كيف صمدت حركة/ جيش تحرير السودان قرابة ربع قرن من الزمان في النضال

بقلم: محمد رورو
ظل تاريخ الحركات المسلحة في السودان تاريخاً للمهادنات وتبدلات المواقف، حيث كانت الغابة تشهد ظهور حركة كفاح مسلح ثم في لحظة مهمة من لحظات النضال تتحول هذه الحركة الثورية الى حركة مساوِمة تنتهي رحلة نضالها المرير في أحضان النظام الحاكم، تهدهد قادتها بحفنة كراسي وبعض الكعك، ثم تظهر حركة مسلحة جديدة للتو وفي الجانب تمرد مفاجئ للحركة الموقعة على سلام السلطة، حتى أصبح صناعة الحركات محاكاة بينما الإتفاقات Model في الدولة السودانية، فظللنا نرى حركات الغابة تتحول الى حركات القصر والعكس، في ألعوبة سياسية مختلة للأخلاق السياسية.. وهذه الدائرة المفرغة والدوامة الفاقدة لمبادئ الثورة في رائي هي المسؤولة عن تطويل عمر النظام وتدوير الأزمة وتأخير إنتصار الثورة.
ولعلّ قليل من الحركات ظلت صامدة في نضالها مستمسكة بقضايا الشعب دون إنحراف، وهذه النوع من الحركات هي ما تأمل إليها الشعب لتُحقق تطلعاتهم.
ووسط تلك الزحام تبرز إسم حركة/جيش تحرير السودان قيادة الأستاذ/ عبدالواحد نور .. حركة طليعة تحمل تطلعات الشعب السوداني، عبر نضال عنيف هدفها بناء دولة علمانية ليبرالية فدرالية ديمقراطية حر موحد.
ولنتسائل كيف حافظت هذه الحركة على ماء وجهها دون وقوع لأي إنحراف او تلبية إغراءات الحكومة اللامعة، وما السر الذي يبقيها على مبادئها…
الحقيقة أن رصاصات النضال التى أطلقها حركة/جيش تحرير السودان في دارفور لم تكن رصاصات مفاجئة لكثير من الناس، فقد سبقها عمليات توعية مكثفة لرؤوس المجتمع، وقام المؤسسين الذين شكلو نواة الحركة، وعلى رأسهم القائد المؤسس عبدالواحد نور بالتجوال داخل الأرياف ومدن دارفور بل وفي الخرطوم العاصمة وكبرى مدن دارفور داعين للإلتفاف حول مشروع تحالف الشعب العريض، حيث تم تعريف الظلم وكشف حجم الحرمان وفهم كمية الإقصاء الذي مارسه النخب وتمارسه السلطة القائمة؛ وتعريف هؤلاء بمنطلقات الحركة الثورية، فكانت اللقاءات السرية مع قادة المجتمع والمؤثرين حاضرة تهدف الى تعريف الناس بالثورة المسلحة التى سوف تنطلق قريباً ومثلما قال عيسى شيفجي ~~«تمرد الأفكار يسبق تمرد الأسلحة».
هذا النضوج السري الى أبطأ إنفجار الحركة عسكرياً من منتصف التسعينات الى بواكير الألفينات صار لاحقاً الأساس التى إنطلق منه الحركة، مندفعاً تسندها الدعم الشعبي والبيعة الكاملة.
ومع إكتمال الترتيبات أطلقت الحركة أولى رصاصات النضال في يوليو 2002 بواقعة قولو وسط جبل مرة مؤمنا بالثورة المسلحة كأحد وسائل تغيير أنظمة الحكم بالسودان وبناء دولة المواطنة المتساوية على أنقاضها. بعدها شهدت قلعة «بُوتْكِي» الواقعة شمال شرق جبل مرة «روكرو» اول تنظيم عسكري في 21 أغسطس ومنها توالت المعارك والإنتصارت، فتوالت معها وفود الشباب من فجاج الوطن، شباب من مختلف المكونات ومن شتى المدن والأرياف، ومع المعارك الخاطفة توفرت الأسلحة المنتزعة من العدو وإزداد معه الإيمان الشعبي، فأصبحت حركة/جيش تحرير السودان حاضرة بقوة في الساحة السياسية بقوتها العسكرية وشعبيتها وطرحها القوي والواضح للقضية السودانية، ولاحقاً أصبحت جزءاً من التحالفات الثورية القاضية لإسقاط النظام وإصلاح بنية الدولة بل كانت المبادِرة لها فكانت تحالف الجبهة الثورية2011 مع القوى الثورية المسلحة، ووثيقة الفجر الجديد 2012 مع القوى السياسية المدنية من أبرز التحالفات.
لكن ما جعل الحركة ثابتاً في قضيتها هو إنسجامها التام مع مشروعها وإلتزامها بخطها السياسي وإيمانها المطلق بالقضية الوطنية، فكانت دائماً شوكة حوت في حلق نظام الحركة الإسلامية «المؤتمر الوطني» التى بدورها إتبعت عدة طُرق للقضاء عليها، تمثلت في الإتي:
1__ الوعيد الذي يبدأ بهجوم شرش جواً وبراً وشرِع مليشياتها لإرتكاب أبشع الجرائم ضد المدنيين كمحاولة لتركيع الحركة، فكانت الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وإغتصاب النساء هو السلاح الآخر صاحبتها حرق كامل للقرى والزراعة لمحو أثر الحياة.
2__ توجيه إعلام منافق يصف حركة تحرر وطني بهذا الحجم ووضوح الطرح بالحركة المطلبية وأحياناً القبلية وينعت قاداتها بالكفار وعملاء صهيون.
3__ تبعتها إغراءات السلطة والثروة، وفتح منصات لإتفاقيات خادعة تنتهي بالمحاصصة والإنتهازية.
4__ محاولة إختراق الحركة من الداخل، نتيجتها بيع قادة ضعاف النفوس ينتهي بصنع أجسام يختصر طريق المهادنة وإختطاف أسماء لامعة، وكثيرا من حركات الكفاح الآن عبارة عن فصائل منشقة، وقادة سابقين في صفوف الحركة.
ورغم تلك الهزات العنيفة، ظلت الحركة صامدة ترمم كل مرة داخلها وتسير بخُطى الثورة، بل تحولت الحركة من حركة قتالية وسياسية الى حركة تعمل على البناء الإجتماعي، ثمرتها:
1_ تدريب وتنظميم وتأهيل جيش مؤهل ليس من أجل المنازلات القتالية وخوض حرب عصابات جيفارية فقط، بل جيش بعقيدة وطنية ثورية، جنود محترفين ، مهرَة في القتال، لكنهم واعين جداً بالسؤال، لماذا يقاتلون. إنهم نواة لمؤسسة القوات المسلحة في السودان القادم.
2__طرح مشروع المعرفة للتحرر تهدف الى تحرير عقول الشعب تأكيداً لفكرة تحرير العقل أولى من تحرير الأرض.
3_إقامة مؤتمر إستثنائي ديمقراطي في العام 2021 أحيا روح الحركة، حيث شهدت إعادة هيكلة مؤسسات الحركة التشريعية، التنفيذية، القضائية، المدنية، الإعلامية.
4_إستحداث السلطة المدنية «حكومة الحركة الثورية بالأراضي المحررة» مهمتها إدارة المدنيين وتعزيز الثقة داخلهم وبالتالي توفير الأمن والحماية وسبُل العيش والصحة والتعليم، وهنا نشهد صورة مصغرة للدولة التى يجب تأسيسها.
5_الرؤية الثابتة والثاقبة لمعالجة أزمة الدولة التاريخية عبر حوار سوداني__سوداني يشمل جميع مكونات الشعب السوداني، ينتهي بدولة المواطنة المتساوية.
6_قيادة طليعة مؤمنة بالنضال، وتعرف متطلبات العمل السياسي، متمثلة في رئيس الحركة.
ما ذكرته جميعاً هي الأسباب التى جعلت الحركة شامخة ومشروعها هي الأقرب لتلبية تطلعات الشعب السوداني، فالحركة التى ترتاد ميادين القتال من أجل التحرر الوطني لا يمكنها التراجع عن نضالها مهما كانت الضغوط، والمهادنة بالنسبة لها جريمة في حق الشعب مهما كانت الظروف، الحركة الثورية يجب لها أن تكون ساهرة لقراءة التحولات السياسية ومعرفة الخداع من الوفاء. يجب على الحركة الثورية أن لا تخون جماهيرها.. وأن لا تخدع الشعب.
هذه هي حركة/جيش تحرير السودان رغم التعرجات والتحديات التى تواجهها.. لم أقل أنها حركة مطلقة تقودها آلهة الأرض ، بل بشر يخطؤون هنا ويصيبون هناك، يراجعون التجربة بإستمرار ويتعلمون من الأخطاء ومن الواقع، ويزدادون يقينا كل مرة، لكنهم جميعاً «قادة وعضوية» يؤمنون بالقضية ويقولون نقاوم ولا نساوم هذا هو سر بقاء الحركة لامعة.. براقة.. جذابة وسط الزحام.



