات شخصية/إجتماعية، فالذي يتهم الدع*م السريع بقتل أقاربه ونهب ممتلكاتهم لابد أن يقف مع الطرف الآخر ، ومن رأي الجيش والكتائب الإسلامية والمستنفرون يقتلون أقاربهم العزل ويمثلون بجثتهم ، ويستهدفون حواضنهم بالطائرات والمسيرات ، ويهددونهم بمحو مكوناتهم الإجتماعية من الوجود، ويصفونهم بأقبح الأوصاف، لابد أن يقف على النقيض…!!.
●السؤال المهم والأهم لماذا حدثت كل هذه الإنتهاكات والفظائع ، ولماذا اندلعت الحرب أصلاً وسابقاتها من حروب؟ ومن يؤجج نيرانها كي يجعل منها حرباً عرقية وجهوية وليست حرباً سياسية؟!.
هل نحاكم المنطق والسياسات والممارسات التي أدت إلى الحروب أم نغرق في شبر نتائجها وإفرازاتها، وما الحرب إلا أشلاء ودماء ودموع؟!.
●لسنا أول دولة في العالم تشهد حروباً وإنتهاكات ، فهذه الحرب رغم مراراتها وفواجعها يمكن أن نجعل منها محطة عبور للقطيعة بين ماضينا وحاضرنا الدامي ، وبين المستقبل الزاهر الذي ننشده لبلادنا وشعبنا ، وهذا يتطلب منا شجاعة ووطنية، كي نتجرع المر ونمشي على الأشواك من أجل تأسيس وطن يليق بتطلعات أجيالنا، ونعالج مثالب وخطايا ماضينا الكريه بكل مآسيه ، ولا نقع في فخ خطابات دعاة الكراهية والمناطقية والعرقية ، وبلهاء التحشيد واستمرار الحرب والنزيف ، ولنتذكر دوماً بأننا لم نختار أن نولد في دولة اسمها السودان، ومهما طال ليل الحرب وظلاماتها سوف يأتي اليوم الذي يجلس فيه الفرقاء للتحاور والتفاوض بقوة المنطق لا بمنطق القوة ، وحينها سوف نحتاج إلى سنوات لتضميد الجراحات والآلام ، لنعالج ما صدر منا من تصرفات وأفعال وأقوال مشينة بحق شركاء واخوة لنا في الوطن والمصير والإنسانية، وأصدقاء، زملاء دراسة وعمل، جيران سكن، وأصهار وعلاقات دم ولحم.
●إن الكلمة مثل القذيفة عندما يتم إطلاقها، لا يمكن أن تعود إلى مكانها ، وسيبقى أثرها ظاهراً وعالقاً في النفوس والقلوب ، ولهذا لا أريد الخوض في جدال عقيم أعرف نتيجته سلفاً ، فالود الذي بيننا أبقي وأصدق من كل طارئات الزمان.
محبتي
19 سبتمبر 2025م



رفيقي العزيز محمد عبد الرحمن الناير [بوتشر]…
أولاً، اسمح لي أن أبادلك المحبة بمثلها وأزيد، فما بيننا ليس مجرد صداقة عابرة بل خيط ممتد من العمر، وحبل متين لا تقطعه حرب ولا تزعزعه خلافات فكرية أو سياسية، وصل لدرجة الأسر والعلاقات الخاصة، لقد ظللت دائماً أخاً أكبر وصديقاً ورفيق درب، ومهما اختلفت قراءاتنا للواقع أو تباينت منطلقاتنا، فذلك لم ولن يقلل من مكانتك في قلبي ولا من تقديري لشخصك النبيل…
قرأت رسالتك بعناية، ولمست فيها صدق المشاعر وصفاء الروح، وأتفهم دوافعك في الابتعاد عن جدلٍ ترى أنه لن يُفضي إلى جديد، وأشاركك في جزء كبير من رؤيتك، لكن دعني أقول لك إن قناعتي منذ إندلاع هذه الحرب أن أكثر ما استنزفنا، بجانب الخراب والدماء، هو فائض النقاش الذي لا يفتح أفقاً ولا يغير واقعاً، لهذا فضلت الصمت أو أقل القليل من القول، لأنني مؤمن أن للكلمات أثراً لا يقل عن الرصاص، وقد تتحول (كما قلت بحق) إلى قذائف لا تُسترد…
أنا لا أتنصل من مسؤوليتي في التفكير والكتابة، لكنني اخترت أن لا أكتب عن الحرب بشكل مباشر الآن، ولا أن أدخل في سجالات تزيد من التباعد أو توهمنا بجدوى نقاشات محسومة سلفاً، لستُ غائباً عمّا يجري، بل أتابعه بوعي وحزن وتأمل، وأدرك مثلك أن أصل المأساة أعمق من تفاصيل يومياتها، وأن المحك الحقيقي هو كيف نحاكم البُنى والسياسات التي قادتنا إلى هذا الخراب، لا أن نغرق في وحل الاصطفافات والاصطراع…
أختلف معك قليلاً فقط في أن الصمت ليس دوماً ترفعاً عن الجدل العقيم، بل قد يكون أيضاً موقفاً أخلاقياً، أن لا أضيف كلمة قد تُستغل، أو قد تُشوه وداً أحرص على أن يبقى أنقى من السياسة وأصلب من الأيديولوجيا، فالحروب تمضي، لكن العلاقات الإنسانية إن تصدعت ربما لا تُرمّم…
ثق أن ما بيننا من ود لن تُعكره هذه الحرب ولا ما هو أفظع منها، وأن اللحظة ستأتي (كما قلت )، حيث يجلس الناس للحوار بقوة المنطق لا بمنطق السلاح، حينها فقط يمكن أن يكون للكلمة مقامها، وللجدل جدواه، إلى ذلك الحين، سأبقى كما عهدتني، أبادلك التقدير والاحترام، وأصون هذه الأخوة التي أعتبرها من أثمن ما جنيته في هذه الحياة…
محباتي وإحتراماتي التي تعلم…
معتز محمد بشير سليمان [تروتسكي]…
19 /سبتمبر/ 2025م.