لغز ارتفاع أسعار النفط فور اندلاع الحرب مباشرة

بقلم: سيف ارباب
مهندس عمليات مصفاة ستانلو- شمال بريطانيا.
خلال اليومين الماضيين كان حديث المواطنين و تساؤلات بعض الأصدقاء و تحديداً في الدول الأوروبية عن سببب إرتفاع أسعار النفط على الرغم من وفرة النفط داخل محطات الوقود، فى هذا المقال سوف نوضح كيف يتم تسعير النفط فى المحطات.
عندما إندلعت الحرب الأخيرة في الخليج كانت المفأجاة الأولى للمستهلك في بريطانيا على سبيل المثال هي قفزة الأسعار في محطات الوقود المحلية ليس الغريب أن يرتفع النفط عالمياً ولكن الغريب والمربك هو ان ترى سعر اللتر يرتفع في المحطة التي تعبر منها يومياً على الرغم من أن الخزانات الأرضية مليئة والطلب لم يزد والبنزين موجود ، وهنا يتبادر فى الذهن سؤال كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ الإجابة تكمن في تحول قواعد التسعير من معادلة العرض والطلب إلى معادلة الخطر وتكلفة الاستبدال.
ما حدث يوم الأحد الذي شهد ذروة التصعيد لم يكن مجرد خبر عابر في نشرة الأخبار فاستهداف جزيرة (خرّج) الإيرانية التي تُصدر حوالي 90% من النفط الإيراني حمل رسالة واضحة للأسواق بان البنية التحتية للطاقة دخلت ضمن مناطق العمليات العسكرية.
وهذا التطور وحده كافي بتحويل قلق احتمال حدوث أزمة إلى يقين بحدوث تعطيل فعلي للإمدادات و لكن كيف تنتقل هذه الرسالة من مضيق هرمز إلى محطة BP أو Shell في لندن؟
اولاً: لابد ان نفهم ان النفط سلعة عالمية لا تعترف بالحدود و النفط ليس مثل الخبز أو الحليب سعره لا يحدد محلياً بل هو سلعة عالمية(Global Commodity) يتم تداولها في بورصات الطاقة بلغة واحدة هي سعر (خام برنت) الدولي لذلك عندما تغلق مضيق أو تقصف مصفاة يرتفع سعر برنت فوراً عالمياً.
ببساطة البرميل الذي كان يُشترى بـ 90 دولاراً يوم السبت قبل الحرب اصبح يباع بـ 105 دولار يوم الأحد يوم الحرب في كل انحاء العالم.
ثانيا: تكلفة الٕاستبدال لماذا لا يهمني سعر الأمس؟ و هنا يكمن السر الذي يغيب عن المستهلكين محطات الوقود لا تبيعك الوقود بسعر شرائه بل بسعر تكلفة استبداله (Replacement Cost).
لنفترض أن خزان المحطة ممتلئ بوقود اشترته الأسبوع الماضي بسعر 90 دولار للبرميل اليوم وبسبب الحرب أصبح سعر البرميل الجديد 105 دولار عندما تستهلك أنت اللتر من الخزان الحالي فإن المحطة تفرغ تدريجياً و لما ياتي موعد طلب شحنة جديدة سيتوجب عليها دفع السعر الجديد الأعلى.
لذلك تقوم الشركات فوراً برفع السعر إلى مستوى السعر الجديد و لو لم تفعل ذلك لخسر و هذا ما يعرف باَلية بقاء في سوق السلع.
ثالثا: أزمة فى الإمداد – التسعير لا يعتمد فقط على التوقعات بل على شح حقيقي و إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من الإمدادات العالمية لم يهدد فقط بل عطل فعلياً حركة الناقلات وكالة الطاقة الدولية قدرت انخفاض المعروض بمقدار 8 ملايين برميل يومياً مما اضطر دول الخليج نفسها لخفض الإنتاج لأن خزاناتها التخزينية إمتلأت بفعل توقف التصدير و هذا النقص الفعلي يضغط على السعر صعوداً.
رابعا: ارتفاع الدولار والتأمين – حتى لو توفر النفط فان وصوله إلى بريطانيا مثلا أصبح أكثر كلفة لان الحرب رفعت أقساط التأمين على ناقلات النفط في المنطقة والأهم ان الحرب ادت إلى ارتفاع الدولار عالمياً.
اذاً المستهلك محق في حيرته من غير المعقول أن تشتري سلعة بسعر مرتفع بينما المخزون المحلي منها موجود و لكن سوق الطاقة الحديث يخلق جداراً غير مرئي بين ما هو موجود فعلياً (المخزون) وما هو متوقع حدوثه (تكلفة الٕاستبدال).
الحرب لم تغلق حقول النفط البريطانية في بحر الشمال و لكنها أغلقت ممراً عالمياً وهددت بنية تحتية أساسية وهذا كاف لقلب موازين التكلفة في بلد يعتمد على إستيراد الطاقة في النهاية عندما تشتري ليتر بنزين في زمن الحرب أنت لا تدفع ثمن ما كان موجودا بل ثمن ما سيأتي وثمن الخطر القادم معه.



