مقالات الرأي

محاسبة المعاون لا تُغني عن محاسبة القاتل

بقلم: عاطف محمد أحمد

تحولت المنصات الإعلامية إلى مسارح تُعاد فيها كتابة أدوار الحرب. يُقدّم الطرفان المتقاتلان نفسيهما كمنقذين للشعب، وتُعقد المؤتمرات واللقاءات التي تهدف أكثر إلى تبييض الصورة من تقديم الحقيقة. والنتيجة واحدة: تضليل منظم، ونفاق سياسي تُديره النخب لإطالة أمد بقائها في السلطة.

المشكلة ليست في ظهور المعاونين والوسطاء أمام الكاميرات. المشكلة أن هذا الظهور يُستخدم لصرف الأنظار عن المسؤولية الأصلية. فمحاسبة من سهّل، ومن موّل، ومن برّر، أمر مطلوب ولا جدال فيه. لكنها لا تُغني عن محاسبة القائد المنفذ، ولا عن تقديم من أمر بالقتل والاغتصاب والنهب إلى العدالة.

ثلاث نقاط موضوعية لا يمكن تجاوزها:

  1. مبدأ التسلسل الجنائي لا يتجزأ
    القانون الجنائي الدولي والقانون السوداني لا يعفيان المعاون من المسؤولية، لكنهما لا يجعلانها بديلاً عن مسؤولية الفاعل الأصلي. إذا اكتفينا بملاحقة الحلقة الضعيفة، نكون قد أنتجنا عدالة شكلية تكرّس الإفلات من العقاب في القمة.
  2. العدالة شرطٌ للسلام لا عائقٌ له
    الحديث عن “المصالحة أولاً” ثم “المحاسبة لاحقاً” ثبت فشله عملياً في السودان. التجارب السابقة أظهرت أن تجاوز دماء الضحايا ينتج هدنة هشة تنفجر في أول منعطف. السلام المستدام يبدأ بالاعتراف بالجريمة، وتحديد المسؤول، وتقديمه للمحاكمة. غير ذلك فهو هدنة مؤقتة بين النخب على حساب الضحايا.
  3. الأنثروبولوجيا السياسية تقول إن الدولة تُبنى على العقد لا على الخوف
    تركيب المجتمع السوداني معقد، لكنه ليس فوضوياً. العلاقة بين المكونات السكانية والدولة تحكمها الثقة والعدالة والخدمات. كلما غابت المساءلة، تعمّق الشعور بأن الدولة ملك للمنتصر، لا عقداً بين المواطنين. وحينها يتحول العنف إلى وسيلة مشروعة للوصول إلى السلطة.

القاتل لا يعرف معنى السلام، والمغتصب لا يعرف عن الشرف شيئاً. لا يمكننا أن نطلب من الشعب أن يصالح جلاده قبل أن يرى الجلاد أمام القضاء. المعاون يُحاسب لأنه شارك في الجريمة، لكن القائد الذي أصدر الأمر هو من يتحمل الوزر الأكبر.

إذا أردنا أن نخرج من دائرة الحرب المتكررة، فلنبدأ بتثبيت قاعدة بسيطة: لا حصانة للسياسة على حساب الدم. المؤتمرات التلفزيونية لن تغسل دماً، والخطاب المنمق لن يعيد شرفاً مسلوباً. العدالة وحدها هي التي تمنح الكلمة معنى، وتجعل من المصالحة مشروعاً حقياً لا مجرد هدنة إعلامية.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x