مفارقة الوجدان والسياسة في السودان

بقلم: محمد آدم إدريس
من نبل الفرد إلي أزمة
العقد الاجتماعي.
يجمع كل من خالط الشعب السوداني علي امتلاكه لمنظومة قيمية فريدة، تمثل في الكرم المتاصل،والشهامة المدفوعة بنجدة الملهوف،والتكاتف الاسري الممتد،كلها صفات تشكل هوية الفرد السوداني وتمنحه رقيأ إنسانيأ مشهودأ.ومع ذلك، يقف المراقب المعاصر مذهولأ أمام مفارقة صارخة: كيف لهذا المجتمع المشبع بقيم التضامن الإنساني علي المستوي الجزئي(الفرد ) أن يعجز تاريخيأ عن صياغة مشروع وطني جامع مستقر علي المستوي الكلي( الدولة)؟ ولماذا ينجح السودانيون في إظهار اسمي ايات التكافل إبان الكوارث الطبيعيةوالاجتماعية، بينما يتعثرون في بناء عقد اجتماعي متين يحمي الدولة من التحلل والانهيار عند كل منعطف سياسي؟ الإجابة لهذا السؤال تكمن في
أزمة العقد الاجتماعي وغياب مفهوم الدولة.
إن الجذور التاريخية لهذه المفارقة تكمن في أن السودان، كدولة بحدودها الحديثة،نشأ في سياق استعماري فرض إطارأ قانونيأ وإداريأ فوقيأ لم يصاحبه تطور طبيعي لروح وطنية جماعية،عابرة للتعدد الاثني وتحول الفرد السوداني إلي كائن اجتماعي بامتياز ولكنه لم يتحول بالقدر الكافي إلي كائن سياسي يري في الدولة أداة لحمايته وتحقيق مصالحه،بل ظل ينظر إليها ككيان غريب أو غنيمة تتصارع عليها الصفوة.
هذا الفراغ في الروح الوطنية الجامعة لم يكن خطأ في جينات المجتمع، السوداني، بل هو نتاج لفشل الصفوة السياسية المتعاقبة منذ الاستقلال في إدارة التنوع.عوضأ عن بناء هوية سودانية شاملة تستوعب الجميع،تم الارتداد غالبأ الي الولاءات الضيقة الأولية(القبلية،الجهوية) كادوات للوصول إلي السلطة أو الحفاظ عليها.ونتيجة لذلك، ضعفت الرابطة الوجدانية التي تربط جميع السودانيين بوطنهم ، وحل محلها شعور بالظلم والتهميش والاقصاء.في اطراف البلاد.
التحلل الوجودي و صعود القبلية الحادة :-
في ظل غياب مؤسسات الدولة القوية والعادلة، وجد المواطن نفسه مجبرأ علي الاحتماء بالقبيلة باعتبارها شبكة ألامان الوحيدة المتبقية له. هذا الصعود الحاد للقبلية وتسييسها أدي إلي تأكل الوجدان الوطني المشترك،وتحول الصراع من تنافس سياسي حول البرامج والتنمية، إلي صراع وجودي صفري بين مكونات المجتمع.
ان ما يمر به السودان اليوم يتجاوز مجرد أزمة سياسية أو عسكرية، إنه يلامس مرحلة التحلل الوجودي أو ما يمكن تسميته ( بالتقسيم الفوضوي).عندما تسقط فكرة الدولة في وعي المواطن، وتتحول الحرب إلي مواجهات جهوية وأثنية،تصبح البلاد عرضة للتفكك الذي لا يقف عند حدود جغرافية معينة، بل قد ينتهي إلي حروب أهلية متطاولة لا منتصر فيها،مع غياب تام لفهوم الدولة الوطنية لفترة طويلة.والحل تكمن في طريق الخلاص نحو معجزة الحوار (السوداني .السوداني )
عبره يمكن النهوض بالسودان من هذا المصير القائم إلي دولة ذات سيادة شرعية معترفة بها دوليا في اروقة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ، يتطلب مايشبه المعجزة السياسية لكنها معجزة ممكنة لأنها مصنوعة بأيادي السودانيين أنفسهم. ويكون المخرج الوحيد يكمن في الانتقال من مربع الصراع العسكري والجهوي إلي مربع التأسيس الدستوري والسياسي عبر حوار سوداني.سوداني شامل وحقيقي. ولكي يكتب لهذا الحوار النجاح ويكون رافعة للتحول المدني الديمقراطي، يجب أن يستند إلي الشمولية والعدالة:ووضح الرؤية بمشاركة كافة مكونات الشعب السوداني ، ماعدا المؤتمر المؤتمر الوطني وواجهاته التي اوصلت البلاد لسياسات التمكين وساهمت في القتل والتشريد و التفتيت القبلي علي مدي عقود ، لضمان عدم اعادة إنتاج الأزمة ذاتها بوجوه جديدة.مع ضرورة اعادة تعريف الهوية الوطنية بالاتفاق علي نظام حكم يضمن المواطنة المتساوية بلا تمييز ،وتوزيعأ عادلأ للثروة والسلطة، بحيث تصبح الدولة هي الحامي الفعلي للفرد، بدلأ من القبيلة.
في الختام :
السودان يقف الآن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في طريق التحلل والتشظي الفوضوي المدفوع بالقبلية السياسية،أو استدعاء ذلك الرقي الإنساني الكامن في الشخصية السودانية وترجمته إلي فعل سياسي ناضج، أن الطيبة والشهامة والكرم صفات عظيمة، لكنها تحتاج إلي سياج قانوني ودستوري،يحميها. إن الوجدان السوداني الجميل يستحق دولة تليق به، وبناء هذه الدولة يبدأ بوعي الجميع بأن الوطن لا يبني بالبندقية أو الانحياز للقبيلة،بل بالاتفاق علي كلمة سواء تحفظ للجميع كرامتهم وحقوقهم في
سودان مدني ديمقراطي حر موحد ، تسود فيها قبم الحرية و العدالة والمساواة، في وطن يسع الجميع بلا تمييز.
يوم الأربعاء الموافق 17/6/2026



