مقالات الرأي

مؤتمر برلين والسودان بين ألم الواقع وأفق الدولة الممكنة

بقلم: د.كمال عبدالعزيز

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى مأساة إنسانية عميقة تمزّق نسيج المجتمع وتستنزف ما تبقى من مقومات الدولة. في كل يوم، تتسع دائرة المعاناة: أسرٌ تفقد الأمان، مدنٌ تُفرغ من سكانها، وأجيالٌ تُدفع نحو المجهول بلا تعليم ولا استقرار. لم تعد الأرقام قادرة على وصف حجم الألم، لأن ما يجري يتجاوز الإحصاء إلى تحطيم المعنى نفسه للحياة الكريمة.

وسط هذا المشهد القاتم، يأتي الحديث عن مؤتمر برلين كنافذة أمل، ولو ضيقة. ليس لأن المؤتمرات في حد ذاتها تصنع السلام، بل لأنها قد تفتح بابًا لإرادة سياسية جديدة، إذا ما صدقت النوايا وتوفرت الشجاعة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى بيانات إضافية بقدر ما يحتاج إلى قرار حاسم بوقف الحرب فورًا، واعتبار حياة الإنسان أولوية لا تقبل المساومة أو التأجيل.

إن وقف الحرب ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية عاجلة. فاستمرار القتال يعني ببساطة تعميق الانهيار، وتحويل الأزمة إلى واقع دائم يصعب الخروج منه. كل يوم إضافي من الحرب يخلق جراحًا أعمق، ويزيد من تعقيد أي تسوية مستقبلية. لذلك، فإن أول اختبار حقيقي لأي جهد دولي أو إقليمي هو قدرته على فرض وقف إطلاق نار شامل ومستدام، لا يُستخدم كهدنة مؤقتة لإعادة ترتيب أدوات الحرب.

لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إيقاف الحرب، بل في ما بعدها. فالسودان لا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه قبل الصراع، لأن جذور الأزمة أعمق من مجرد نزاع عسكري. إنها أزمة دولة، تشكّلت عبر عقود من الإقصاء، وعدم المساواة، وغياب العدالة. ولذلك، فإن أي مسار جاد نحو السلام يجب أن يترافق مع مشروع واضح لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

الدولة المنشودة هي دولة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، حيث لا يكون الانتماء القبلي أو الجهوي أو الديني أساسًا للحقوق أو الامتيازات. دولة يشعر فيها كل فرد أنه متساوٍ أمام القانون، وأن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع. هذا التحول ليس سهلًا، لكنه شرط أساسي لإنهاء دوامة الصراعات التي غذّاها الاقصاء وعدم العدالة.

وفي قلب هذا المشروع، يأتي حكم سيادة القانون كركيزة لا غنى عنها. فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل غياب العدالة، أو في وجود مؤسسات ضعيفة تخضع لموازين القوة بدلًا من قواعد القانون. سيادة القانون تعني أن لا أحد فوق المساءلة، وأن الحقوق تُحمى بالقضاء، لا بالسلاح، وأن الدولة تُدار بالمؤسسات، لا بالأشخاص.

إن الطريق إلى هذا النموذج من الدولة طويل ومعقّد، لكنه ليس مستحيلًا. يبدأ بوقف الحرب، ويمر بحوار شامل لا يُقصي أحدًا، وينتهي ببناء عقد اجتماعي جديد يعكس تطلعات السودانيين في الحرية والعدالة والسلام. وهنا تكمن أهمية أي جهد دولي صادق: ليس في فرض حلول جاهزة، بل في دعم هذا التحول، وخلق بيئة تساعد عليه.

في النهاية، يظل الأمل قائمًا، ليس في المؤتمرات بحد ذاتها، بل في قدرة السودانيين على تحويل معاناتهم إلى دافع للتغيير. فالتاريخ يُظهر أن الشعوب التي عانت طويلًا هي الأقدر على إعادة بناء نفسها، إذا ما توفرت لها الفرصة. والسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل سينجح مؤتمر برلين؟ بل: هل يمكن أن يكون بداية لمسار مختلف، يُنهي الحرب ويؤسس لدولة تستحقها هذه الأرض وهذا الشعب؟

13 ابريل 2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x