لماذا تُقاوَم دولة المواطنة المتساوية في السودان؟

بقلم: د.كمال عبدالعزيز
ليست أزمة السودان في غياب الشعارات، بل في غياب الدولة نفسها. ففكرة دولة المواطنة المتساوية، رغم بساطتها القانونية وبداهتها الأخلاقية، تواجه رفضًا عنيفًا وممنهجًا منذ الاستقلال. هذا الرفض لا ينبع من خلاف فكري عابر، بل من بنية سلطة تشكّلت تاريخيًا على نقيض المواطنة، وترى في المساواة تهديدًا مباشرًا لوجودها.
قامت الدولة السودانية الحديثة على تركة استعمارية أُعيد إنتاجها وطنيًا دون تفكيكها. فبدل بناء عقد اجتماعي جامع يعترف بالتعدد العرقي والثقافي والديني، جرى فرض هوية أحادية قُدّمت بوصفها “الهوية الوطنية”. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الهوية إلى معيار للولاء والانتماء، بينما جرى تصنيف بقية المكونات بوصفها هامشًا يحتاج إلى الضبط أو الإخضاع لا إلى الشراكة. في هذا السياق، تصبح دولة المواطنة تهديدًا لبنية الدولة نفسها لا مجرد إصلاح لها.
تلعب الامتيازات غير المعلنة دورًا محوريًا في مقاومة المساواة. فجزء من النخبة السياسية والاجتماعية نشأ داخل منظومة تمنح فرصًا وسلطة وشرعية على أسس غير قانونية لكنها مستقرة عرفيًا. دولة المواطنة المتساوية تعني نهاية هذه الامتيازات، وتعني قبل ذلك فتح ملفات التاريخ: من احتكار السلطة والثروة، إلى الحروب، إلى الإقصاء المنهجي. لذلك تُواجَه الفكرة بالإنكار، أو بالتخوين، أو بالعنف.
كما استُخدم الدين والهوية الثقافية بوصفهما أدوات سياسية لا قيمًا جامعة. لم يكن الدين في التجربة السودانية إطارًا أخلاقيًا للعدل، بل غطاءً أيديولوجيًا لشرعنة التمييز والقمع. فالدولة التي تُعرّف نفسها دينيًا أو ثقافيًا على نحو إقصائي لا تستطيع قبول مبدأ أن المواطنين متساوون أمام القانون بغضّ النظر عن معتقداتهم أو أصولهم. من هنا، يُصوَّر مطلب المواطنة وكأنه حرب على الدين، بينما هو في حقيقته تحرير للدين من الاستغلال السياسي.
تُعمّق العقلية الأبوية السائدة هذه الأزمة. فالمواطن في الوعي السلطوي ليس شريكًا في الدولة، بل “رعية” تحتاج إلى التوجيه والضبط. أما الحاكم فيُقدَّم بوصفه وليّ أمر لا يُسأل. دولة المواطنة، في المقابل، تقوم على المحاسبة والمشاركة والشفافية، وهي مفاهيم تتناقض جذريًا مع ثقافة الحكم التي ترى في المساءلة تهديدًا وفي النقد تمردًا.
ولا يمكن تجاهل البعد النفسي للصراع. فهناك ما يمكن تسميته بـالعصاب الجمعي للنخبة، حيث يتغذى الشعور بالتمايز والتفوق على خوف دائم من الآخر المختلف. هذا الخوف يُنتج خطابًا عدائيًا، ويبرر العنف، ويحوّل الضحية إلى متهم. دولة المواطنة تُسقط هذا البناء النفسي لأنها تجرّد التفوق الوهمي من شرعيته، وتعيد تعريف القيمة على أساس الإنسان لا الجماعة.
حين تعجز النخبة الصفوية عن الاعتراف بالأزمة البنيوية، تلجأ إلى الحرب بوصفها بديلًا عن السياسة. فالعنف يصبح وسيلة لتأجيل الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وكيف نحكم؟ ولمن هذه الدولة؟ وهكذا تتحول المطالبة بالمواطنة إلى “تمرد”، وتُختزل العدالة في مؤامرة، وتُقدَّم الحرب باعتبارها ضرورة وطنية لا فشلًا سياسيًا.
في المحصلة، لا تُقاوَم دولة المواطنة المتساوية في السودان لأنها فكرة دخيلة أو غير واقعية، بل لأنها تكشف زيف الدولة القائمة، وتُهدد شبكة المصالح التي تأسست على الإقصاء. فقيام دولة المواطنة ليس خطرًا على السودان، بل خطر على من احتكروا تعريفه، وصادروا دولته، وحوّلوا تنوعه من مصدر غنى إلى ذريعة للدمار.
29 يناير 2026م



بأميز قيم المودة السامية أتقدم لكم جميعا بجزيل الشكر والإمتنان لهذه الجهود الإنسانية في المقام الأول بمعاييرها المختلفة عبركم أود الإبتهال والتشرف بمواقفكم
التى تنار المجتمعات بكل آلياتها الفكرية التي يسودها العقلانية لذا عبر تلك المرسم الأخلاقي أعبر مجددا عن إمتناني لهذه العقلية التي ساهم/ت بأفكارهم الممتزجة بسيادة عقلية واعية بإرادتها في الختام
تعآلت فخامة معاليك عبارات شكر من سوداني الجنسية