مستقبل مُرهون: كيف أجهضت حرب 15 أبريل أحلام الشباب السوداني؟

بقلم: أ/عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
تمثل الفجوة التعليمية في السودان اليوم واحدة من أخطر التداعيات الإنسانية والتنموية للحرب المشتعلة منذ الخامس عشر من أبريل عام 2023م، إذ لم يعد الأمر مجرد تعطيل مؤقت للدراسة أو إغلاق مؤقت للمدارس والجامعات، بل تحول إلى كارثة هيكلية تطال مستقبل أمة بأكملها، وتعيد تشكيل وعي جيل كامل تحت وطأة النزاع المسلح. فالشباب السوداني، الذي كان يمثل الأمل المعقود عليه في بناء دولة مدنية حديثة، وجد نفسه فجأة مرميًا في قلب عاصفة لم يخلقها، ورهينة لحرب قسمت البلاد على أسس عرقية وسياسية وجهوية، وحولت أحلامه إلى سراب، ومدارسه إلى ثكنات عسكرية، ومختبراته إلى مرابض للدبابات، ومكتباته إلى وقود للتدفئة في ليالي الشتاء القارسة. إن ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد أزمة تعليمية عابرة، بل هو إعادة إنتاج منهجي للفقر والجهل والتطرف، وإجهاض ممنهج لكل إمكانيات النهوض التي ظل السودانيين يحلمون بها لعقود.
من منظور قانوني وإنساني، تمثل الفجوة التعليمية في السودان انتهاكًا صارخًا وجسيمًا لكل المواثيق الدولية والإقليمية التي تكفل الحق في التعليم كأحد الحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف، وكذلك الدستور السوداني الانتقالي لعام 2019م الذي نص صراحة على التزام الدولة بتوفير التعليم المجاني والإلزامي للجميع. غير أن الواقع على الأرض يرسم صورة مغايرة تمامًا، إذ تشير التقديرات الموثقة إلى أن ما يقارب تسعة عشر مليون طفل وفتى في سن الدراسة أصبحوا خارج أسوار المدارس تمامًا، في واحدة من أسوأ الأزمات التعليمية على المستوى العالمي خلال العقود الأخيرة. هذا الحرمان الجماعي لم يكن وليد ظروف طبيعية أو إخفاقات إدارية تقليدية، بل نتيجة ممنهجة لانهيار شامل في كل مكونات المنظومة التعليمية؛ فقد تعرضت أكثر من مائة وأربع وعشرين جامعة وكليّة حكومية وخاصة للتدمير الجزئي أو الكلي، أو للنهب المنظم لمحتوياتها ومعداتها، وتم تحويل نحو ثمانية عشر بالمئة من المدارس الحكومية في مناطق النزاع إلى ملاجئ إيواء للنازحين والمهجرين، فيما دُمر أكثر من ألف وثمانمائة وثمانين مختبرًا علميًا ومائتين وأحد وأربعين مكتبة جامعية ومدرسية تحتوي على كنوز من المخطوطات والمراجع النادرة التي كانت تمثل ذاكرة السودان المعرفية. هذا الواقع المأساوي يطرح تساؤلات قانونية عميقة حول مدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني، وخصوصًا اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الملحقة التي تحظر استهداف الأعيان المدنية بما فيها المؤسسات التعليمية، وتلزم الأطراف المتحاربة بحماية هذه المؤسسات وضمان استمراريتها لأغراض إنسانية بحتة، غير أن التقارير الميدانية الموثقة من منظمات حقوقية محلية ودولية تشير إلى أن المؤسسات التعليمية تحولت إلى أهداف عسكرية مشروعة في نظر المتحاربين، إما لاحتلالها كمواقع استراتيجية أو لتدميرها كرموز للدولة والحداثة والتنوير.
لكن أبعاد هذه الكارثة تتجاوز الإطار القانوني البحت إلى أبعاد إنسانية ونفسية مدمرة لا يمكن قياسها بالأرقام وحدها. ففي ولاية شمال دارفور، على سبيل المثال، توقفت العملية التعليمية بالكامل منذ اندلاع الحرب، مما حرم ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف طالب وطالبة من حقهم في التعلم لثلاث سنوات متتالية، في مشهد يعكس تحول الأزمة من حالة طارئة إلى وضعية هيكلية تهدد النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع السوداني برمته. وهذا يتزامن مع انقطاع رواتب المئات من المعلمين والأساتذة الجامعيين لأكثر من عامين متتاليين، مما أدى إلى هجرة الكفاءات التعليمية إلى خارج البلاد أو إلى مناطق أكثر أمنًا، وتفكك المنظومة التعليمية من الداخل، وهروب الاستثمار البشري الذي كلف السودان بناءه لعقود طويلة. والأكثر إيلامًا هو ما يعانيه الأطفال والمراهقون من صدمات نفسية عميقة نتيجة مشاهد القتل والتدمير والنزوح المتكرر، إذ تحولت غرف الصف الدراسي من فضاءات للمعرفة والأمل إلى أماكن للخوف والرعب، وأصبح صوت القنابل والطائرات المسيرة هو المدرس الأكثر حضورًا في أذهانهم، مما يهدد بتشكيل جيل كامل يعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة، ويفتقر إلى القدرة على التركيز والتعلم الطبيعي، وقد ينزلق بسهولة إلى براثن العنف والتطرف كبديل عن الحلم الضائع بالتعليم والتنمية.
ويكشف المشهد التعليمي بعد حرب أبريل عن أبعاد سياسية خطيرة ومعقدة تتجاوز البعد الإنساني والقانوني، حيث تحولت الجغرافية السودانية إلى عامل حاسم في تحديد مصير الطلاب وفرصهم التعليمية، وأصبحت الامتحانات الرسمية، وخاصة شهادة المرحلة الثانوية التي طالما مثلت حلمًا مشتركًا لكل الأسر السودانية، سلاحًا ذا حدين، إذ تحولت من أداة تكافؤ فرص وعدالة اجتماعية إلى أداة تمييز وإقصاء سياسي وعرقي. فبينما يُسمح للطلاب في مناطق سيطرة الجيش السوداني بأداء امتحاناتهم بشكل شبه طبيعي، يُحرم أقرانهم في دارفور وكردفان ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع من هذه الفرصة الأساسية، ليس فقط بسبب انعدام الأمن، بل نتيجة قرارات إدارية وسياسية تحول دون تمكنهم من الوصول إلى مراكز الامتحانات أو حتى تسجيل أسمائهم، مما يجعل التعليم أداة صريحة للحرب وتجزئة البلاد، ويهدد مستقبل مئات الآلاف من الطلاب، محولًا إياهم إلى وقود للصراع وضحايا لسياسات التهميش والإقصاء الممنهجة. يتجسد هذا التجسيد السياسي المأساوي في مئات القصص الإنسانية المفجعة، كقصة الطالب عمر القادم من غرب كردفان، الذي سافر مئات الكيلومترات إلى الشمالية لأداء امتحاناته، ليجد نفسه خلف القضبان بتهمة الانتماء لقوات الدعم السريع لمجرد كونه من منطقة تشهد نزاعًا مسلحًا، وكأن هويته الجغرافية أصبحت جريمة يعاقب عليها القانون بدلاً من أن تكون مجرد ظرف طارئ يستدعي التضامن والدعم. قصة عمر ليست معزولة ولا نادرة، بل هي نموذج مصغر لمعاناة جيل كامل من الشباب السوداني يدفع ثمن انقسام البلاد على أسس قبلية وسياسية، حيث تتحول الهوية الجغرافية والإثنية إلى تهمة ثابتة، ويصبح السعي نحو العلم والمعرفة جريمة يعاقب عليها النظام القضائي الهش، وتتحول الامتحانات من بوابة إلى المستقبل إلى بوابة إلى السجون والمعتقلات.
وفي قلب هذه المأساة المركبة، تبرز مسألة غياب المسؤولية التاريخية لكلا الطرفين المتحاربين كعنوان عريض لهذه الكارثة الإنسانية والتعليمية. فالجيش السوداني، الذي يحمل راية الدولة ويعتبر نفسه الحامي الشرعي لمؤسساتها، يتحمل مسؤولية تاريخية كبرى في فشله في حماية المؤسسات التعليمية من التدمير والنهب، وفي تحويل العديد من المدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية ومواقع لوجستية، مما جعلها أهدافًا مشروعة للطرف الآخر، وفي تعامله مع قضية الامتحانات كأداة سياسية للتمييز ضد مناطق بأكملها بحجة الأمن القومي، وفي إهماله البين لدفع رواتب المعلمين والأساتذة وتركهم يواجهون مصيرهم بمفردهم، وفي تخاذله عن توفير بدائل تعليمية للطلاب في مناطق النزاع أسوة بما فعلته دول أخرى في ظروف مشابهة. وفي المقابل، تتحمل قوات الدعم السريع مسؤولية تاريخية لا تقل جسامة في استهدافها المباشر والمتعمد للمؤسسات التعليمية كرموز للدولة والحداثة، وفي نهبها المنظم للمختبرات والمكتبات والمعدات التعليمية، وفي تحويلها المدارس إلى مراكز عمليات وثكنات ومخازن للسلاح، وفي إغفالها التام لأي التزامات إنسانية تجاه المدنيين وخصوصًا الأطفال والشباب في مناطق سيطرتها، وفي تعاملها مع التعليم باعتباره ترفًا غير ضروري في زمن الحرب، وفي فشلها في تقديم أي نموذج بديل للتعليم في المناطق التي تسيطر عليها رغم مرور سنوات على الصراع. هذا الغياب المزدوج للمسؤولية التاريخية من الطرفين يعكس أزمة أخلاقية وسياسية عميقة، حيث يصبح مستقبل الشباب السوداني ورقة تفاوضية رخيصة في صراع لا يبالي بمن يدفع الثمن، وتحولت الأجيال القادمة إلى رهينة في معادلة صفرية لا مكان فيها للتعليم كحق إنساني وقيمة وطنية عليا.
إن انهيار التعليم في السودان ليس مجرد أزمة وقتية يمكن تجاوزها بمجرد توقف القتال، بل هو كارثة اقتصادية واجتماعية وثقافية تمتد آثارها لعقود قادمة، وسيكون لها تأثير مدمر على القدرة التنافسية للسودان في الاقتصاد العالمي المعاصر القائم على المعرفة والابتكار. فمع توقف التعليم، تنفتح أبواب المخاطر الاجتماعية على مصراعيها أمام الشباب؛ حيث ارتفعت معدلات عمالة الأطفال بشكل مقلق ومخيف، خاصة في مناطق النزاع والنزوح، لتصل إلى حوالي تسعة وأربعين بالمئة في شرق دارفور وثمانية وأربعين بالمئة في جنوبها، مما يحرم هؤلاء الأطفال من طفولتهم وحقهم في اللعب والتعلم والنمو السليم، ويعرضهم للاستغلال الاقتصادي الجسيم والأعمال الخطرة التي تهدد صحتهم وحياتهم. كما أن الفتيات يدفعن ثمناً مضاعفاً ومضاعفاً لهذه الفجوة التعليمية، حيث تزايدت حالات الزواج المبكر والقسري بشكل كبير كخيار وحيد أمام الأسر الفقيرة والنازحة التي فقدت كل مصادر الدخل، مما يعرّض جيلاً كاملاً من الفتيات للاستغلال الجنسي والحرمان من مستقبلهن التعليمي والمهني، ويحول الأحلام والتطلعات إلى مجرد ذكريات في مخيلة طفلة صغيرة في مخيم للنزوح. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب أدت إلى دفع ما يقارب ستة ملايين وتسعمائة ألف شخص إلى الفقر المدقع في عام 2023م وحده، مع توقعات بانكماش اقتصادي حاد ستصل نسبته إلى ثمانية عشر بالمئة، مما سينعكس سلبًا على دخل الفرد ومستوى المعيشة لعقود قادمة، وسيجعل من الصعب جدًا على الأسر الفقيرة إعادة أبنائها إلى المدارس حتى في حال توقف القتال واستقرت الأوضاع الأمنية. في هذا السياق المأساوي، يصبح التعليم ليس مجرد حق أساسي من حقوق الإنسان، بل خط دفاع أخير ضد الجهل والتطرف والفقر المدقع والعنف المتفشي، وهو الحصن الوحيد القادر على حماية الشباب السوداني من الانزلاق إلى هوة العنف المسلح والانضمام إلى الميليشيات وعصابات النهب، أو الهجرة غير الشرعية عبر الصحراء والبحر إلى أوروبا بحثًا عن أمل ضائع. وتحذر التقارير الدولية المتخصصة بوضوح من أن استمرار التعليم، حتى في أبسط أشكاله وأكثرها بدائية، يمثل خط الدفاع الأخير ضد الجهل والعنف وفقدان جيل بأكمله، وهذا ما يجعل قضية التعليم قضية وجودية للدولة السودانية نفسها وليس مجرد ملف إنساني ثانوي يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب.
غير أن هذه الصورة القاتمة لا تخلو من بصيص أمل، إذ تبرز في خضم هذه الكارثة محاولات فردية ومجتمعية بطولية لتجاوز الأزمة، من حلقات تعليمية تطوعية في المخيمات ومدارس الفراشة التي يديرها نازحون متطوعون، إلى محاولات يائسة للتعليم الإلكتروني والرقمي حيثما تسمح التكنولوجيا وضعف شبكات الاتصالات، إلى مبادرات مجتمعية من منظمات المجتمع المدني لمحاربة الأمية وترسيخ ثقافة القراءة بين الأطفال في مراكز الإيواء. لكن هذه الجهود النبيلة تظل غير كافية وغير قابلة للتعميم دون تدخل دولي منظم ومستدام، ودون إرادة سياسية حقيقية من أطراف الصراع أنفسهم، ودون تعاون دولي واسع يفرض الحماية على المؤسسات التعليمية ويعيد بناء ما دمرته الحرب، ويوفر تمويلاً ضخماً وعاجلاً لإعادة تأهيل المدارس والجامعات وتدريب المعلمين وتأهيلهم نفسيًا ومهنيًا، ويخلق آليات مبتكرة لاستيعاب المتسربين ومنحهم فرصة ثانية للتعلم، ويمنع تحويل التعليم إلى سلاح في الحرب وورقة مساومة سياسية.
إن استمرار الفجوة التعليمية بتعمقها الكارثي الحالي يعني ضياع مستقبل السودان ذاته، وإهدار الطاقة البشرية التي كانت تمثل الثروة الحقيقية الوحيدة للبلاد بعد النفط والذهب. لذلك، لا بد من تحرك عاجل ومشترك على عدة مسارات متوازية ومتكاملة:
● أولها : وقف فوري وشامل لإطلاق النار لحماية المؤسسات التعليمية كمناطق آمنة ومحايدة، مع تفعيل آليات المراقبة الدولية والمحلية لضمان عدم استهدافها أو استخدامها لأغراض عسكرية.
● ثانيها : تقديم دعم مالي وعيني عاجل وكبير لإعادة تأهيل المدارس والجامعات المتضررة ودفع رواتب المعلمين والأساتذة المتوقفة منذ أكثر من عامين، مع إعادة النظر في هيكلة الأجور لتكون محفزة للحفاظ على الكفاءات ومنع هروبها للخارج.
● ثالثها : تبني برامج تعليمية بديلة ومرنة وشاملة لاستيعاب النازحين والمتسربين في كل مناطق السودان دون تمييز جغرافي أو عرقي، مع التركيز القوي على الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب والمعلمين على حد سواء، وتدريب المعلمين على التعامل مع صدمات الحرب ومتطلبات التعليم في الظروف الاستثنائية.
● رابعها : تفعيل مبدأ العدالة المطلقة في العملية التعليمية، وضمان ألا تكون الجغرافيا أو الانتماء السياسي أو الإثني عائقًا أمام حق أي طالب سوداني في أداء امتحاناته واستكمال تعليمه، وأن تتوحد المعايير والمناهج في كل مناطق السودان ليكون الطلاب قادرين على المشاركة في بناء وطنهم حين يحل السلام الحقيقي.
● خامسها : ضرورة محاسبة الأطراف التي استهدفت التعليم كسلاح في حربها، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية والعلمية التي طالما تميز بها السودانيين، واستعادة المشروع الوطني للتعليم كأداة للوحدة والتنمية وليس الانقسام والصراع، فالتعليم في السودان لم يكن يومًا رفاهية، بل كان حلمًا جماعيًا لأمة بأكملها، حلمت بالنهضة والتحرر من أغلال الجهل والتخلف. واليوم، في أتون حرب أبريل، يتجسد هذا الحلم في صورة طفل سوداني يحمل كتابًا وسط الركام، أو شاب يجلس في خيمة نازحين يحاول حفظ درس من دروسه، فهؤلاء يمثلون الأمل الحقيقي في غد أفضل، الأمل الذي لا يجب أن يُقتل تحت وطأة الفجوة التعليمية التي صنعتها الحرب، بل يجب أن يُروى ويدعم ليصبح شجرة وارفة الظلال في يوم سيعود فيه السلام إلى أرض النيلين، وسيعود فيه الشباب السوداني إلى مدارسهم وجامعاتهم ليكملوا ما بدأوه ويحققوا ما حلموا به.
بتاريخ 7يوليو2026م
abdualmajidaltahirmohamad@gmail.com



