مقالات الرأي

قراءة في لحظة الانكسار الجمعي


في عمق المشهد الإنساني والسياسي تتكشف أخطر اللحظات وأكثرها قسوة عندما يدرك الناس يقيناً أن الدولة لم تعد سوى كيان يدار لحساب نخبة ضيقة وليس لحساب الأمة بأسرها. هذا التحول الجذري في طبيعة السلطة يفقد الأفراد القدرة على التضحية والبذل من أجل الوطن ويدفعهم نحو الانصراف التام للبحث عن مصالحهم الخاصة.
إنه الوعي المرير الذي يبين لحظة الانكسار الجمعي الذي يصدع البنيان الاجتماعي والسياسي.
​وحين تتكشف الدولة بوصفها آلة صماء خصصت لخدمة قلة متسلطة لا تمثل الشعب كاملاً فإن القداسة التي طالما بنيت عليها معاني التضحية والفداء تنهار من أساسها. يتحول الوطن بفعل هذا الاستحواذ إلى ما يشبه الشركة الخاصة التي تتقاسم نخبها الأرباح الباهظة بينما تترك الخسائر الفادحة والتبعات المريرة للجموع العريضة.
وحين يؤول الوطن إلى هذا الحال فإنه يفقد طابعه كفكرة جامعة مقدسة ليتحول في عيون أبنائه إلى قيد ثقيل فاقد لكل أشكال الشرعية والأهلية.
​عندئذ يتعرى الانتماء الوطني من كل رمزيته السامية وتذوي رويداً رويداً تلك الحماسة العارمة التي كانت تدفع الفرد لسفك دمه وبذل حياته فداءً لتراب وطنه. فالإنسان بطبيعته لا تجود روحه ولا تسفك دماؤه من أجل أوطان مصادرة الإرادة ومسلبة الحقوق بل إن التضحية الحقة لا تكون إلا من أجل قيم نبيلة عادلة يتقاسمها الجميع.
​إنها لحظة سقوط القناع الكبرى التي يدرك فيها المرء بلا ريب أن كل الشعارات البراقة الرنانة حول الوطن لم تكن سوى ستار خادع تحجب خلفه المصالح الضيقة والمنافع النخبوية الاحتكارية. وعند هذا الحد الفاصل ينقلب الوفاء العفيف إلى سخرية لاذعة ويتحول الإخلاص المطلق إلى عزوف واغتراب دائم. فلا يجد الفرد أمامه مفراً سوى الارتداد نحو حمايته لمصلحته الخاصة متشبثاً بها كغريزة نجاة أخيرة ووحيدة وسط هول خراب مؤسس وهياكل متهالكة.
​وفي خضم هذا السقوط المروع لا يقتصر الأمر على انهيار الإيمان السياسي بالوطن فحسب بل تمتد كارثة الانهيار لتطال الفكرة ذاتها من جذورها العميقة لتتأكد الحقيقة القاسية بأن الوطن ليس مجرد أرض صماء بل هو كيان جامع يقوم على العدل والكرامة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x