مقالات الرأي

في زمن الرصاص والشاشات: شباب السودان بين يأس يخنق وأمل يتربص


بقلم : أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


في زوايا الخرطوم التي تهاوت جدرانها، وفي مخيمات النزوح التي تكاد تنفجر بالبشر، وفي غرف مظلمة ينقطع عنها التيار الكهربائي فتضيئها شاشات هواتف توشك أن تنطفئ، يقبع شباب السودان. إنهم جيل ولد على وقع الثورات وكبر على أنين الحروب، جيل حمل راية التغيير في ديسمبر المجيد ثم وجد نفسه مرمياً في قلب جحيم لا يعرف أسباباً ولا يرى نهاية. بين رصاص يقتل الأحلام قبل الأجساد، وشاشات تمنح هروباً مؤقتاً من كابوس اليقظة، يعيش هؤلاء الشباب أزمة وجودية بامتياز، حيث يخنقهم اليأس من كل جانب، وفي اللحظة التي يكادون فيها يستسلمون، يتربص الأمل في زوايا الروح، مذكراً إياهم بأنهم ليسوا مجرد ضحايا، بل قوة تغيير ما زالت تبحث عن طريقها.
إن اليأس الذي يسيطر على غالبية شباب اليوم في السودان لا يشبه أي يأس عرفه التاريخ. إنه يأس مولود من وعي مرير، من إدراك أن الدماء التي تسيل لا تبدو كافية لجذب انتباه العالم، وأن أصواتهم تتعالى في فضاءات التواصل الاجتماعي لتجد صداها فقط بين جدران المعاناة المشتركة. لقد وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان حجم الأزمة بأنه “لم يُقابَل بالاهتمام العالمي اللازم، ولا بالاهتمام الإعلامي اللازم”، وهي كلمات تخترق قلب كل شاب سوداني يشعر أن بلاده تموت بصمت، وأن جراحها لا تصلح إلا لتقرير عابر في نشرة أخبار. والأرقام ليست مجرد أرقام، إنها شهادة على هذا التجاهل المؤلم: فبينما حظيت نزاعات أخرى بتغطية إعلامية هائلة، انهارت التغطية الإخبارية للسودان من نحو 7,000 مقال شهرياً في أبريل 2023م إلى 600 مقال فقط في مطلع 2024م. هذا السقوط العددي يعكس سقوطاً أعمق في قلوب الشباب، الذين أصبحوا يرون أن معاناتهم غير مرئية، وأن مستقبلهم ليس في اهتمام أحد، وأن الحرب التي تلتهم كل شيء من حولهم ليست سوى فقرة عابرة في أجندة عالم مشغول بنفسه.
لكن هذا اليأس ليس وليد اللحظة، ولا هو نتاج التغطية الإعلامية وحدها. إنه ينساب في تفاصيل يومية تعيشها النفوس قبل الأجساد. فالشاب الذي كان يحلم باستكمال تعليمه يجد جامعته إما مدمرة أو محتلة، والشابة التي كانت تطمح إلى وظيفة تناسب شهادتها تجد نفسها نازحة في مدرسة مكتظة تعمل كمأوى، والطالب الذي كان يخطط للسفر للخارج يرى أحلامه تتحطم على صخور الحصار الاقتصادي والعزلة الدولية. الحرب في السودان لم تدمر المدن فقط، بل دمرت مسارات الحياة بأكملها. وفي هذا السياق، يروي شاب نازح من أم درمان تجربته بكلمات تحمل كل المعاني: “عندما بدأت الحرب، ظننت أنها ستنتهي خلال أيام، لكن الأيام تحولت إلى أشهر والأشهر إلى سنة. لم أعد أعرف كيف أحلم، فأحلامي تحتاج إلى طمأنينة غابت، وتحتاج إلى كهرباء تنير العقل، وتحتاج إلى أمان يسمح للفكر بأن يسبح بعيداً. كل ما تبقى لي هو هذه الشاشة الصغيرة، التي أصبحت نافذتي الوحيدة على عالم ربما لن أراه أبداً”.
وكأن الحرب لم تكن كافية، جاء القمع ليسرق ما تبقى من حريات كان الشباب قد انتزعوها بدمائهم في ثورتهم العظيمة. ففي السودان اليوم، لم تعد الحريات مقموعة بقوانين طوارئ أو قرارات استثنائية، بل أصبحت الحرب نفسها قيداً جديداً يحد من حركة الشباب وتعبيرهم. فمن يرفع صوته ضد العنف قد يتهم بالانحياز لأحد الطرفين، ومن يدعو إلى السلام قد يوصم بالخيانة، ومن يحاول التنظيم لأي عمل مدني قد يُعتقل دون محاكمة. هذا الكتمان الفعلي للحريات يمارس بعنف نفسي مضاعف، لأنه يجرد الشباب من وسائل التعبير التي كانوا قد اكتشفوها في ثورتهم، ويعيدهم إلى مربع الصمت القسري، لكن هذه المرة في ظل نار مشتعلة لا تترك لهم أي مجال للتنفس. وفي غياب الدولة وانهيار مؤسساتها، أصبح الشباب يعيشون في فراغ قانوني وأمني يزيد من هشاشتهم وضعفهم، ويجعلهم عرضة للاستغلال والتجنيد القسري والاعتقالات التعسفية. والأخطر من كل ذلك هو الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، حيث يتردد كثير من الشباب في طلب المساعدة، خوفاً من نظرات الشفقة أو التهميش، فيحملون جروحهم في صمت، تلتهمها الشاشات بدلاً من أن تلتئم في واقع داعم.
في خضم هذا الفراغ المدمر، أصبحت شاشات الهواتف الذكية والإنترنت ذلك الملاذ الأخير الذي لا يملك الشباب غيره. ففي غياب الأماكن العامة الآمنة، وانهيار المؤسسات الثقافية والرياضية، وتوقف الحياة الاجتماعية، أصبحت الشاشات هي النافذة الوحيدة على العالم، وأداة التواصل الوحيدة مع الآخرين. لكن مع مرور الوقت، تحول هذا الملاذ إلى إدمان يعكس عمق الأزمة النفسية، حيث يستخدم الشباب الأجهزة الإلكترونية كآلية هروب من ضغوط لا تطاق. يمثل الإدمان الإلكتروني هنا أكثر من مجرد قضاء وقت فراغ، إنه شكل من أشكال التخدير النفسي، حيث يغرق الشاب في محتوى لا نهاية له، في أخبار تبعده عن واقعه، في مقاطع فيديو تمنحه جرعة مؤقتة من الانفصال عن الألم. وفي هذا السياق، يعزو مختصون هذا السلوك إلى أسباب متعددة تشمل الهروب من الواقع القاسي، والعوامل النفسية كالاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة، والرغبة في التخلص مؤقتاً من المشاكل والضغوط المتراكمة. لكن هذا الهروب الافتراضي، مهما كانت ضرورته النفسية المؤقتة، يحمل في طياته مخاطر جديدة، فهو يؤدي إلى مزيد من الانفصال عن الواقع، وإهمال الواجبات، وتفاقم المشكلات النفسية والاجتماعية، خاصة في ظل ضعف خدمات الإنترنت وانقطاع التيار الكهربائي التي يعاني منها السودان، حيث يضطر الشباب إلى بذل جهود مضاعفة للحصول على اتصال ضعيف بالعالم الخارجي، وهو اتصال يذكرهم أكثر بما فقدوه مما يمنحهم ما يبحثون عنه.
لكن وسط هذا الدمار النفسي والمعنوي، هناك حقيقة لا بد أن تطفو على السطح: شباب السودان لم يستسلموا تماماً. قد يكون اليأس يخنقهم، وقد تكون الشاشات تبتلع أوقاتهم، لكن في العمق هناك أمل يتربص، ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر. وقد بدأت بوادر هذا الأمل تظهر في سلوكيات الشباب أنفسهم، حيث واصل الكثيرون، رغم كل شيء، الاضطلاع بدورهم في حماية المجتمع حين غابت الدولة. ففي مدن النزوح وفي أحياء الخرطوم التي ما زالت تصمد، أنشأ الشباب غرف الطوارئ التي تقدم الخدمات الأساسية للمتضررين، وأقاموا تكايا الطعام لإطعام الجياع، وشكلوا شبكات الإغاثة لتوزيع المساعدات، وعملوا على توحيد إرادتهم في رفض الحرب والبحث عن مخارج للسلام. هذه المبادرات، رغم تواضع إمكانياتها، حملت روح المقاومة المدنية التي رفضت أن تكون الحرب هي الفصل الأخير في قصة السودان، وأثبتت أن الشباب يمتلكون من العزيمة ما يمكنهم من تحويل محنتهم إلى منحة، إذا ما وجدوا الأدوات المناسبة والدعم الكافي.
وهنا يأتي دور النماذج الأفريقية الملهمة، التي تشكل منارات أمل وشواهد حية على أن النضال يمكن أن يتخذ أشكالاً جديدة، وأن الإبداع في وسائل التغيير هو مفتاح التحرر من الجمود الذي تفرضه الأزمات. ففي نيجيريا، كانت حركة “End SARS” نموذجاً استثنائياً في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتنظيم الرقمي لتحقيق تغيير حقيقي. انطلقت هذه الحركة ضد وحدة الشرطة النيجيرية الخاصة، لكنها لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل كانت حركة منظمة استخدمت الهاشتاقات والمنصات الرقمية لتوحيد الصفوف، وجمع التبرعات القانونية للمتضررين، وتوثيق الانتهاكات، والضغط على الحكومة لإحداث تغييرات ملموسة في سياسات الشرطة. ورغم القمع الذي واجهته، إلا أنها نجحت في وضع قضية إصلاح الشرطة على طاولة النقاش الوطني والدولي، وأثبتت أن الشباب عندما يتحدون وينظمون أنفسهم رقمياً، يمكنهم أن يحدثوا فرقاً حقيقياً دون الحاجة إلى حمل السلاح. هذه التجربة تقدم لشباب السودان درساً مهماً: أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت اليوم مصدر إدمان وهروب، يمكن أن تتحول إلى سلاح فعّال للتنظيم والتغيير، إذا ما استخدمت بوعي وتخطيط.
وفي جنوب أفريقيا، برزت حركة “#FeesMustFall” التي قادها طلاب الجامعات للمطالبة بتخفيض الرسوم الدراسية وجعل التعليم العالي في متناول الجميع. هذه الحركة لم تكن مجرد احتجاجات طلابية عابرة، بل استخدمت استراتيجيات مبتكرة جمعت بين النشاط الرقمي والتنظيم الميداني، وتمكنت من خلق نقاش وطني حول العدالة التعليمية والاقتصادية، وحققت انتصارات جزئية لكنها مهمة في سياسات التعليم العالي. ما يميز هذه التجربة هو قدرتها على تحويل قضية محددة إلى حركة مجتمعية أوسع، وإشراك شرائح مختلفة من المجتمع في النقاش حول مستقبل التعليم والفرص في البلاد. وفي كينيا، استخدم الشباب منصات التمويل الجماعي والتكنولوجيا المالية لتجاوز الأزمات الاقتصادية، وأطلقوا مبادرات ريادية صغيرة ساعدت في تخفيف البطالة وخلق فرص عمل بديلة في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية. هذه التجارب مجتمعة تقدم لشباب السودان نموذجاً عملياً لكيفية تحويل التحديات إلى فرص، وكيفية استخدام الأدوات الرقمية ليس فقط للهروب من الواقع، بل لتغييره.
هذه النماذج الأفريقية وغيرها تقدم دروساً قيمة لشباب السودان، أهمها أن النضال لا يتطلب بالضرورة المواجهة المسلحة أو العمل السياسي التقليدي، بل يمكن أن يتخذ أشكالاً متنوعة ومبتكرة. ففي العصر الرقمي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والتنظيم الإلكتروني أدوات قوية للتغيير، تتيح للشباب تجاوز القيود التقليدية وتشكيل تحالفات عابرة للحدود. كما أن العمل على بناء مؤسسات مجتمع مدني قوية، والتركيز على القضايا التنموية والخدمية، والمشاركة في إدارة الأزمات المحلية، كلها وسائل فعالة لإعادة تعريف دور الشباب في المجتمع وخلق تأثير حقيقي وإن كان تدريجياً. وفي هذا الإطار، يمكن لشباب السودان أن يستلهموا من تجارب نظرائهم في القارة، وأن يطوروا أدوات نضال جديدة تتناسب مع واقعهم الخاص، وأن يبنوا تحالفات إقليمية وقارية تدعم قضيتهم وتكسر عزلتهم الدولية. فالقارة الأفريقية تزخر بتجارب شبابية نجحت في تجاوز أزمات مشابهة، وتقدم لهم دليلاً عملياً على أن التغيير ممكن، وأن الإبداع في وسائل النضال هو مفتاح التحرر من الجمود والروتين الذي تفرضه الأزمات.
إن الطريق نحو التعافي والتغيير الحقيقي في السودان يبدأ أولاً بإنهاء هذه الحرب العبثية، وهذا يتطلب جهوداً دبلوماسية وسياسية على المستويات كافة، لكنه يتطلب أيضاً إرادة شبابية قوية ترفض الاستسلام للواقع وتعمل على خلق بدائل. فشباب السودان هم الأكثر تضرراً من هذه الحرب، وهم أيضاً الأكثر قدرة على حمل راية السلام وإعادة البناء. لكن معالجتهم النفسية وإخراجهم من حالة الإدمان الإلكتروني تتطلب جهوداً متكاملة تشمل توفير بيئات آمنة للتواصل الاجتماعي الفعلي، واستعادة المؤسسات الثقافية والرياضية والتعليمية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي المتخصص. والأهم من كل ذلك، هو استعادة الأمل في إمكانية التغيير، والإيمان بأن المستقبل لا يزال في أيديهم.
وفي النهاية، لا يمكن الحديث عن مستقبل السودان دون الحديث عن شبابه، ولا يمكن الحديث عن التعافي دون الحديث عن قدرتهم على التجاوز والإبداع. شباب السودان ليسوا مجرد ضحايا للحرب أو رهائن لليأس أو أسرى لإدمان الشاشات، بل هم حاملو مشعل الغد، الذين يمتلكون من العزيمة والإرادة ما يمكنهم من تحويل هذه المحنة إلى منحة، وهذه المعاناة إلى قوة دافعة للتغيير. إنهم بحاجة إلى من يؤمن بهم ويدعمهم، وإلى نماذج نجاح تلهمهم، وإلى رؤية واضحة للمستقبل يستطيعون النضال من أجلها. وشباب القارة الأفريقية الذين سبقوهم في تجارب مشابهة يقدمون لهم دليلاً عملياً على أن التغيير ممكن، وأن الإبداع في وسائل النضال هو مفتاح التحرر من الجمود والروتين الذي تفرضه الأزمات. فليستمع شباب السودان إلى أصوات إخوانهم في نيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا، وليستلهموا من تجاربهم في تحويل التحديات إلى فرص، وفي استخدام الأدوات الرقمية لخدمة أهدافهم الإنسانية والسياسية، وفي بناء تحالفات تتجاوز الحدود الجغرافية. فالأمل ليس وهماً، بل هو قرار يتخذونه كل يوم حين يختارون المقاومة والصمود، وحين يرفضون أن تكون الحرب هي الفصل الأخير في قصتهم، وحين يقررون أن شاشاتهم، التي كانت يوماً ملاذاً للهروب، ستصبح منصة لانطلاق نضال جديد، نضال يليق بجيل حمل راية التغيير في أحلك الظروف، وأصر على أن يكون صوتاً للحياة في زمن الموت.
بتاريخ26يوليو2026م
abdualmajidaltahirmohamad@gmail.com

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x