مقالات الرأي

لن ينهض وطنٌ ما دامت ولاءات أبنائه تتوزع بين القبيلة والوطن؛ فالأوطان لا تقوم إلا بوحدةالانتماء


بقلم : عبدالعزيز زكريا (الحلو)


وهل يمكن لسودان أن تتقدم في ظل الانتماءات الضيقة التي تهيمن على القرارات والمصالح العامة؟ إن الإجابة واضحة، فالقبلية ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل مرض اجتماعي ينهش وحدة الوطن ويضعف مؤسساته، ويقتل روح المواطنة، ويحوّل الولاء من الوطن إلى الانتماءات الجزئية، ويجعل المصلحة العامة رهينة الانقسام. حين تتغلغل القبلية في مفاصل الدولة، تتصدع كفاءة الأداء المؤسسي، ويضعف التكامل الاجتماعي، ويصبح التفكك الوطني وعجز التنمية واقعًا معاشًا. المسؤول الحقيقي هو من يضع ولاءه للوطن وحده، ويخضع للقانون، ويجعل العدالة فوق أي اعتبار جزئي. الدولة لا تُبنى بالمجاملات ولا بالتحالفات الضيقة، بل بالكفاءة والعدالة والمساواة، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز أو استثناء. الشباب هم أمل الوطن وسلاحه الحقيقي، عليهم أن يرفضوا الانقسامات، وأن يجعلوا الوطن فوق أي اعتبار جزئي، عليهم أن يزرعوا قيم المواطنة والعمل المشترك، وأن يواجهوا القبلية بالسلوك اليومي والوعي والرفض الحازم. فحين تسود الوحدة ويُحكم القانون بالعدالة، يضعف المرض الاجتماعي المسمى بالقبلية، ويصبح التنوع قوة والوطن جامعًا لا مفرّقًا. الحل يبدأ بترسيخ ثقافة المواطنة في التعليم والإعلام والخطاب العام، ليعي كل فرد أن الحقوق والواجبات تُستند إلى الانتماء للوطن وحده، وأن القانون هو المرجعية العليا. إصلاح المؤسسات العمومية وتعزيز الشفافية والمحاسبة وتقليص المحسوبية، أدوات حاسمة لبناء دولة قوية. سودان تحتاج إلى وعي شعبي وإرادة سياسية صادقة، المستقبل يقوم على تجاوز الانتماءات الجزئية وتعزيز الولاء للوطن وحده. القوة الحقيقية تكمن في الوحدة والمواطنة، والقانون فوق كل اعتبار. فلنجعل ولاءنا للوطن قبل كل قبيلة، وكل انتماء، وكل مصلحة شخصية. النهضة تبدأ بالوحدة والعمل المشترك، والإيمان بأن السودان للجميع.
لكن هذا الطرح، رغم صحته المركزية، يحتاج إلى تفكيك أعمق لفهم كيفية تحول هذا “التقليد الاجتماعي” إلى “مرض” يعطل مسارات النهضة. إن جذور الإشكالية في السودان تعود إلى قرون، حيث شكلت القبيلة الإطار الأساسي للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي في فترات ما قبل الدولة الحديثة، مقدمةً الحماية والهوية. ومع تشكيل الدولة السودانية الحديثة، لم تتراجع هذه البنى بل تحولت إلى أيديولوجيا سياسية تُستخدم للوصول إلى السلطة والموارد، مما خلق ازدواجية ولاءٍ مزمنة عند الفرد بين قبيلته التي توفر له شبكة الأمان، ووطنه الذي يطالبه بالولاء المطلق. هذه الازدواجية لا تعني إنكار التنوع الثري للسودان، فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة، لكن المشكلة تكمن عندما يتحول هذا التنوع إلى انقسام، وعندما تصبح الهوية الجزئية مغلقة ومعادية للآخر، فتبقى الهوية الوطنية هشة، ويظل المواطن ينظر إلى نفسه كعضو في قبيلة أولاً، ثم ربما كسوداني.
هذا التحول في الأولوية له تجلياته المدمرة على مؤسسات الدولة. فأول ضحايا العقلية القبلية هو مبدأ الكفاءة، حيث تصبح المحسوبية هي المعيار الخفي في التعيينات والترقيات، مما يقوض شرعية المؤسسات في أعين المواطنين الذين يرونها إقطاعيات لقبائل معينة. في القضاء، تهدد القبلية سيادة القانون عندما يتأثر الحكم بضغوط قبلية. وفي الاقتصاد، يخلق “اقتصاد المحسوبية” نظامًا ريعيًا طفيليًا يعتمد على الامتيازات وليس على الإنتاجية والابتكار، مما يهدر الطاقات ويوسع الفجوات ويغذي بدوره شعور التهميش الذي يدفع الناس نحو التمسك بالهويات الجزئية كملاذ أخير. وهكذا تدور الحلقة المفرغة: الفساد المؤسسي الناتج عن المحسوبية يولد ظلمًا اقتصاديًّا، وهذا الظلم يقوي النزعات الانعزالية، التي بدورها تُستخدم لتبرير مزيد من المحسوبية والفساد.
على المستوى الاجتماعي، يقود هذا الواقع إلى تآكل التضامن الوطني واستبداله بتضامنات جزئية، فيصبح المجتمع مجموعة من الجزر المنعزلة التي تتعايش بشكل هش. ينتقل التعصب القبلي بين الأجيال عبر الأسرة والمحيط الاجتماعي، وقد تتحول خلافات بسيطة في الأحياء المختلطة إلى نزعات قبلية. والأخطر هو إعاقة التنمية البشرية، فثقافة الاستحقاق تموت عندما يعلم الشباب أن فرصهم مرتبطة بانتمائهم وليس بكفاءتهم، مما يخلق جيلًا محبطًا ويهدر رأس المال البشري للوطن بصورتين: إهمال كفاءات حقيقية، وترقية كفاءات واهية، وكلاهما يعود سببه إلى الانتماء لا الجدارة.
في هذا المشهد، يقع على عاتق الشباب عبء تاريخي وفرصة عظيمة. فهم إما أن يكونوا قوة تغيير إيجابي تعمل لتجاوز الانقسامات، أو أن يتم تجنيدهم كأدوات في صراعات قبلية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لتحويلهم من طاقة بناء إلى وقود تدمير. المهمة هي بناء هوية وطنية جديدة تتجاوز الضيق دون أن تنكر التنوع، من خلال وعي نقدي وشجاعة في مواجهة الخطابات الانقسامية والتزام يومي بقيم المواطنة. على الشباب قيادة حركة ثقافية واجتماعية تعيد تعريف الهوية السودانية على أساس القيم المشتركة والمصير المشترك، والمشاركة في بناء تحالفات تعتمد على الأفكار لا الانتماءات، وتأسيس منظمات مجتمع مدني تعزز التعددية.
غير أن مواجهة القبلية لا تتم بالخطابات الأخلاقية وحدها، بل تتطلب استراتيجيات شاملة تبدأ ببناء دولة مؤسسات قوية تقوم على سيادة القانون والمساواة. وهذا حجر الزاوية الذي لا غنى عنه. يتطلب ذلك إصلاحًا جذريًا للجهاز الإداري يعتمد المعايير الموضوعية والشفافة، وإنشاء آليات رقابية مستقلة لمكافحة الفساد والمحسوبية. كما يتطلب إصلاحًا حقيقياً للنظام القضائي لضمان استقلاليته، وللنظام الانتخابي لضمان تمثيل المواطنين على أساس البرامج وليس الانتماءات. وبموازاة ذلك، يجب أن يكون التعليم هو المصنع الحقيقي للمواطنين، عبر مراجعة المناهج لتعزيز قيم المواطنة والتسامح، وتصحيح الصور النمطية، وتقديم تاريخ السودان بتنوعه بشكل موضوعي. كما أن تعزيز التعليم المختلط الذي يجمع أبناء المناطق والقبائل المختلفة يخلق فرصًا للتعارف والتفاعل الإيجابي، وهي هندسة اجتماعية إيجابية تبني الجسور بدل الأسوار.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام المحوري، فهو إما أن يكون أداة لتعميق الانقسامات عبر الخطاب القبلي والصور النمطية، أو جسرًا للتوحيد عبر تبني خطاب وطني شامل ومسؤول. وهذا يتطلب تطوير سياسة إعلامية وطنية تعزز قيم المواطنة والمسؤولية الاجتماعية. ويمكن الاستفادة من تجارب دول العالم التي عانت من انقسامات عميقة، فتجربة ماليزيا في بناء نموذج تعايش على أساس المواطنة مع الاعتراف بالخصوصيات، وتجربة رواندا في بناء هوية وطنية موحدة بعد المأساة، تقدمان دروسًا في أهمية السياسات المتكاملة والعدالة. وفي المقابل، تحذرنا تجربة لبنان من مخاطر تأسيس النظام السياسي على الانتماءات الطائفية، مما يجعل الدولة رهينة لتوازنات هشة. الدروس المستفادة تؤكد أن بناء الهوية الوطنية عملية طويلة ومتعمدة، تقوم على العدالة والمساواة كأساس متين، وأن للمصالحة الوطنية الحقيقية متطلباتها من الاعتراف بجروح الماضي ومعالجتها، وأن دور النخب السياسية حاسم في كونها جسرًا للتوحيد أو حاجزًا للتقسيم.
السودان الذي نريده، في الختام، ليس سودانًا خاليًا من التنوع، بل سودانًا يتحول فيه هذا التنوع من لعنة تقسيم إلى نعمة إثراء. سودانًا تكون الهوية الوطنية فيه جامعة شاملة تتسع للجميع دون إلغاء الخصوصيات. سودانًا تكون فيه الولاءات الجزئية جزءاً من نسيج ثقافي غني وليست بديلاً عن الوطن. الطريق إلى هذا السودان يبدأ بوعي كل مواطن ومواطنة بأن الوطن ليس تركة ننتمي إليها بالوراثة فقط، بل مشروع نبنيه بالاختيار والإرادة اليومية. النهضة تبدأ بالوحدة في التنوع، وبالعمل المشترك، وبالإيمان الراسخ بأن السودان للجمين. وهذا يتطلب شجاعة في نقد الذات، وجرأة في تغيير أنماط التفكير والسلوك، والتزاماً يومياً بقيم المواطنة الفاعلة. فلنعمل معًا، كل من موقعه، لبناء سودان القانون والعدالة، سودان الكفاءة والمساواة، سودان المواطنة والانتماء الوطني فوق كل اعتبار، لأن المستقبل لا يُبنى بالانتماءات الضيقة بل بالرؤى الواسعة، ولا بالولاءات المتجزئة بل بالالتزام بالمصلحة العامة. وهذه مسؤولية كل سوداني وسودانية يؤمنون بأن وطنًا أفضل ممكن، وأن غدًا أفضل آتٍ لا محالة.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x