مقالات الرأي

لا حوار لإعادة إنتاج الماضي.. وقف الحرب أولًا ثم حوار سوداني–سوداني حقيقي

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)

إن دعوة عبد الفتاح البرهان إلى الحوار السوداني–السوداني، بصيغتها الحالية، مرفوضة؛ لأنها لا تقدم، في تقديري، مسارًا واضحًا وملزمًا لوقف الحرب وإنهائها، ولا تضع معالجة جذور الأزمة السودانية في مقدمة أولوياتها. وفي ظل استمرار الحرب واتساع دائرة المعاناة، لا يمكن أن يتحول الحوار إلى مجرد عنوان سياسي يُستخدم لإدارة الأزمة أو إعادة ترتيب مواقع السلطة والنفوذ.

فالحوار الذي يبدأ من مقاعد السلطة، بينما تستمر الحرب، لن يكون قادرًا على صناعة سلام حقيقي. والسودان لا يحتاج إلى تغيير أسماء الجالسين حول طاولة السلطة، ولا إلى إعادة تدوير القوى والنخب، وإنما يحتاج إلى معالجة الأسباب العميقة التي قادت إلى الحروب والانقسامات والتهميش والاستبداد.

إن رفض هذه الدعوة بصيغتها الحالية لا يعني رفض مبدأ الحوار السوداني–السوداني، وإنما يعني رفض حوار شكلي يُستخدم غطاءً لإعادة إنتاج الأزمة. فالحوار الحقيقي يجب أن يبدأ بوقف الحرب وإنهائها، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة المناخ السياسي والأمني الملائم لحوار وطني شامل.

كما أن شمول الحوار لا يعني فتح الباب أمام إعادة تدوير كل القوى السياسية دون معايير. فالحوار السوداني–السوداني المطلوب يجب أن يكون حوارًا وطنيًا شاملًا، باستثناء المؤتمر الوطني وواجهاته، حتى لا يتحول إلى بوابة لإعادة إنتاج الماضي أو تدوير منظومة الاستبداد.

فالحوار الوطني الحقيقي ليس مجرد جمع للأطراف حول طاولة واحدة، وإنما عملية سياسية تؤسس لمستقبل مختلف، وتضع مصلحة الشعب السوداني فوق مصالح النخب والقوى المتصارعة. ولذلك، فإن المشاركة في الحوار يجب أن تستند إلى معايير وطنية وسياسية واضحة، ترفض الإقصاء من جهة، وترفض في الوقت ذاته إعادة إنتاج الاستبداد من جهة أخرى.

ومن هنا، فإن السؤال الأساسي ليس: من سيجلس حول طاولة الحوار؟ وإنما: ما الذي سيضعه هذا الحوار على الطاولة؟ وهل ستكون الأولوية لإنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة، أم لإعادة ترتيب مقاعد السلطة وتقاسم النفوذ؟

ومن وجهة نظري، فإن الحوار السوداني–السوداني المطلوب يجب أن يكون حوارًا من أجل الوطن، لا من أجل السلطة؛ ومن أجل إنهاء الحرب، لا لإدارة الصراع؛ ومن أجل معالجة جذور الأزمة، لا لإعادة إنتاجها.

ويجب أن يتناول الحوار القضايا الجوهرية التي ظلت تنتج الأزمات، وفي مقدمتها شكل الدولة، وعلاقة المركز بالأقاليم، وتوزيع السلطة والثروة، والعدالة، والمواطنة المتساوية، والحقوق والحريات، وبناء دولة مدنية ديمقراطية.

إن أي حوار جاد لا ينبغي أن يتحول إلى صفقة سياسية بين النخب والقوى المتصارعة، ولا إلى وسيلة لتقاسم المناصب، وإنما إلى عملية وطنية تؤسس لعقد اجتماعي وسياسي جديد، يضع المواطن في مركز الدولة، ويضمن المساواة أمام القانون، ويمنع استخدام السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة.

ولذلك، فإن دعوة البرهان، بصيغتها الحالية، لا يمكن قبولها باعتبارها حلًا للأزمة ما لم تقترن بخطوات واضحة وجادة نحو وقف الحرب وإنهائها. فالدعوة التي لا تغيّر واقع الحرب، ولا تحمي المدنيين، ولا تفتح الطريق أمام معالجة جذور الأزمة، ستظل أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها.

السودان لا يحتاج إلى حوار يغيّر أسماء الجالسين على مقاعد السلطة، ولا إلى إعادة تدوير القوى القديمة، بل إلى حوار يغيّر قواعد اللعبة السياسية ويعيد تأسيس الدولة على أسس الحرية والعدالة والسلام والديمقراطية والمواطنة المتساوية.

المطلوب ليس حوارًا لإدارة الأزمة، بل حوارًا ينهيها؛ وليس حوارًا لتقاسم الكراسي، بل حوارًا لبناء السودان.

وقف الحرب أولًا، ثم حوار سوداني–سوداني حقيقي، باستثناء المؤتمر الوطني وواجهاته؛ حوار لا يعيد إنتاج الماضي، بل يفتح الطريق أمام بناء سودان جديد.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x