مالي بين قرص الفقر وتمزق السيادة: هل نحن أمام أزمة دولة أم تمدد للعنف العابر للحدود؟

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
في خضم ما يشبه الانهيار الصامت الذي لا تلتقطه كاميرات الغرب إلا عندما تتصاعد ألسنة النار لتصل إلى حدودها الجنوبية، تعيش منطقة الساحل الأفريقي واحدة من أخطر مراحل تحولها منذ خروج الاستعمار. وفي مركز هذه الدوامة توجد مالي، ذلك البلد الذي كان يومًا ما مهدًا لإمبراطوريات ذهبية وإشعاع ثقافي كتيمبكتو وغاو، وغدا اليوم مختبرًا لتشريح الدولة الوطنية ذاتها. فعلى أرض تمتزج فيها الرمال بالدماء، يلتقي فقر منهك ينهش ما تبقى من جسد المجتمع، وصراع على السيادة يشرذم الجيش والإدارة ويحول المدن إلى جزر معزولة. السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: هل ما نراه في مالي ما هو إلا حلقة في مسلسل أفول الدولة المركزية في أفريقيا، أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليصبح نمطًا جديدًا من العنف العابر للحدود، يأخذ طابع التفكك التدريجي بدل المواجهات الكلاسيكية؟ وما الذي يربط مالي بما يحدث في السودان والصومال ومنطقة البحيرات الكبرى؟ وهل أفريقيا مقبلة على عصر من الحروب الأهلية الممتدة مكانيًا وزمانيًا، أم أن هناك مكامن أمل لا تزال خافتة في القاع؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من أن نبدأ من فكرة أساسية: ما يجري في مالي لا يمكن فهمه خارج سياقين متشابكين، سياق داخلي يستند إلى إخفاقات متراكمة في بناء الدولة منذ الاستقلال، وسياق إقليمي جعل من الساحل مسرحًا لتنافس قوى كبرى وصغرى، ولم يعد فيه الفقر مجرد عجز اقتصادي بل أداة لتجنيد المقاتلين وتوسيع رقعة النفوذ. حين نتحدث عن مالي اليوم، يجب أن نتصور خريطة تتقاطع فيها خطوط الإرهاب مع خطوط الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر والمخدرات، وتحت هذا كله تتدفق ينابيع الاستياء الاجتماعي بسبب تهميش مناطق الشمال والوسط لعقود. نضف إلى ذلك الجفاف المتكرر وتغير المناخ الذي يغذي الصراعات بين الرعاة والمزارعين، لينتج مزيج شديد الانفجار.
منذ اندلاع التمرد الطوارقي في أوائل عام 2012م، مرت مالي بمنعطفات كادت أن تقطع أوصالها. ففي غضون أشهر قليلة، سقطت كيدال وغاو وتيمبكتو بأيدي تحالف غريب جمع علمانيين الطوارق مع متشددين مرتبطين بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب . بعد ذلك بوقت قصير، استطاع المتشددون طرد حلفائهم السابقين والاستفراد بالمناطق الشمالية، ففرضوا نسخة قاسية من الشريعة تضمنت قطع الأيادي ورجم الزناة وتحطيم الأضرحة. لم يكن رد فعل الجيش المالي بمستوى التحدي، بل كان الجيش نفسه يعاني من انقسامات وقيادة هشة، فجاء الانقلاب العسكري في مارس 2012م كرد فعل غاضب على عجز السلطة المدنية. هذا الانقلاب فتح الباب على مصراعيه لتسريع مسلسل الانهيار. ثم جاء التدخل العسكري الفرنسي تحت مسمى “عملية سرفال” عام 2013م لطرد المتشددين من المدن الرئيسية، لكن سرعان ما تبين أن طرد الجماعات المسلحة من المدن لا يعني القضاء عليها، بل تفرقت في البوادي ووادي النيجر العظيم، وبدأت تعيد تنظيم صفوفها وتعتمد على الكمائن والهجمات الخاطفة. ومنذ ذلك الحين، تحولت مالي إلى حلبة صراع غير تقليدي، يتقاتل فيه الجيش الوطني وجهود الأمم المتحدة (مينوسما) والقوات الفرنسية (برخان لاحقًا) وفاغنر الروسية مؤخرًا من جهة، وجماعات مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (التابعة لأنصار الدين) والدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى من جهة أخرى. ولكي تكتمل الصورة، هناك أيضًا الحركات الانفصالية الطوارقية التي ترفض التسليم بسلطة باماكو وتطالب بالحكم الذاتي أو الاستقلال، وما بين هؤلاء وأولئك يتحالفون تارة ويتناحرون تارة أخرى حسب حسابات الربح والخسارة اللحظية.
إن المشهد المالي يطرح أكثر من سؤال حول ماهية “الدولة” في أفريقيا المعاصرة. لقد نشأت الدول الأفريقية بعد الاستعمار على حدود رسمها الغرباء، دون مراعاة للتجمعات الإثنية والقبلية والثقافية. في مالي، كما في معظم دول القارة، كان بناء الدولة يعني تركيز السلطة في العاصمة وإخضاع الأطراف، وغالبًا ما كان الشمال الغني بالتراث والفقير بالخدمات يدفع الثمن. لقد شعر الطوارق والعرب (أبناء الصحراء) بالتهميش لعقود طويلة، وشهدوا عدة انتفاضات ضد المركز قبل 2012م، لكنها كانت انتفاضات محدودة قادتها حركات مثل حركة تحرير أزواد. الفرق هذه المرة أن التهميش التقى بالفراغ الأمني الذي أعقبت سقوط نظام القذافي في ليبيا عام 2011م، وتدفق السلاح والمقاتلين الطوارق المدربين في جيش القذافي إلى مناطقهم، والتقى أيضًا بظهور الجماعات الجهادية التي تملك خطابًا دينيًا معولمًا يتجاوز الإثنية والقبلية. هكذا تحولت مالي من أزمة تمرّد كلاسيكي إلى أزمة وجودية للدولة.
هل مالي أذنًا فاشلة بالكامل؟ ولا ينبغي التسرع في إطلاق حكم الفشل، لكن هناك إجماعًا متزايدًا بين الباحثين على أن “الدولة الواهنة” أو “الدولة الهشة” هي التوصيف الأدق. فالسلطة المركزية لا تزال قائمة نظريًا، لكنها لا تستطيع فرض سيطرتها على مساحات شاسعة من أراضيها، ولا تستطيع ردع الجماعات المسلحة، ولا تقدم خدمات أساسية لسكان الريف والبوادي. وعندما تنهار الخدمات، يبحث الناس عن بدائل، إما باللجوء إلى القبيلة وإما بالانضمام إلى جماعات مسلحة توفر لهم الحماية أو المال ولو كانا بثمن أيديولوجي غال. وفي هذا السياق، يفقد الفقر طابعه الاقتصادي ليصبح عاملًا جيوسياسيًا. فالفقر يدفع الشباب للقتال بأجر زهيد، والفقر يغذي الاستياء من الحكومة، والفقر يسهل على الجماعات المسلحة شراء الولاءات. التقديرات تشير إلى أن نسبة البطالة بين الشباب في شمال مالي قد تتجاوز 60%، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تحذر من أن “الجوع قد يصبح سلاح حرب” في المنطقة، خصوصًا مع تراجع المساعدات الدولية. هنا نلمس الترابط العضوي بين الجانبين الإنساني والسياسي: حين لا يجد الراعي مرعى لماشيته بسبب الجفاف، وحين لا يجد الفلاح سوقًا لمحصوله بسبب انعدام الأمن، وحين يشاهد الشاب المتعلم نفسه عاطلاً عن العمل رغم شهادته، تتحول الأرضية إلى مرتع خصب لانتشار العنف بكل أشكاله. وليس صدفة أن تكون أكثر المناطق فقرًا هي الأكثر احتضانًا للجماعات المسلحة في مالي، فالفقر يخلق حالة من اليأس العام، ومن اليأس تولد العنف كبديل عن الأمل الضائع.
لكن مالي ليست جزيرة، بل هي جزء من نظام إقليمي مضطرب يمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر. ففي السودان، ثمة مشهد موازٍ وإن اختلفت في تفاصيله. فالسودان يعاني من صراع مرير بين الجيش تسمي وتحاول ان تفرض نفسها بأنها جيش النظامي وقوات الدعم السريع الذي طلع من رحم ذلك القوات، نشب في أبريل 2023م وأدى إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من ثمانية ملايين شخص داخل البلاد وخارجها. هذا الصراع، الذي بدأ على خلفية صراع على السلطة في الخرطوم، سرعان ما انسحب إلى إقليم دارفور وكركوج وكسلا، وأخذ أبعادًا قبلية وإثنية. وما يجمع بين السودان ومالي هو أن الحرب في السودان لم تبق داخل حدوده بل امتدت إلى تشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، وأدت إلى هشاشة الأمن في منطقة الساحل الشرقي بأسرها. هناك أيضًا نقطة التقاء خطيرة: في السودان كما في مالي، يلعب “المرتزقة” والمقاتلون الأجانب دورًا محوريًا. ففي مالي، تعاقدت الحكومة العسكرية مع مجموعة فاغنر الروسية (التي تحولت إلى “فيلق أفريقيا”) لتوفير الأمن، وهي المجموعة نفسها التي تنشط في السودان إلى جانب قوات الدعم السريع وفق بعض التقارير. وفي كلا البلدين، هناك استقطاب دولي: روسيا تتقرب من الحكومات العسكرية غرب إفريقيا فيما الغرب ممثلًا بفرنسا وأمريكا ينسحبان أو يغيران استراتيجياتهما. هذا الاستقطاب يعقد أي جهد لحل النزاعات، لأن الدول الإقليمية الكبرى (الجزائر والمغرب ونيجيريا وجنوب أفريقيا) لم تعد قادرة على فرض أجندتها كما كانت في السابق، في ظل تنافس القوى العالمية على الموارد الأفريقية.
إذا ما نظرنا إلى القارة الأفريقية ككل خلال السنوات الأخيرة، نجد أن عدد الصراعات المسلحة قد ازداد بشكل ملحوظ، مع تحول في طبيعتها: لم تعد الحروب بالضرورة حروبًا تقليدية بين دول، بل هي حروب غير متماثلة بين جيوش نظامية وجماعات مسلحة غير حكومية، وغالبًا ما تعبر هذه الجماعات الحدود بسهولة. هناك ساحل من الاضطرابات يمتد من غرب إفريقيا إلى شرقها: ففي بوركينا فاسو والنيجر، تكاد تتكرر القصة المالية نفسها مع تمرد جهادي وهجمات متكررة على المدنيين والجنود. وفي نيجيريا، لا يتوقف نشاط بوكو حرام في الشمال الشرقي، بينما تتصاعد حدة الصراع بين الرعاة والمزارعين في مناطق الوسط. وفي الكاميرون، لا يزال الأزمة في المناطق الناطقة بالإنجليزية تتفجر بين الفينة والأخرى. وفي الصومال، حركة الشباب تمثل تهديدًا مستمرًا للحكومة المركزية الضعيفة حتى بعد عقدين من التدخلات الدولية. وفي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، عشرات الجماعات المسلحة تتقاتل على المعادن الثمينة والنفوذ. هذا المشهد العام يطرح سؤالًا: هل تتجه أفريقيا إلى تفكك دولي واسع، أم أنها تمر بمرحلة مؤلمة من إعادة تشكيل هوية الدولة الوطنية بما يتناسب مع واقع القبيلة والموارد والصراعات العابرة للحدود؟
لكل هذه الأسباب، أصبح الحديث عن سيناريوهات مستقبل مالي ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة لفهم الاتجاهات الكبرى في القارة. هناك اتجاهات متعددة ومتداخلة يمكن تصورها:
● السيناريو الأول: استمرار الوضع القائم دون تحول جذري. في هذا السيناريو، تستمر الحكومة العسكرية في باماكو في حكم البلاد بمساعدة مجموعة فاغنر، وتستمر الهجمات الجهادية على الجيش والمدنيين، وتستمر حركات التمرد الطوارقية في السيطرة على جيوب في الشمال. لكن مع الوقت، قد يحدث استنزاف متبادل يؤدي إلى نوع من التوازن الفوضوي، حيث تظل الدولة ضعيفة لكنها غير منهزمة، والجماعات المسلحة نشطة لكنها غير قادرة على السيطرة على المدن الكبرى باستثناء بعض الهجمات الانتحارية والكمائن. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير إلى المتوسط، لأنه لا يتطلب قرارات جريئة من الأطراف ولا يتطلب ضغطًا دوليًا حاسمًا. لكن ثمنه باهظ: استمرار المعاناة الإنسانية، وتدفق النازحين، وازدياد الاعتماد على المساعدات الخارجية، واستمرار تآكل النسيج الاجتماعي. كما أن هذا السيناريو يرسخ ثقافة العنف ويجعل من الصعب العودة إلى الحوار السياسي الشامل بين مختلف أطياف المجتمع المالي.
● السيناريو الثاني: الانهيار الكامل أو التفكك التدريجي. وهذا هو السيناريو الأسوأ، حيث يؤدي تراكم الضغوط الداخلية والخارجية إلى انقسام البلاد فعليًا إلى كيانين أو ثلاثة: حكومة في الجنوب الغربي (باماكو وما حولها)، وإدارة طوارقية في أزواد (الشمال الشرقي)، ومناطق نفوذ جهادي في الوسط والشمال الغربي. هذا السيناريو ليس خياليًا بقدر ما هو مستوحى من تجارب ليبيا والصومال واليمن. فليبيا، بعد سقوط نظام القذافي لم تعد دولة موحدة بل فضاء لتنافس مليشيات متناحرة، وكذلك الصومال حيث الحكومة المركزية تكافح من أجل السيطرة على أجزاء من مقديشو بينما تعيش مناطق شاسعة تحت سيطرة حركة الشباب أو حكومات إقليمية مثل أرض الصومال وبونت لاند. إذا تكرر السيناريو الليبي أو الصومالي في مالي، فهذا يعني أن فكرة “مالي” دولة موحدة ستصبح مجرد ذكرى تاريخية، وستتحول البلاد إلى منطقة عبور للهجرة غير الشرعية وتهريب السلاح والمخدرات، وستتحول حدودها الجنوبية مع ساحل العاج وبوركينا فاسو وغانا إلى خط تماس مع مناطق فوضى. هذا السيناريو سيكون له تداعيات كارثية على استقرار غرب أفريقيا بأكمله، وقد يتسبب في حرب إقليمية إذا شعرت الدول المجاورة بالخطر واستعدت لمواجهة الجماعات المتطرفة على أراضيها. لكن يبقى هذا السيناريو أقل ترجيحًا من الأول بسبب عوامل ردع:
☆ أولاً، تدخل دول الجوار مثل الجزائر وموريتانيا اللتين لن تقبلا بانهيار كامل على حدودهما.
☆ ثانيًا، وجود بعثة الأمم المتحدة مينوسما (ورغم أنها تنتهي مهامها أواخر 2023م، إلا أن الأمم المتحدة ستحتفظ بوجود سياسي وإنساني).
☆ ثالثًا، استمرار المصالح الدولية في استقرار المنطقة خاصةً فيما يتعلق باليورانيوم النيجيري والنفط التشادي والغاز الجزائري.
● السيناريو الثالث: تحول النزاع إلى حرب إقليمية مفتوحة. هذا السيناريو قد يحدث إذا قامت إحدى الدول المجاورة (مثل الجزائر أو ساحل العاج أو بوركينا فاسو) بإرسال قوات برية كبيرة إلى مالي بحجة مطاردة الجماعات الإرهابية التي تستخدم الأراضي المالية قاعدة لشن هجمات عبر الحدود. الجزائر، على سبيل المثال، لديها جيش قوي وتجربة في مكافحة الإرهاب، وقد تكون حساسة جدًا تجاه أي تمدد للجهاديين نحو حدودها الجنوبية. من جهة أخرى، هناك دول مثل ساحل العاج والسنغال التي تريد منع انهيار مالي لمنع انقطاع الطرق التجارية ووصول اللاجئين. لكن التدخل الأحادي الجانب قد يؤدي إلى ردود فعل معادية من بعض الفصائل المالية أو من الدول الداعمة للحكومة العسكرية في باماكو (مثل روسيا)، مما قد يجر المنطقة إلى حرب بالوكالة بين القوى العظمى. في الواقع، نحن نشهد بالفعل نوعًا من الحرب الباردة الأفريقية الجديدة: على طرف، فرنسا التي تنسحب من مالي متجهة إلى النيجر وساحل العاج؛ على الطرف الآخر، روسيا التي تملأ الفراغ من خلال وجود عسكري وشركات أمن خاصة؛ وفي الوسط، تركيا والصين وإيران تقدم بدائل أخرى. هذه الحرب الباردة قد تتحول فجأة إلى حرب ساخنة إذا تبادلت الأطراف اتهامات بالعدوان أو إذا تورطت قوات فاغنر في اشتباك مباشر مع قوات فرنسية أو أممية. لكن يظل هذا السيناريو الأقل احتمالًا بسبب التكلفة الباهظة التي لا تتحملها أي دولة إقليمية بمفردها، خاصة في ظل أزمات اقتصادية داخلية واهتمام منصرف نحو أوكرانيا وغزة.
● السيناريو الرابع: توافق سياسي إقليمي ودولي يؤدي إلى استقرار نسبي. هذا هو السيناريو المتفائل، الذي يفترض أن تدرك جميع الأطراف أن الاستمرار في القتال لا يجدي نفعًا، فيجلسون على طاولة الحوار. في هذا السيناريو، تتنازل الحكومة العسكرية عن بعض سلطاتها المطلقة وتلتزم بجدول زمني للانتخابات، وتوافق الجماعات الطوارقية على تسليم السلاح الثقيل مقابل حكم ذاتي موسع في إطار دولة مالية موحدة، وتوافق الجماعات الجهادية على وقف إطلاق نار طويل الأمد شريطة أن تنسحب القوات الأجنبية (فاغنر والقوات الفرنسية المتبقية) ويتم دمج بعض مقاتليها في الجيش الوطني تحت رقابة دولية. هذا السيناريو طموح لكنه ليس مستحيلاً، وقد شهدت مالي اتفاقيات سلام مماثلة في الماضي (مثل اتفاق الجزائر 2015م)، لكنها لم تنفذ بالكامل. لتحقيق هذا السيناريو، لا بد من ضغط دولي كبير، وليس فقط ضغطًا أمميًا، بل ضغطًا من دول الجوار (خاصة الجزائر التي تلعب دور الوسيط التقليدي) ومن الاتحاد الأفريقي ومجموعة إيكواس. لكن إيكواس تواجه مشكلة شرعية بعد الانقلابات المتكررة في غرب أفريقيا، وفرنسا لم تعد مرحبًا بها في المنطقة، والولايات المتحدة مشغولة بملفات أخرى، وروسيا لديها مصالح أخرى. لذا، يظل هذا السيناريو الأصعب والأكثر تكلفة من حيث الدبلوماسية والتنفيذ.
لكننا لو أردنا تحليلًا أعمق، يجب أن ننظر إلى ما وراء مالي: إلى القارة الأفريقية ككل. ما يجري في مالي ليس مجرد انعكاس لمرض داخلي، بل هو جزء من تحول جيوستراتيجي أوسع. أفريقيا اليوم هي ساحة التنافس العالمي الأكثر حدة، لكن على عكس التنافس الكلاسيكي الذي كان قائمًا على المعسكرين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة، التنافس اليوم متعدد الأقطاب: الولايات المتحدة وأوروبا تسعيان للحفاظ على نفوذهما، والصين تريد أمن استثماراتها، وروسيا تسعى لخرق النفوذ الغربي بأقل تكلفة، وتركيا تقدم بديلاً ناعمًا عبر الدرونز والمساعدات، ودول الخليج تريد نفوذًا دينيًا واقتصاديًا. في هذه الفسيفساء، يصبح الفقر والعنف والسيادة أدوات وأوراق مساومة. الزعماء الأفارقة أصبحوا يتقنون لعبة توظيف التنافسات الخارجية لصالحهم، لكن الثمن الذي يدفعه المواطن العادي هو استمرار النزاعات وغياب الاستقرار.
وبالرجوع إلى السودان وما يحدث فيه من صراع مدمر بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023م، نجد أوجه شبه مقلقة مع مالي. ففي السودان أيضًا، هناك أزمة دولة ناشئة عن انقسام عمودي داخل النخبة الحاكمة، وهناك أطراف إقليمية ودولية تسلح وتدعم، وهناك فقر مدقع يدفع الملايين إلى النزوح والمجاعة، وهناك محاولات لفرض حلول عسكرية لا سياسية. والنتيجة هي أن السودان يتجه نحو التفكك تحت وطأة الحرب الأهلية، تمامًا كما كانت مالي تفعل قبل عقد من الزمن. الفارق أن مالي تلقت دعماً غربياً ضخماً في الماضي، بينما السودان يواجه عقوبات وعزلة جزئية. لكن أوجه الشبه كافية للقول إن هناك نمطًا أفريقيًا للأزمة: صراع النخبة على السلطة يتحول سريعًا إلى صراع عرقي وجهوي، ثم إلى حرب بالوكالة، ثم إلى انهيار الخدمات، ثم إلى انتشار الأوبئة والمجاعات، ثم إلى نزوح جماعي يزعزع استقرار الدول المجاورة. هذا النمط يتكرر في مالي والسودان والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى، ويوشك أن يتكرر في بوركينا فاسو والنيجر إذا لم تتدخل الحكومات والمنظمات الإقليمية بحكمة.
في الختام، يمكن القول إننا لسنا أمام حالة واحدة قابلة للتشخيص البسيط، بل أمام عقدة معقدة تتشابك فيها العوامل الداخلية والخارجية، ويتقاطع فيها الفقر كواقع يومي مع الصراع على السيادة كصراع رمزي ومادي على الموارد والنفوذ. أزمة الدولة في مالي حقيقية، والعنف العابر للحدود ليس مجرد انعكاس جانبي، بل هو محرك رئيسي لهذه الأزمة ومضاعف لتأثيراتها. الحدود الاستعمارية لم تعد قادرة على احتواء التمردات والعنف، والأطراف الفاعلة (الدولية والإقليمية والمحلية) لم تعد مستعدة للالتزام بقواعد اللعبة القديمة. ولذلك، فإن مستقبل مالي والقارة الأفريقية يعتمد على سؤال كبير: هل تستطيع المجتمعات الأفريقية أن تبتكر أشكالاً جديدة من الحكم تلائم واقعها المتنقل والمتشظي، أم أنها ستظل أسيرة لنموذج الدولة المركزية الموروث عن الاستعمار والذي أثبت فشله في إدارة الاختلاف والتصدي للعنف؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لكنها ستحدد مصير مئات الملايين في السنوات القادمة. المؤكد أن الفقر ينهش الأرض، والصراع ينهش السيادة، لكن السؤال الأعمق هو: من سيربح البقايا، البشر أم الوحوش؟ ومتى تستفيق العقول الأفريقية على حقيقة أن السيادة الحقيقية لا تتحقق بالبنادق ولا بالحدود المرسومة على الخرائط، بل بالقدرة على حماية الإنسان وتوفير الحياة الكريمة له، أينما كان أو سار أو عبر إلى الجهة الأخرى من التل.
وهكذا تبقى مالي رمزًا دراماتيكيًا لمأزق أفريقي أوسع: ألا وهو العجز عن بناء دولة تحمي المواطن وتحتكر العنف وتوزع الخدمات بعدالة، في زمان أصبح فيه العنف أرخص من السلام، والفقر أداة بيد الأقوياء، والسيادة كلمة يتلاعب بها الجميع دون أن يملكها أحد حقًا. إنه سؤال العصر في أفريقيا، وإلى أن يُجاب، ستبقى النار مشتعلة في الساحل وغيره، وستبقى قوافل النازحين تمخر عباب الرمال والدماء.
بتاريخ 10مايو2026م



