كيف يستفيد السودان من تجارب الحوارات في الدول التي واجهت أزمات مشابهة في افريقيا والعالم العربي؟ (2)

بقلم: د. كمال عبدالعزيز
10 يوليو 2026م
يجتاز السودان اليوم بواحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، إذ تجاوزت الأزمة حدود الصراع السياسي التقليدي لتصبح أزمة وجود دولة، وأزمة هوية وطنية، وأزمة شرعية للمؤسسات السياسية والامنية، وأزمة ثقة عميقة بين مكونات المجتمع. ومع استمرار الحرب، واتساع رقعة النزوح، وانهيار الخدمات العامة، أصبح السؤال الجوهري ليس فقط كيف يمكن إيقاف الحرب، بل كيف يمكن إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة تمنع تكرار دورات العنف والانهيار. فقد مرت دول افريقية وعربية عديدة بأزمات مشابهة، واستطاعت بعضها أن تنتقل من الحرب والانقسام إلى الاستقرار، بينما تعثرت تجارب أخرى بسبب أخطاء في إدارة الحوار أو ضعف تنفيذ مخرجاته. لذلك فإن دراسة هذه التجارب لا تهدف إلى استنساخها، وإنما إلى استخلاص المبادئ العامة التي يمكن تكييفها مع الواقع السوداني. وتؤكد سوابق المقارنة في بناء السلام أن نجاح الحوار الوطني لا يعتمد على جمع الأطراف حول طاولة واحدة فحسب، بل على معالجة الأسباب البنيوية للصراع، وإعادة بناء العقد الاجتماعي، وخلق مؤسسات قادرة على إدارة التنوع وتحقيق العدالة. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة عدد من التجارب الدولية بوصفها مختبرات سياسية تقدم دروسًا مهمة للسودان.
وعليه تشكل تجربة جنوب أفريقيا واحدة من أبرز النماذج العالمية في إدارة الانتقال من الصراع إلى الدولة الديمقراطية. فقد أدركت الأطراف المتنازعة أن الحسم العسكري لن يحقق الاستقرار، وأن مستقبل البلاد يتطلب اتفاقًا سياسيًا يضمن مشاركة الجميع. لم يبدأ الحوار بتقسيم المناصب، بل بدأ بالاتفاق على المبادئ المؤسسة للدولة الجديدة، ثم تُوِّج بدستور جديد، وانتخابات ديمقراطية، وإنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة لمعالجة إرث الانتهاكات. وتكمن أهمية هذه التجربة بالنسبة للسودان في أنها تؤكد أن بناء الدولة يجب أن يسبق التنافس على السلطة، وأن العدالة والمصالحة عنصران متكاملان لا متعارضان. أما تجربة تونس فتبرز أهمية الوساطة الوطنية المستقلة في لحظات الاستقطاب الحاد. فبعد الثورة واجهت البلاد خطر الانزلاق إلى العنف، لكن منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية قادت حوارًا وطنيًا جمع الفرقاء السياسيين، وأسهم في التوافق على خارطة طريق للانتقال السياسي. وتوضح هذه التجربة أن نجاح الحوار يرتبط بوجود جهة تحظى بثقة جميع الأطراف، وتدير العملية بعيدًا عن هيمنة أي طرف سياسي أو عسكري. وفي الحالة السودانية، يمكن أن يؤدي تحالف واسع من الشخصيات الوطنية والمؤسسات المدنية والأهلية دورًا مشابهًا إذا توفرت له الاستقلالية والمصداقية. وتقدم رواندا درسًا مختلفًا، إذ واجهت البلاد واحدة من أسوأ الإبادات الجماعية في القرن العشرين. وبعد انتهاء العنف، لم تقتصر عملية إعادة البناء على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بل شملت برامج واسعة للعدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية وإعادة دمج المتأثرين بالحرب. كما أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بإعادة بناء الهوية الوطنية والاستثمار في التنمية. ويستفيد السودان من هذه التجربة في إدراك أن السلام لا يتحقق بمجرد توقيع الاتفاقات، وإنما يحتاج إلى معالجة الجراح الاجتماعية، وإنصاف الضحايا، وبناء الثقة بين المجتمعات التي مزقتها الحرب.
وفي المقابل، تقدم تجربة اليمن مثالًا على المخاطر التي تهدد الحوارات الوطنية عندما تغيب البيئة الملائمة لتنفيذ مخرجاتها. فقد ضم الحوار اليمني معظم القوى السياسية، وناقش قضايا جوهرية تتعلق بالدستور وشكل الدولة وتقاسم السلطة، إلا أن استمرار انتشار السلاح، وضعف مؤسسات الدولة، وغياب الضمانات التنفيذية، والتدخلات الخارجية، أدت جميعها إلى انهيار العملية السياسية وعودة الحرب. ويحمل هذا النموذج رسالة واضحة للسودان مفادها أن الحوار لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار القتال، أو إذا لم تُنشأ آليات واضحة وملزمة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. كما تقدم تجربة أرض الصومال (Somaliland) درسًا مهمًا في بناء السلام من الداخل. فعقب انهيار الدولة الصومالية، لم تعتمد عملية الاستقرار على التدخل الخارجي، بل على سلسلة من المؤتمرات المحلية التي جمعت الزعماء التقليديين والسياسيين وممثلي المجتمعات المحلية. وأعطت الأولوية للمصالحة وإعادة بناء الثقة قبل بناء مؤسسات الحكم. وتؤكد هذه التجربة أن المجتمعات المحلية ليست مجرد متلقية للسلام، بل يمكن أن تكون شريكًا رئيسيًا في صناعته، وهو درس بالغ الأهمية في السودان بما يملكه من إرث غني للإدارة الأهلية وآليات الصلح المجتمعي.
إن القاسم المشترك بين التجارب الناجحة يتمثل في أن الحوار لم يكن غاية في حد ذاته، بل كان جزءًا من مشروع وطني شامل لإعادة تأسيس الدولة. فقد استند إلى الشمول، والاعتراف بالتنوع، والعدالة، وسيادة القانون، وإصلاح المؤسسات، وربط السلام بالتنمية الاقتصادية وتحسين حياة المواطنين. أما التجارب التي تعثرت فقد عانت من الإقصاء، أو غياب الثقة، أو ضعف الإرادة السياسية، أو غياب آليات التنفيذ، أو استمرار العمل العسكري بالتوازي مع العملية السياسية. وبالنسبة للسودان، فإن الاستفادة من هذه الخبرات تقتضي تصميم حوار سوداني–سوداني ينطلق من خصوصية المجتمع السوداني، ويجمع القوى السياسية، والحركات المسلحة، والإدارات الأهلية، والنساء، والشباب، والنازحين، واللاجئين، ومنظمات المجتمع المدني، بحيث يكون الهدف الأساسي هو إعادة بناء وتأسيس الدولة لا مجرد تشكيل حكومة جديدة. كما ينبغي أن يسبق الحوار وقفٌ شامل لإطلاق النار، وإجراءات لبناء الثقة، وتوفير ضمانات داخلية وإقليمية ودولية لتنفيذ مخرجاته، مع الاتفاق على المبادئ الدستورية الحاكمة، وإصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ووضع رؤية متفق عليها للتنمية المتوازنة وتقاسم السلطة والثروة.
إن الأزمة السودانية ليست الأولى من نوعها في العالم، لكنها تحمل خصوصيتها التاريخية والاجتماعية. ولهذا فإن نجاح الحوار لن يتحقق باستنساخ تجربة بعينها، وإنما بالاستفادة الذكية من التجارب المقارنة، واختيار ما يتوافق مع الواقع السوداني. فالدروس المستفادة من جنوب أفريقيا، وتونس، ورواندا، واليمن، وأرض الصومال تؤكد جميعها أن السلام المستدام لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالتسويات المؤقتة، وإنما بحوار وطني شامل يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، والعدالة، والشراكة، واحترام التنوع، لتصبح الدولة السودانية دولةً لجميع مواطنيها، لا ساحةً لصراع القوى المتنافسة.



