مقالات الرأي

لماذا نهرب من مصيرنا؟


بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن( مجنق)


يبدو الإنسان قويًا حين يتحدث عن الأمل، لكنه يصبح هشًا حين يواجه قدره. كثيرًا ما نتصور أن الهروب يمنحنا فرصة للنجاة، وأن تأجيل المواجهة يخفف الألم، لكن الحقيقة أن الهروب من المصير لا يغيّر شيئًا في جوهره، بل يطيل الطريق إليه ويجعلنا أكثر تعبًا وخوفًا.
لذلك يظل السؤال حاضرًا: لماذا نهرب من مصيرنا؟
في كثير من الأحيان، لا نهرب لأننا لا نفهم ما يحدث، بل لأننا نفهمه جيدًا ونخشى الاعتراف به. الإنسان بطبيعته لا يحب المواجهة عندما تكون النتائج مؤلمة أو غير مضمونة. قد يهرب من قرار مصيري، أو من علاقة انتهت في داخلها قبل أن تنتهي في ظاهرها، أو من واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط يجعل الاستمرار أصعب من التراجع.
ومع ذلك، فإن هذا الهروب لا يلغي الحقيقة، بل يؤجلها فقط.
الهروب من المصير قد يكون أحيانًا صورة من صور الدفاع النفسي. فالإنسان حين يشعر بالعجز، يبحث عن أي منفذ يخفف عنه ثقل الواقع.
قد ينكر المشكلة، أو يؤجل الحل، أو يختبئ خلف الأعذار، أو يقنع نفسه بأن الوقت لم يحن بعد. لكن هذه الوسائل، رغم أنها تبدو مريحة في البداية، تتحول مع الوقت إلى عبء أكبر، لأن المشكلة التي لم تُواجه اليوم ستعود غدًا بشكل أكثر قسوة.
وفي واقعنا المعاصر، أصبح الهروب من المصير أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كثيرون يهربون من الفشل لأنهم خافوا المحاولة، ويهربون من الحلم لأن الطريق إليه صعب، ويهربون من الحقيقة لأن الواقع لا يرحم.
بل إن بعض المجتمعات نفسها تمارس هذا الهروب بصورة جماعية، حين تتجنب الاعتراف بأزماتها الحقيقية وتكتفي بالشعارات والآمال المؤجلة. وعندما يغيب الصدق مع النفس، تصبح الأزمات أكبر من أن تُحتمل.
لكن السؤال الأهم ليس لماذا نهرب فقط، بل ماذا يحدث لنا حين نهرب طويلًا؟ الجواب بسيط ومؤلم في الوقت نفسه: نفقد قدرتنا على المواجهة. الهروب المستمر يضعف الإرادة، ويزرع الشك، ويجعل الإنسان يتعامل مع حياته كأنها شيء يحدث له لا شيء يصنعه بنفسه. وهنا تتحول الخسارة من حدث عابر إلى أسلوب حياة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن المصير يجب أن يُستقبل بالاستسلام. فالمواجهة لا تعني القسوة على النفس، ولا تعني تجاهل الخوف، بل تعني الاعتراف به ثم التحرك رغم وجوده. الإنسان لا ينتصر لأنه لا يخاف، بل لأنه يقرر أن يمضي رغم خوفه. وهذه هي اللحظة الفاصلة بين من يعيش حياته ومن يهرب منها.
إن أخطر ما في الهروب أنه يوهم صاحبه بالراحة. يظن الإنسان أنه ابتعد عن الألم، بينما هو في الحقيقة دخل في دائرة أعمق من القلق. أما المواجهة، رغم صعوبتها، فهي الطريق الوحيد الذي يمنح المعنى. لأن مواجهة المصير ليست دائمًا انتصارًا كاملًا، لكنها على الأقل تحفظ للإنسان كرامته، وتمنحه فرصة أن يكون شريكًا في قدره لا مجرد ضحية له.
في النهاية، لا أحد يستطيع الهرب من مصيره إلى الأبد.
قد نؤجل المواجهة، وقد نختبئ خلف الصمت، وقد نختلق ألف سبب لنبرر التأخير، لكن الحقيقة تبقى كما هي. الفرق الوحيد بين من ينهض ومن ينهار هو أن الأول اختار أن يواجه، بينما اختار الثاني أن يهرب. وربما تكون الشجاعة الحقيقية ليست في معرفة الطريق كله، بل في اتخاذ الخطوة الأولى نحوه.
إذا شئنا أن نعيش بصدق، فعلينا أن نتوقف عن الهروب من مصيرنا، وأن نتعلم كيف نواجهه بعقل هادئ وقلب ثابت. فالمصير لا يتغير بالخوف، بل بالشجاعة. ولا يُفهم بالإنكار، بل بالمواجهة.
وربما عند هذه النقطة فقط، يصبح الإنسان أكثر قربًا من ذاته وأكثر قدرة على صناعة معناه.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x