مؤتمر برلين: هل يأتي بالجديد أم يُضاف إلى قائمة التوصيات التي تذروها رياح التنفيذ؟

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
قبل أقل من أسبوع، وتحديداً في الرابع عشر من أبريل 2026م، انطلقت في العاصمة الألمانية برلين أعمال “المؤتمر رفيع المستوى بشأن السودان”، بمشاركة دولية واسعة شملت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحكومات عدة، إضافة إلى منظمات إقليمية ودولية وهيئات إنسانية. يأتي هذا المؤتمر بعد ثلاثة أعوام كاملة من اندلاع الحرب المدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي جعلت السودان “أكبر أزمة جوع ونزوح وحماية في العالم”، وفق تعبير مسؤولي الأمم المتحدة. فمنذ منتصف أبريل 2023م، دفع السودانيين ثمناً باهظاً لهذه الحرب، حيث تجاوز عدد النازحين واللاجئين أحد عشر مليون شخص، واستشهد عشرات الآلاف، وانهارت البنية التحتية للدولة بالكامل، وتوقفت الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء في مناطق شاسعة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على السودانيين والمراقبين والخبراء على حد سواء: هل سيكون مؤتمر برلين مختلفاً جذرياً عن سابقيه من المؤتمرات التي رعاها المجتمع الدولي للسودان على مدى عقدين من الزمن؟ أم سيكون محض إضافة جديدة إلى سلسلة طويلة ومملة من “التوصيات اللامعة والبراقة والرنانة التي تذروها رياح التنفيذ العثراء”؟ هذا المقال هو محاولة متواضعة لنقد علمي موضوعي لتجربة المؤتمرات الدولية الخاصة بالسودان، واستشراف مصير المؤتمر الجديد في ضوء تراكمات الماضي القريب والبعيد، مع الاعتماد على أدلة وأرقام ودراسات نقدية حديثة.
لم تكن تجربة السودان مع المؤتمرات الدولية وليدة اليوم أو نتاج الحرب الحالية فقط. فتاريخ السودان الحديث حافل بالمؤتمرات الدولية التي عُقدت تحت عناوين مختلفة: مؤتمرات مانحين، مؤتمرات سلام، مؤتمرات إعادة إعمار، مؤتمرات دعم الانتقال الديمقراطي. قبل أكثر من عقدين، وتحديداً في أعقاب توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام عام 2005م بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، عُقد مؤتمر أوسلو الدولي الذي رُفعت فيه آمال كبيرة جداً على أن السلام سيتبععه تدفق المساعدات وإعادة الإعمار. لكن سرعان ما تحطمت تلك الآمال على صخرة ضعف التنفيذ وعدم تطابق الوعود مع الاحتياجات الفعلية على الأرض. ثم توالت المحاولات الدولية بإيقاع متسارع: مؤتمر باريس، مؤتمر المانحين في الدوحة، مؤتمر الكويت لإعادة إعمار السودان، وصولاً إلى مؤتمر شراكة السودان في برلين عام 2020م، الذي كان يُنظر إليه باعتباره “نقطة تحول” محتملة وفرصة تاريخية لدعم الانتقال الديمقراطي الهش الذي أعقب سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019م. في مؤتمر برلين 2020م، أعلن المانحون الدوليون عن تعهدات مالية ضخمة بلغت 1.8 مليار دولار أمريكي، وهو رقم بدا كبيراً ومبشراً في حينه. لكن التحليل الموضوعي والمدقق لهذه التعهدات، والذي أجراه خبراء اقتصاد دوليون ومؤسسات بحثية مستقلة، أظهر ما يمكن تسميته ب”الرياضيات الغامضة” أو “الأرقام المرنة”. حيث تبيّن أن جزءاً كبيراً جداً من هذه “التعهدات الجديدة” لم تكن سوى إعادة توجيه أو إعادة تسمية لمساعدات كانت مقررة أصلاً في موازنات المانحين، أو أنها جاءت على شكل قروض وليس منحاً، مما يعني إضافة أعباء دين جديدة على اقتصاد سوداني منهك أصلاً، أو أنها رُبطت بشروط سياسية واقتصادية تعجيزية كان من المستحيل تحقيقها في ظل انتقال سياسي هش ومؤسسات دولة شبه مشلولة. وهكذا تحولت النشوة الأولية التي صاحبت المؤتمر إلى إحباط كبير بعد أشهر قليلة، عندما بدت حقيقة الأرقام واضحة للعيان.
المشكلة الجوهرية في هذا السياق لم تكن أبداً في نوايا المجتمع الدولي، التي قد تكون حسنة النية في بعض جوانبها، أو حتى في حجم التعهدات العلنية التي تُعلن في لحظات احتفالية أمام الكاميرات. بل المشكلة الحقيقية والثابتة تكمن في الفجوة السحيقة والمرعبة بين الخطاب السياسي الرنان والتنفيذ الفعلي على الأرض. هناك إجماع واسع بين الخبراء الاقتصاديين والباحثين في مجال المساعدات الإنسانية والتنموية على أن “النسبة المئوية للتنفيذ الفعلي لتعهدات المجتمع الدولي خلال مؤتمرات المانحين للسودان على وجه الخصوص، وفي جميع المساعدات المقدمة للدول النامية التي تشهد نزاعات على وجه العموم، بالكاد تتجاوز 30 إلى 40 في المائة في أفضل الظروف وأكثرها مثالية”. وهذا الرقم ليس من باب التشاؤم الذاتي أو المزاج السوداني المعروف بالقلق، بقدر ما هو قراءة باردة وموضوعية ومدعومة بالأدلة لواقع مؤتمر جنيف الإنساني الذي عُقد بعد شهرين فقط من اندلاع الحرب الحالية، وتحديداً في يونيو 2023م. في ذلك المؤتمر الطارئ، تعهد المانحون الدوليون مجدداً بتقديم مبلغ وقدره 1.5 مليار دولار لمعالجة الكارثة الإنسانية المتنامية بسرعة. لكن المنظمات الإنسانية الكبرى، مثل منظمة “ميرسي كوربس” وغيرها من هيئات الإغاثة العاملة في الخطوط الأمامية، وصفت هذا المبلغ فور الإعلان عنه بأنه “نكسة شديدة” و”خيبة أمل كبرى”، وذلك لسبب بسيط وقاتل في آن معاً: هذا المبلغ الضخم شكلاً لم يغطِ حتى نصف الاحتياجات الإنسانية المعلنة والمُوَثَّقة رسمياً من قبل الأمم المتحدة نفسها، والتي كانت تتجاوز آنذاك ثلاثة مليارات دولار. والأكثر إيلاماً من نقص المبلغ، أن جزءاً كبيراً من هذا المبلغ الأقل من النصف لم يُصرف بالكامل أو لم يصل في الوقت المناسب، بسبب تعقيدات إجراءات الصرف، وانعدام الأمن في مناطق واسعة، وغياب شريك موثوق على الأرض يمكنه تنفيذ البرامج دون مخاطر.
هذه الفجوة المدمرة بين التعهد والصرف لا ترجع فقط إلى البيروقراطية الدولية المفرطة أو إلى ما يُسمى ب”تعب المانحين” بسبب تعدد الحروب والأزمات الدولية في أوكرانيا وغزة ومناطق أخرى، بل تعكس أيضاً خللاً بنيوياً عميقاً وأساسياً في فلسفة التدخل الإنساني والتنموي الدولي برمتها. هذا الخلل يجعل المؤتمرات أشبه بمسرحيات سياسية تهدف إلى تهدئة الرأي العام الدولي وإظهار الحراك الدولي، دون أن تترجم إلى تغيير حقيقي في حياة الملايين من البشر الذين يعانون على الأرض. لفهم هذا الخلل بشكل أعمق، لا بد من الغوص في التحليل البنيوي للعلاقة المشوهة بين “النظام الإنساني العالمي” من جهة، والدولة السودانية والمجتمع السوداني من جهة أخرى. تشير الأبحاث الأكاديمية الحديثة، التي نُشرت في دوريات علمية محكمة خلال العامين الماضيين فقط، إلى ثلاث إشكاليات رئيسية ومترابطة يمكن اعتبارها “المثلث المأساوي” لفشل المؤتمرات الدولية. الإشكالية الأولى هي نقص التمويل المزمن والمستمر، وعدم قدرة المنظمات الإنسانية على الاختيار بين المستحقين. في بلد يعاني فيه أكثر من 25 مليون شخص من الجوع الحاد والمجاعة المعلنة في عدة مناطق، تواجه المنظمات الدولية معضلة أخلاقية وإنسانية حقيقية في اختيار من يستحق المساعدة ومن لا يستحقها. هذا النقص الحاد والمستمر في التمويل، والذي يتجسد بوضوح في الفارق بين ما يُتعهد به في مؤتمر وما يُطلب فعلاً، لا يؤدي فقط إلى تفاقم المعاناة الإنسانية بشكل هائل، بل يخلق أيضاً توترات اجتماعية خطيرة داخل المجتمعات المحلية حول معايير استحقاق المساعدة. فحين تصل مساعدات قليلة إلى منطقة ما، وتُوزع بمعايير قد لا تكون شفافة أو عادلة بما فيه الكفاية، تنشأ صراعات واتهامات بالفساد والمحسوبية، مما يضعف التماسك الاجتماعي بدلاً من تقويته، ويغذي مشاعر الإحباط والغضب تجاه المجتمع الدولي ومنظماته.
الإشكالية البنيوية الثانية، وربما الأكثر خطورة على المدى البعيد، هي الغياب شبه التام للاستثمار طويل الأجل في القدرات والمؤسسات المحلية. تُصر المنظمات الدولية الكبرى، بدافع من إجراءاتها الداخلية وخوفها من المخاطر والفساد، على العمل حصراً عبر وكلائها الكبار من منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الضخمة، متجاهلة بشكل ممنهج “اللجان الشعبية” و”غرف الطوارئ” التي أثبتت، وبجدارة وإخلاص وتفان لا يوصف، أنها الفاعل الأكثر كفاءة ونزاهة وقدرة على الوصول في أحلك الظروف وأخطرها. هذه الغرف واللجان، التي يقودها شباب ونساء سودانيين، هم أنفسهم الذين قادوا ثورة ديسمبر 2019م المجيدة ضد نظام البشير، تم تهميشهم وتجريمهم بل وقصف مقارهم من قبل الأطراف المتقاتلة من الجيش والدعم السريع على السواء، لأنهم يمثلون صوت المجتمع المدني المستقل والقادر على التنظيم. لكن المجتمع الدولي، بحسابات البيروقراطية والمساءلة الخاصة به، لم يقدم لهذه الغرف دعماً مالياً أو لوجستياً يذكر، واكتفى بخطابات الإشادة والشكر التي لا تملأ بطون الجياع ولا تحمي الأطفال من القناصة. هذه المفارقة الصارخة بين خطاب “تمكين المجتمع المدني” وواقع تمويله وتدعيمه هي جوهر الأزمة.
الإشكالية الثالثة هي شلل التنسيق المستوطن وعدم القدرة على التكيف مع صدمات السياق المتغيرة بسرعة. أظهرت دراسة ميدانية معمقة حول قطاع الصحة في السودان، أجرتها إحدى الجامعات الأوروبية بالتعاون مع باحثين سودانيين، أن آليات التنسيق التقليدية مثل “منتدى شركاء قطاع الصحة” تعاني بشكل مزمن من ضعف المشاركة الفعلية من قبل الأطراف السودانية المحلية، وتفتت واضح في التنسيق بين الوكالات الدولية المختلفة، خاصة على مستوى الولايات والأقاليم البعيدة عن العاصمة. والأخطر من كل ذلك، أن “الديناميكيات السياسية المتقلبة تؤثر بشدة وبشكل مباشر على تنفيذ حتى أنجح مبادئ فعالية المساعدات”. فبعد انقلاب أكتوبر 2021م، الذي أنهى الشراكة المدنية العسكرية الهشة، تبنى المانحون الغربيون سياسة رسمية أطلقوا عليها اسم “عدم الاتصال” بالحكومة الفعلية التي يقودها العسكر، وحاولوا التعامل مباشرة مع منظمات المجتمع المدني وحدها، متجاوزين أي تمثيل حكومي. لكن هذه السياسة، التي بدت نيّرة في نظرها، تحولت إلى كابوس تنفيذي، لأنهم قاموا بذلك دون بناء قدرات تلك المنظمات الأهلية مسبقاً، ودون توفير التمويل الكافي أو المستدام أو المرن لها، ودون توفير آليات حماية لها من بطش السلطات العسكرية والأمنية. النتيجة كانت حالة من الفوضى التنظيمية، وتضارب الولايات، وتبديد الفرص الثمينة، بل وصول بعض المساعدات إلى أيدي جهات مسلحة أو وسطاء فاسدين بسبب غياب آلية تنسيق حكومية جامعة.
كشفت دراسات نقدية حديثة للغاية، نُشرت في النصف الأول من عام 2026م فقط، عن مفارقة مأساوية أخرى فيما يسمى ب”سياسات التوطين” التي تتبناها الوكالات الدولية الكبرى. فبينما يتبنى المجتمع الدولي خطاباً رناناً وبراقاً حول دعم القيادة المحلية و”توطين” المساعدات ونقل السلطة إلى الفاعلين الوطنيين، فإنه في الممارسة العملية يفرض عليهم “بنية امتثال” معقدة ومكلفة وشبه مستحيلة التحقيق في سياق الحرب. هذه البنية تتضمن إجراءات تحقيق أمني مشددة، ومتطلبات شفافية مفرطة قد تعرض حياة النشطاء للخطر، ومعايير موحدة ومطبوعة لا تراعي خصوصية كل سياق. هذه الظاهرة تُعرف في الأدبيات الأكاديمية باسم “مفارقة التدقيق” أو Audit Paradox. في سياق الحرب في السودان، حيث السيادة الوطنية مجزأة بين طرفين مسلحين يترصد كل منهما بالآخر وبكل من يتعاون مع الخارج، وحيث المراقبة الأمنية والاستخباراتية مكثفة وشديدة الخطورة، فإن مطالب “الرؤية” و”الشفافية” و”التوثيق الدقيق” هذه تتحول من أداة رقابية إلى “عنف” حقيقي وإضافي ضد الناشطين المحليين. بكل بساطة ووضوح، المتطلبات الشكلية الصارمة للجهات المانحة، والتي تهدف نظرياً إلى مكافحة الفساد وضمان وصول المساعدات لمستحقيها، غالباً ما تكون غير مناسبة تماماً لسياقات النزاع المسلح والعنف الميداني، وتؤدي بشكل منهجي إلى إقصاء وتهميش الفاعلين المحليين الأكثر كفاءة والأقل بيروقراطية، وفي نفس الوقت تُحمّل كل المخاطر الأمنية والقانونية لمن هم في أسفل الهرم التنظيمي، أي النشطاء المحليين الذين يدفعون الثمن الأغلى من حياتهم وحريتهم.
عندما ننظر إلى التاريخ الطويل والمتعب لهذه المؤتمرات، لا يمكننا أن نغفل عن مؤتمر المانحين الذي عُقد في الدوحة عام 2013م، والذي كان يهدف إلى دعم السلام في دارفور بعد سنوات من الصراع المدمّر. خرج المؤتمر بتعهدات ضخمة تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، لكن نسبة التنفيذ الفعلية لم تتجاوز 20 في المائة على مدى السنوات الخمس التالية، وذهبت غالبية المبالغ المنصرفة فعلاً إلى رواتب الخبراء الأجانب والاستشاريين وتكاليف التشغيل الباهظة للوكالات الدولية، بينما وصل القليل جداً إلى المتضررين الفعليين في المخيمات والمناطق الريفية النائية. ثم جاء مؤتمر باريس عام 2018م، الذي عُقد في ذروة احتجاجات الخبز ضد نظام البشير، وكان خطابه منصّباً على “دعم الإصلاحات الاقتصادية”، لكنه لم يقدم سوى قروض مشروطة بسياسات تقشفية صارمة، مما فاقم معاناة المواطنين بدلاً من تخفيفها، وساهم في انفجار الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالنظام بعد عام واحد فقط. هذه الأمثلة ليست مجرد حوادث معزولة، بل هي نمط متكرر وثابت يُظهر أن المؤتمرات الدولية للسودان تتبع سيناريو شبه موحد: بداية بتصريحات متفائلة وعناوين عريضة، ثم تعهدات مالية تُعلن بحفاوة، ثم بطء شديد في الصرف، ثم شروط وقيود تغير مسار الأموال أو تحولها إلى قروض، ثم اختفاء الأموال في ثنايا البيروقراطية وتكاليف التشغيل، ثم نسيان تدريجي للموضوع، ثم انتظار المؤتمر التالي لتكرار الحلقة المفرغة نفسها.
بناءً على هذا التحليل العلمي والتاريخي الموضوعي، وبالنظر إلى الأدلة المتاحة والتجارب المتراكمة على مدى عقدين من الزمن، يمكن القول بثقة إن تشاؤم السودانيين الحقيقيين من مؤتمر برلين 2026م ليس تشاؤماً ذاتياً نابعاً من طبيعة الشخصية السودانية أو من مزاج شعبي متعكر، بل هو استقراء موضوعي وعلمي دقيق لتجارب مريرة ومكلفة جداً في الدماء والدموع والجوع والنزوح. هذا الاستقراء يضع السودانيين وأصدقاءهم من الباحثين الجادين أمام حقيقة قاسية: فما لم يخرج مؤتمر برلين بشكل جذري وكامل عن النمط التقليدي السائد في جميع المؤتمرات السابقة، فإنه مرشح وبقوة لأن يكون مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الإخفاقات المتشابهة. سيكون مؤتمراً خطابياً رفيع المستوى فقط، بمشاركة وزراء ومسؤولين كبار، وصور تذكارية ومؤتمرات صحفية مبهرجة. ستكون تعهداته المالية معاد تدويرها من موازنات قديمة أو مشروطة بشروط سياسية تعجيزية يصعب أو يستحيل تحقيقها في خضم حرب ضروس. سيكون تنظيمه وإدارته متمركزين حول الوكالات الدولية الكبرى والمانحين التقليديين، دون إشراك فعلي أو جوهري للجان المقاومة وغرف الطوارئ والمجتمع المدني المستقل، الذي يمثل النسيج الحقيقي والوحيد القادر على الفعل الإيجابي في السودان اليوم. وسيكون تركيزه منصباً بشكل شبه حصري على “الإغاثة الطارئة” قصيرة الأجل، بدلاً من بناء سلام دائم وحماية فعالة للمدنيين وبدائل سياسية جادة، وهي التي تمثل الأساس الحقيقي لأي تنمية أو إعمار حقيقي ومستدام.
لكي يكون مؤتمر برلين مختلفاً حقاً وجديراً باسمه، ويتجاوز مجرد كونه واقعة إعلامية عابرة، يجب أن يعترف المجتمع الدولي مجتمع المانحين والمنظمات الدولية، صراحة وعلانية ودون مواربة، بفشل نموذجه التقليدي السابق وبطلان مفاهيمه القديمة. وهذا الاعتراف ليس مجرد كمال أخلاقي، بل هو شرط ضروري لأي تغيير حقيقي. يجب أن ينتقل هذا المجتمع الدولي من منطق “المؤتمرات الباذخة والمكلفة والاحتفالية” إلى منطق “الشراكة الحقيقية المتواضعة والفعالة” مع السودانيين. وهذا الانتقال يعني مراجعة جذرية وكاملة لإدارة المخاطر، بحيث لا يُعاد تحميل الفاعلين المحليين وحدهم بكل المخاطر الأمنية والقانونية، بينما تحتفظ الوكالات الدولية بامتيازات الحصانة والسلامة. وهذا يعني الانتقال الجريء والعملي من ثقافة “المراقبة والجزاء والتفتيش” التي تعكس عدم ثقة مسبق، إلى ثقافة “الثقة المبنية على الأدلة والدعم طويل الأجل غير المشروط” التي تتيح للمحليين فرصة حقيقية لاستخدام أموال المساعدات بالطريقة التي يرونها مناسبة لسياقهم، دون الخضوع لتدقيق مكلف وخطير. عندها فقط، وليس قبل ذلك، يمكن للمؤتمر أن يحدث فرقاً حقيقياً. أما إذا استمر الحال على ما هو عليه، فسيُضاف مؤتمر برلين إلى القائمة الطويلة من المؤتمرات التي تبدأ ببذخ وتنتهي بإحباط. فالسودان اليوم، بعد ثلاث سنوات من حرب لم تشهد لها المنطقة مثيلاً في وحشيتها وتدميرها، لا يحتاج إلى مزيد من “التوصيات اللامعة” على منصات الفنادق الكبرى في برلين أو غيرها من العواصم البعيدة. ما يحتاجه السودان الآن وبشكل عاجل هو وقف فوري وشامل ودائم للحرب، وآلية دولية وإقليمية فعالة وجادة لحماية المدنيين العزل من القصف والتجويع والاغتصاب، وتدفق تمويل سريع ومرن وغير مشروط وبسيط الإجراءات إلى أولئك الذين يمسكون حرفياً بخيوط الحياة على الأرض في أصعب الظروف، وهم السودانيون أنفسهم، شباباً ونساءً وشيوخاً، في لجان المقاومة وغرف الطوارئ والمبادرات الشعبية. هؤلاء هم الأمل الحقيقي، وهؤلاء هم من يستحقون الثقة والدعم، وليس الخطابات الرنانة أو المؤتمرات البراقة التي تتكرر كل بضع سنوات وكأنها طقس ديني لا معنى له.
بتاريخ15أبريل2026م



