كيف يستفيد السودان من تجارب أوروبية في الحوارات الوطنية عبر التاريخ؟ (1)

بقلم: د.كمال عبدالعزيز
8 يوليو 2026م
يمر السودان اليوم بواحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، إذ تجاوزت الأزمة حدود الصراع السياسي التقليدي لتصبح أزمة وجود دولة، وأزمة هوية وطنية، وأزمة شرعية للمؤسسات، وأزمة ثقة عميقة بين مكونات المجتمع. ومع استمرار الحرب، واتساع رقعة النزوح، وانهيار الخدمات العامة، أصبح السؤال الجوهري ليس فقط كيف يمكن إيقاف الحرب، بل كيف يمكن إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة تمنع تكرار دورات العنف والانهيار. في هذا السياق، لا يبدأ التفكير من فراغ؛ فقد مرت دول أوروبية عديدة بأزمات حادة شبيهة من حيث الانقسام السياسي، أو الحرب الأهلية، أو الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، واستطاعت بعضها أن تبني مسارات ناجحة للحوار الوطني والمصالحة، بينما تعثرت تجارب أخرى بسبب ضعف التنفيذ أو غياب الضمانات أو استمرار السلاح خارج إطار الدولة. لذلك فإن دراسة هذه التجارب لا تهدف إلى استنساخها، وإنما إلى استخلاص المبادئ العامة التي يمكن تكييفها مع الواقع السوداني.
تؤكد الأدبيات المقارنة في بناء السلام أن نجاح الحوار الوطني لا يعتمد على جمع الأطراف حول طاولة واحدة فحسب، بل على معالجة الأسباب البنيوية للصراع، وإعادة بناء العقد الاجتماعي، وخلق مؤسسات قادرة على إدارة التنوع وتحقيق العدالة. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة عدد من التجارب الأوروبية بوصفها مختبرات سياسية تقدم دروسًا مهمة للسودان. وعليه تشكل تجربة إسبانيا بعد وفاة فرانكو واحدة من أبرز النماذج الأوروبية في إدارة الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. فقد أدركت النخب السياسية أن الاستقطاب الحاد قد يعيد البلاد إلى الفوضى، فتم اللجوء إلى التوافق التدريجي، وجرى توقيع “ميثاق مونكلوا” عام 1977، الذي جمع القوى السياسية والنقابية والاقتصادية حول قواعد مشتركة للانتقال. ثم تُوِّج المسار بدستور 1978 الذي أسس لنظام ديمقراطي تعددي. وتكمن أهمية هذه التجربة بالنسبة للسودان في أنها تؤكد أن بناء التوافق على المبادئ الدستورية والمؤسسية يجب أن يسبق التنافس على السلطة، وأن الانتقال الناجح يحتاج إلى شجاعة سياسية لقبول التسويات التاريخية.
أما تجربة أيرلندا الشمالية فتبرز أهمية الحوار الشامل في إنهاء صراع طويل ومعقد ذي أبعاد سياسية وهوياتية ودينية. فقد قاد “اتفاق الجمعة العظيمة” عام 1998 إلى وقف العنف، عبر إشراك الأطراف المتنازعة كافة، بما فيها القوى التي كانت تُعدّ مستحيلة الجلوس معها في السابق. وقد استند الاتفاق إلى تقاسم السلطة، وضمان الحقوق، وترتيبات أمنية وسياسية دقيقة، وآليات لمتابعة التنفيذ. وتوضح هذه التجربة أن السلام لا يتحقق بالإقصاء، بل بإدماج الخصوم في ترتيبات سياسية تضمن لهم الشعور بالأمان والمشاركة. وفي الحالة السودانية، يمكن استخلاص درس مهم مفاده أن أي حوار وطني لا يشمل القوى المؤثرة على الأرض، ولا يعالج هواجسها الأمنية والسياسية، سيظل هشًا وقابلًا للانهيار. وتقدم سويسرا نموذجًا مختلفًا وأكثر هدوءًا، لكنه بالغ الدلالة، في إدارة التنوع عبر الزمن. فالدولة السويسرية لم تُبنَ على التجانس، بل على التوافق بين لغات وثقافات ومناطق متعددة، من خلال نظام فيدرالي مرن، وتقاسم للسلطات، وآليات ديمقراطية تسمح بإدارة الخلافات دون تفجيرها. وتفيد هذه التجربة السودان في أن التنوع ليس بالضرورة مصدر تهديد، بل يمكن أن يصبح مصدر قوة إذا أُحسن تنظيمه دستوريًا وسياسيًا، وإذا جرى الاعتراف به في بنية الدولة نفسها لا في الخطاب فقط.
كما تقدم تجربة المائدة المستديرة في بولندا عام 1989 مثالًا مهمًا على الحوار بين السلطة والمعارضة في لحظة انتقال تاريخية. فقد جمعت المفاوضات بين النظام الشيوعي وقوى المعارضة، وأسفرت عن انتقال سلمي نحو التعددية السياسية. ولم يكن النجاح ناتجًا عن الثقة الكاملة بين الأطراف، بل عن إدراك مشترك بأن استمرار الجمود سيقود إلى الانهيار. ويستفيد السودان من هذه التجربة في فهم أن الحوار قد يبدأ بين أطراف لا تثق ببعضها، لكن نجاحه يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية، وضمانات واضحة، وجدولًا زمنيًا ملزمًا للانتقال. وفي المقابل، تقدم تجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون درسًا مزدوجًا. فمن جهة، أوقف الاتفاق الحرب الدموية، لكنه من جهة أخرى أنتج بنية سياسية معقدة جدًا، جعلت الدولة تعاني من الانقسام المؤسسي وضعف الفاعلية. وتوضح هذه التجربة أن وقف الحرب وحده لا يكفي إذا لم يُصمم السلام بطريقة تسمح ببناء دولة قابلة للحياة. وهذا درس شديد الأهمية للسودان، لأن أي تسوية لا تعالج مسألة وحدة الدولة، وإصلاح المؤسسات، وتوزيع السلطة والثروة، قد تنجح في إسكات البنادق مؤقتًا لكنها لا تؤسس لاستقرار دائم.
كما يمكن الاستفادة من تجارب المصالحات المحلية في إيطاليا، ولا سيما في جنوب تيرول، حيث جرى التعامل مع التوترات القومية واللغوية عبر ترتيبات حكم فدرالي، وضمانات ثقافية، وتقاسم إداري، وحوار طويل الأمد بين المركز والمجتمع المحلي. وتؤكد هذه التجربة أن الحلول المستدامة في المجتمعات المتنوعة لا تقوم على الإنكار أو القسر، بل على الاعتراف والمرونة المؤسسية. إن القاسم المشترك بين التجارب الأوروبية الناجحة يتمثل في أن الحوار لم يكن غاية في حد ذاته، بل كان جزءًا من مشروع وطني شامل لإعادة تأسيس الدولة أو إصلاحها. فقد استند إلى الشمول، والاعتراف بالتنوع، والعدالة، وسيادة القانون، وإصلاح المؤسسات، وربط السلام بالتنمية الاقتصادية وتحسين حياة المواطنين. أما التجارب التي تعثرت فقد عانت من الإقصاء، أو غياب الثقة، أو ضعف الإرادة السياسية، أو غياب آليات التنفيذ، أو استمرار العمل العسكري بالتوازي مع العملية السياسية.
وبالنسبة للسودان، فإن الاستفادة من هذه الخبرات تقتضي تصميم حوار سوداني–سوداني ينطلق من خصوصية المجتمع السوداني، ويجمع القوى السياسية، والحركات المسلحة، والإدارات الأهلية، والنساء، والشباب، والنازحين، واللاجئين، ومنظمات المجتمع المدني، بحيث يكون الهدف الأساسي هو إعادة تأسيس الدولة لا مجرد تشكيل حكومة جديدة. كما ينبغي أن يسبق الحوار وقفٌ شامل لإطلاق النار، وإجراءات لبناء الثقة، وتوفير ضمانات داخلية وإقليمية ودولية لتنفيذ مخرجاته، مع الاتفاق على المبادئ الدستورية الحاكمة، وإصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ووضع رؤية متفق عليها للتنمية المتوازنة وتقاسم السلطة والثروة.
وعليه إن الأزمة السودانية ليست الأولى من نوعها في العالم، لكن خصوصيتها التاريخية والاجتماعية تجعل أي حل ناجحًا فقط إذا استند إلى قراءة دقيقة للواقع المحلي. ولهذا فإن نجاح الحوار لن يتحقق باستنساخ تجربة أوروبية بعينها، وإنما بالاستفادة الذكية من التجارب المقارنة، واختيار ما يتوافق مع الواقع السوداني. فالدروس المستفادة من إسبانيا، وأيرلندا الشمالية، وسويسرا، وبولندا، والبوسنة والهرسك، وغيرها، تؤكد جميعها أن السلام المستدام لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالتسويات المؤقتة، وإنما بحوار وطني شامل يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، والعدالة، والشراكة، واحترام التنوع، لتصبح الدولة السودانية دولةً لجميع مواطنيها، لا ساحةً لصراع القوى المتنافسة.



