مقالات الرأي

فض اعتصام القيادة العامة في السودان


بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


في فجر الثالث من يونيو عام 2019م، وتحت سماء الخرطوم التي كانت شاهدة على أعظم ثورة شعبية في تاريخ السودان الحديث، ارتكبت آلة القمع العسكري أشنع جريمة في مسيرة الثورة، حين اقتحمت قوات تابعة للمجلس العسكري الانتقالي، يقودها عناصر من قوات الدعم السريع، ساحة الاعتصام التي ظلت لثلاثة أشهر متواصلة رمزًا للصمود والسلمية والإرادة الشعبية التي لا تقهر. لم تكن تلك الجريمة مجرد عملية فض لاعتصام، بل كانت مجزرة ممنهجة، وإبادة جماعية بحق شباب كانوا يحلمون بوطن يليق بهم، وبدمائهم الطاهرة كتبوا أروع ملاحم النضال، فتحولت ساحة القيادة العامة من ميدان للحرية إلى ساحة للدمار والموت.
في الأيام التي سبقت الجريمة، كان الثوار يعيشون لحظات من الأمل الممزوج بالحذر، فقد كانت المفاوضات جارية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، وكان الجميع يظن أن الانتقال إلى الحكم المدني أصبح قريبًا. لكن خلف الكواليس كانت تُحاك مؤامرة ماكرة، حيث تم الاتفاق بين قادة المجلس العسكري وتنظيم الإخوان على إنهاء الاعتصام بالقوة الغاشمة، ليس فقط لتصفية الثوار جسديًا، ولكن لتحطيم الروح المعنوية للثورة وإجهاض حلم التحول الديمقراطي في مهدها.
عندما انطلقت آليات الدعم السريع الثقيلة في شوارع الخرطوم فجر ذلك اليوم المشؤوم، كان الثوار في ساحة الاعتصام نيامًا أو يقظين في خيامهم المتواضعة، بعضهم كان يؤدي صلاة الفجر، وآخرون كانوا يتلوون القرآن أو يرددون الأهازيج الثورية التي رافقت ثورتهم منذ انطلاقتها المجيدة في ديسمبر 2018م. لم يكونوا يحملون سوى هواتفهم النقالة وأعلامهم الوطنية، وبعضهم كان يحمل صور الشهداء الذين سبقوهم إلى طريق الحرية. لم يتوقع أحد أن يأتي الرد على سلميتهم بهذه الوحشية البشعة.
بدأت المأساة حين حاصرت آليات الدعم السريع ساحة الاعتصام من كل الجهات، وقطعت طرق الإمداد والاتصالات، ثم بدأ إطلاق الرصاص الحي بشكل عشوائي على الحشود العزلاء. كانت الطلقات تنهال من كل اتجاه، من على الجسور ومن خلف المباني، ومن على الآليات العسكرية التي كانت تتقدم ببطء لتسحق الخيام وتدهس الأجساد. تحولت ساحة الاعتصام إلى جحيم حقيقي، حيث اختلطت أصوات الرصاص بصوت صراخ النساء والأطفال، وضحايا كانوا يتساقطون كأوراق الخريف، والدماء تسيل في شوارع المنطقة لتشكل أنهارًا حمراء تروي أرض الوطن التي ظلت تنتظر الحرية لعقود طويلة.
كان المشهد لا يطاق، فالأمهات كن يبحثن عن أبنائهن بين الجثث المتناثرة، والآباء كانوا يحملون أطفالهم الجرحى على أكتافهم يركضون إلى أقرب مستشفى، لكن المستشفيات نفسها لم تكن بمنأى عن الجريمة، حيث منعت قوات الدعم السريع سيارات الإسعاف من الوصول إلى موقع المجزرة، وتم منع نقل الجرحى والمصابين، مما أدى إلى نزيف كثير من الضحايا حتى الموت وهم ينتظرون النجدة التي لم تأت. بعض الجرحى ظلوا لساعات طويلة يئنون في العراء، والدماء تفارق أجسادهم قطرة قطرة، دون أن يمد لهم أحد يد العون، في مشهد يعكس أقصى درجات التجرد من الإنسانية.
وفي تصعيد غير مسبوق للجريمة، قامت قوات الدعم السريع بإلقاء جثامين بعض الشهداء في نهر النيل، في محاولة يائسة لإخفاء معالم الجريمة وحجمها الحقيقي. كانت الأسر تبحث عن أبنائها في المشافي والمشارح، بينما كانت مياه النيل تلفظ جثامين بعضهم بعد أيام، وقد انتفخت وتغيرت معالمها، مما زاد من مأساة الأهل الذين كانوا يتعرفون على أبنائهم من خلال ملابسهم أو هواتفهم أو بعض الوشوم التي كانت على أجسادهم. كانت تلك لحظات لا تحتمل، حيث تجمع الأهالي على ضفاف النيل يحدقون في الماء بقلوب مفطورة، ينتظرون أن تلفظ النيل جثامين أحبتهم ليدفنوها بكرامة تليق بهم.
أما الذين سقطوا أحياء في قبضة المعتقلات السرية، فقد عاشوا كابوسًا لا يقل فظاعة عن الموت. اختفى العشرات من الثوار في غياهب السجون التابعة لقوات الدعم السريع وجهاز الأمن، وتعرضوا لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي. كانت هناك روايات عن تعذيب المعتقلين بالصعق الكهربائي، وتعليقهم من أقدامهم لفترات طويلة، والحرمان من الطعام والماء، والتهديد باغتصاب نسائهم وأمهاتهم. بعضهم أفرج عنه بعد أسابيع أو شهور، وقد تغيرت ملامحهم، وكُسرت أجسادهم، لكنهم خرجوا بروح ثورية لم تنكسر، ليرووا للعالم ما جرى في تلك الزنازين المظلمة.
وما زال حتى اليوم، بعد كل هذه السنوات، العشرات من أسر الشهداء والمفقودين ينتظرون معرفة مصير أبنائهم. فمنهم من اختفى تمامًا دون أثر، كأن الأرض ابتلعتهم، ولم تعثر الأسر على جثامينهم لتدفنها، ولا على أية معلومات عن مكان وجودهم. تعيش تلك الأسر حالة من الانتظار المرير بين اليأس والأمل، بين التمسك ببقايا صور لأبنائها وبين الخوف من معرفة حقيقة قد تكون أكثر قسوة من الغياب. بعض الأمهات ما زلن يحتفظن بغرف أبنائهن كما هي، ويجهزن لهم الطعام كل يوم، ويترقبن عودتهم من بوابة المنزل، في مشهد يدمي القلوب ويعبر عن حجم المعاناة التي ألحقتها تلك الجريمة بعمق النسيج الأسري السوداني.
لم تقتصر معاناة الثوار على الجرح الجسدي والموت والفقد، بل امتدت إلى عمق النفس البشرية، حيث عانى الناجون من المجزرة من اضطرابات نفسية حادة، فمنهم من أصيب بالرعب المرضي من الأصوات العالية، فلا يستطيع سماع صوت طائرة أو سيارة إسعاف دون أن يرتجف قلبه ويعود به الذاكرة إلى ذلك الصباح المشؤوم. ومنهم من فقد القدرة على النوم، فلا تغمض عيناه إلا ليرى في منامه جثث رفاقه ملقاة على الأرض، أو يسمع صرخات الأمهات وهن يبحثن عن أبنائهن. ومنهم من انسحب من الحياة الاجتماعية تمامًا، وآثر العزلة على لقاء الناس، غير قادر على استيعاب أن العالم يمكن أن يمضي قدمًا بينما هو ما زال عالقًا في تفاصيل تلك الساعات الطويلة من الرعب.
لكن رغم كل هذه المآسي، ورغم محاولات قادة المجلس العسكري وتنظيم الإخوان لدفن الثورة في مقبرة الشهداء، فإن روح الانتفاضة السودانية أثبتت أنها أقوى من الرصاص وأعتى من الموت. ففي الأيام التالية للمجزرة، خرج الملايين من السودانيين في كل المدن والقرى، في مشاهد مهيبة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، ليواصلوا مسيرة الثوار الذين سقطوا، وليؤكدوا للعالم أن دماء الشهداء لم تذهب هدرًا، وأن الإرادة الشعبية لا يمكن قمعها بالحديد والنار. كانت تلك المسيرات الحاشدة بمثابة الجنازة الجماعية للشهداء، وفي الوقت نفسه كانت بمثابة إعلان ميلاد جديد للثورة، حيث تحول الغضب الشعبي إلى قوة دفع هائلة أوصلت السودان إلى تحقيق إنجاز تاريخي لم يكن ليتحقق لولا تلك التضحيات الجسام.
لقد أسفرت الضغوط الشعبية المحلية والدولية عن توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، والتي شكلت اللجنة العليا للتحقيق في أحداث فض الاعتصام، كما نصت على تشكيل حكومة مدنية انتقالية تمثل حلم الثوار الذي ضحوا من أجله. ورغم أن هذه الحكومة لم تكتمل مسيرتها بسبب الانقلاب العسكري الذي قاده البرهان في أكتوبر 2021م، إلا أن تجربتها أثبتت أن السودانيين قادرون على إدارة بلادهم بأنفسهم، وأنهم قادرون على بناء مؤسساتهم الديمقراطية إذا ما توفرت لهم الإرادة السياسية والدعم اللازم.
وبينما يواصل السودان اليوم معاناته من ويلات حرب مدمرة اندلعت في أبريل 2023م بين الجيش والدعم السريع، والتي يرى فيها كثير من المراقبين امتدادًا لجريمة فض الاعتصام ومحاولة من قادة الجيش للإفلات من المحاسبة، تظل ذكرى شهداء القيادة العامة حاضرة في وجدان كل سوداني وسودانية، كرمز للتضحية والفداء، وكدليل على أن ثورة ديسمبر المجيدة لم تكن مجرد انتفاضة عابرة، بل كانت نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث، ستظل تلهم الأجيال القادمة في نضالها المستمر من أجل الحرية والكرامة والعدالة.
إن الشعب السوداني، الذي دفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه وبناته، قد خرج من هذه المحنة أكثر وعيًا وإصرارًا على مواصلة الطريق نحو تحقيق أهداف الثورة الكاملة. فمهما كانت التحديات التي تواجه البلاد اليوم، ومهما كانت محاولات القوى المضادة للثورة لقلب مسار التحول الديمقراطي، فإن إرادة الشعب السوداني تبقى أقوى، وإن الدماء التي سالت في ساحة القيادة العامة لن تكون آخر فصول النضال، بل ستظل شعلة تنير الطريق لكل من يحلم بسودان يسوده السلام والعدالة والديمقراطية.
إن الانتصار الحقيقي للثورة السودانية لا يقاس فقط بتحقيق أهدافها السياسية المباشرة، بل يقاس أولًا وأخيرًا بتلك التحولات العميقة التي أحدثتها في وعي الشعب السوداني، فبعد ثورة ديسمبر، لم يعد السودانيين كما كانوا قبلها، لقد استعادوا ثقتهم في قدرتهم على التغيير، وأدركوا أن قوتهم الحقيقية تكمن في وحدتهم وتضامنهم، وتعلموا أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالتضحيات. لقد حولت ثورتهم معنى الوطنية من مجرد شعارات إلى دماء تسيل على الأرض، ومن أحلام بعيدة إلى واقع يعيشونه كل يوم في نضالهم المستمر.
لقد انتصرت الثورة السودانية في اللحظة التي خرج فيها الملايين إلى الشوارع بعد مجزرة القيادة العامة، رافعين صور الشهداء، مرددين هتافاتهم الخالدة، مؤكدين أنهم لن يركعوا ولن ينكسروا. انتصرت الثورة في كل بيت سوداني فُتح لاستضافة الجرحى والفارين من الموت، في كل أيادي امتدت لتضم يدا أخرى في لحظات الخطر، في كل دمعة ذرفت على شهيد وزادت صاحبها إصرارًا على مواصلة الطريق. انتصرت الثورة في كل كلمة حرية نطق بها سوداني بعد أن كان صوته مكبوتًا لعقود، في كل حلم أصبح ممكنًا بعد أن كان مستحيلًا.
إن شهداء القيادة العامة هم اليوم أحياء في قلوب الملايين، في كل خطوة نحو الحرية، في كل انتصار تحققه الإرادة الشعبية، في كل لحظة يثبت فيها السودانيين أنهم أهل لهذا الوطن، وأنهم قادرون على صنع مستقبلهم بأنفسهم. لقد كانت تضحياتهم هي الوقود الذي أبقى ثورتهم متقدة رغم كل المحاولات لإخمادها، وستظل ذكراهم نبراسًا يضيء الطريق لكل من يريد أن يواصل المسيرة حتى النهاية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن ثورة السودان لم تكن يومًا مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت ولادة جديدة لأمة بأكملها، كانت استعادة للكرامة الإنسانية التي طالما انتظرت، كانت درسًا لكل من يظن أن الشعوب يمكن أن تظل أسيرة للظلم والاستبداد. ورغم كل الخذلان الذي تعرضت له الثورة من بعض أبنائها، ورغم كل الدماء التي أريقت، ورغم كل محاولات القوى المضادة للثورة لاستعادة زمن الديكتاتورية، فإن روح ديسمبر المجيدة لا تزال حية، تنبض في قلوب السودانيين، وتدفعهم دفعًا نحو المستقبل الذي يستحقونه، مستقبل الحرية والسلام والعدالة الذي ضحى من أجله آلاف الشهداء، وفي مقدمتهم شهداء القيادة العامة، الذين سيبقون خالدين في ذاكرة الأمة، رمزًا للتضحية والفداء، وقنديلًا لا ينطفئ في طريق الحرية.
بتاريخ 22مارس2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x