مقالات الرأي

ما يهُم هو الموقف الوطني والعمل عليه

بقلم: الروائي والكاتب/ محمد رورو

في الدولة التى تتعدد فيه الأحزاب والأجسام السياسية يكون المسرح مزاحماً بالرؤى والمواقف السياسية المتناقضة وبالتالي يُصعب على الشعب التعرف على الموقف الصحيح الذي يخاطب حقوقه، في الفضاء الذي يكون فيه وعي المجتمع طور التكوين او مسجوناً داخل برطمانية أيدولوجيا او تجرع من ميكافيللية الساسة ردحاً من الحقب.
وفي زحام تلك أعني في السودان، البلد الذي يسمع الشعب بالحزب الفلاني والحركة العلانية وقد لا يسمع وذلك بسبب مركزية الأحزاب وايضاً الحركات التي ظلت تقاتل من أجل قضيته ولوهلة تحولت الى حركات ذات مواقف غائمة، وحركات أخرى لا يسمع الشعب عنها إلا لماماً بل يتفاجأ بها في موائد التسويات ، لا أراضي محررة ولا رؤى ولا أثير مذياع او محطة قنائية تبث مشروعها الوطنى وفعلها السياسي..
وفي الجوار أحزاب شتى يعود تكوين بعضه الى فترة النوادي الثقافية والإنبثاق من مؤتمر الخريجين العام او ما نسميه بالنادي القديم الذي جاور القصر كثيراً وتقلد الحكم أحياناً بينما كان أفكاره لبناء دولة المواطنة قاصرة، وبعضه عبارة عن أجسام أنتجته فشل تلك النخبة والمظالم الذي أثقل كاهل الشعب وبالتالي كانت تتبني مواقف فيه نوع من الثورية ، وبعضه أحزاب تعبر مشاريعه عن إثنيات «أعراق» او جغرافيات او مرجعيات دينية، وهناك أجسام وحركات مسلحة نبعت من جبال وغابات الهامش حين سئمت اللإقصاء والخداع السياسي، الحركات التي شعرت أن هناك شعب محروم من كل شئ لذلك كان ضرورياً لها حمل السلاح ، وبينهما حركات مصطنعة إصطناعاً.

والحال كما نعيشه، أحزاب أدمنت الفشل ومؤسسة عسكرية تمادت عن مسؤوليتها الأساسية «حماية الدستور والدفاع عن الارض» فدخلت الى نادي السياسة من أوسع الأبواب ، وهنا لا نبرئ أحزاب النادي القديم وآخرها الحركة الإسلامية من تسيس هذه المؤسسة التي تحكم بقوة البوت والبندقية في أبشع دكتاتورية على مر السودان، ولكن ما يحيلنا الى الحديث هو إذا كانت الأحزاب السياسية والحركات المسلحة تعمل من أجل بناء دولة المواطنة المتساوية، لماذا لا نري إذاً توافقاً سياسياً ورؤية جماعية موحدة حول إيقاف الحرب والبحث عن سبل السلام ؟!!

الحقيقة أن المتابع للواقع السياسي السوداني منذ 14 إبريل 2023 يشهد بعض التحولات السياسية التي تعطي أملاً إيجابياً بنزول أحزاب النادي القديم من سماء ذات البروج والتخلص من عقليته الأستاذية ربما لان «الجمرة بتحرق واطيها» مما شهدنا بعض التحالفات الثنائية والثلاثية والرباعية وأحياناً أكثر ..والمدهش حقاً أننا في نفس الوقت شهدنا هروب عدد من الأحزاب والحركات المسلحة من مواقفها الثورية ما عقدت عملية بناء جبهة سياسية معارضة، فالأحزاب والحركات متكتلة وتبحث عن الحلول بطريقتها المنفصلة وكأنها تستطيع والحق أنها لم تستطيع. أما التبدلات في المواقف فصار هو ديدن الأجسام السياسية في السودان تلك المواقف الى تعقدها التطورات السياسية نفسها حين لا تُقرأ بحصافة ومبدأ ثوري وفي ظل غياب التقييم السياسي للراهن، مما يخلق عملية تدوير الأزمة.

ويعود طبيعة الإنزلاق من منصة الثورة واللعب على شتى الحبال الى غياب الرؤية الثورية امام عاصفة الإغراءات والإنتهازية المبالغ وهذا ما نسميه الفشل الثوري يقول أميلكار كابرال في خطابه سلاح النظرية: أنه لم يقم أحد بثورة ناجحة بدون نظرية ثورية او «رؤية ثورية» بل تأسف هو وكوامي نكروما من عدم الوضوح الأيديولوجي في عديد من الحركات والأحزاب وهذا هو الغموض الذي نعيشه «تطويل عمر الأزمة».. والمؤكد ان إتخاذ مواقف مرجحة يُحسب كهزيمة ذاتية للأحزاب والحركات التي إختارت الخط الرمادي أمام قضية مصيرية والغريب أنها ظلت تمارس الديماجوجية بدلاً من طرح الحلول الموضوعية إذاء قضية وطنية، حيث ظلت تستقطب مكونات إجتماعية وإثنيات بعينها وتقحمها في أتون حرب مدمر وكأنها تتبني قضايا مكونات لا الشعب ككل وهذا ما حذر منه فرانز فانون، لكن الوقت قد أزف ومن العار ان يتكتل جسم سياسي بعد كل هذه التجربة المريرة والطويلة من عمر الإستقلال في زاوية ضيقة وهي ترى معاناة الشعب وصوملة الدولة.

من العار أن نكون فرجة العالم وما يهم في هذه المرحلة هو تحرر القوى السياسية من المواقف الرمادية والمصالح الحزبية «الشخصية» وتبني موقفاً واضحاً من هذا الشطط الرهيب، ليست في الحرب وفقط إنما في طريقة إيقافها والعمل مع الآخرين لرأب الصدع إذاء قضية الوطن المأزوم.. وللتوصل الى هكذا قناعات يتوجب على الساسة تقديم مصلحة الوطن التى هي الوحدة السياسيةالعمل على إيقاع الحربصنع السلام وذلك الإصطفاف حول جبهة مدنية معارضة تنهي الحروب وتأسس لحوار سوداني_سوداني يفضي الى بناء دولة علمانية ليبرالية ديمقراطية فدرالية.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x