من أبوجا إلى جوبا إلى 15 أبريل: عندما يصنع “سلام المناصب” الحرب

بقلم: عاطف محمد أحمد
من الخامس من مايو 2006 إلى الخامس عشر من أبريل 2023.. سبعة عشر عاماً كافية لتؤكد أن السلام بلا عدالة ليس إلا هدنة مؤقتة
في الخامس من مايو 2006، وقّع البعض في أبوجا على ما سُمّي “اتفاق سلام دارفور”. مائة وخمس عشرة صفحة، تقاسم سلطة، ودمج أربعة آلاف مقاتل في الجيش، وثلاثون مليون دولار تعويضات، وتعهد بنزع سلاح الجنجويد قبل منتصف أكتوبر من العام ذاته.
بعد تسعة عشر عاماً، لم يُنزع سلاح الجنجويد. تبخرت التعويضات. وتحولت الاتفاقية إلى حبر على ورق. أما الحرب، فقد عادت بوجه أشد قسوة في الخامس عشر من أبريل 2023.
أبوجا لم تنهِ الحرب.. بل أجّلت انفجارها الكبير
لو قرأنا اتفاقية أبوجا بعين اليوم، سنفهم لماذا اندلعت حرب 15 أبريل. أبوجا لم تحل قضية دارفور، بل صنعت قنبلة موقوتة انفجرت في الخرطوم. والدليل 7 بنود فشلت فأنتجت الحرب:
- بند نزع سلاح الجنجويد – المادة 25
ما وعدت به أبوجا: نزع سلاح المليشيات والجنجويد بحلول 15 أكتوبر 2006 + دمجهم.
ما حدث: لم يُنزع السلاح، بل تم تقنين المليشيا وتسليحها وتحويلها إلى “قوات الدعم السريع”.
النتيجة في 15 أبريل: الطرف الذي كان يجب نزع سلاحه صار أحد طرفي الحرب ويقاتل الجيش في قلب الخرطوم. - بند الترتيبات الأمنية – المادة 24
ما وعدت به أبوجا: دمج 4000 من مقاتلي الحركات في الجيش + 1000 في الشرطة تحت إشراف مشترك.
ما حدث: دمج شكلي بلا سلطة حقيقية للحركات، واستبعادها من القرار الأمني.
النتيجة في 15 أبريل: غياب رؤية أمنية وطنية موحدة جعلت المؤسسة العسكرية ساحة صراع بين مراكز قوى حزبية وعسكرية. - بند تقاسم السلطة – المادة 7
ما وعدت به أبوجا: مناصب في المركز والإقليم لناشطي دارفور.
ما حدث: مناصب بلا صلاحيات، والقرار السيادي ظل بيد المركز والحركة الإسلامية.
النتيجة في 15 أبريل: عندما تصادمت مراكز القوى داخل السلطة، لم تجد البلاد إطاراً سياسياً مدنياً يحميها من الانفجار العسكري. - بند التعويضات والعدالة – المادة 34
ما وعدت به أبوجا: 30 مليون دولار تعويضات للضحايا + لجنة تحقيق.
ما حدث: تعويضات تبخرت + لا محاسبة + لا عدالة انتقالية + عقلية الإفلات من العقاب استمرت.
النتيجة في 15 أبريل: من لم يُحاسب على جرائم دارفور، كر ذات النموذج في الخرطوم ومدني والجنينة. الحرب صارت “حلاً” بدل العدالة. - بند الثروة والتنمية – المادة 15
ما وعدت به أبوجا: تخصيص موارد لإعمار دارفور ومشاركة في الثروة القومية.
ما حدث: مركزية اقتصادية استمرت، والموارد ذهبت لتسليح المليشيات بدل التنمية.
النتيجة في 15 أبريل: اقتصاد الحرب حل محل اقتصاد الدولة، وأصبحت السيطرة على الموارد سبباً مباشراً للصراع بين طرفي أبريل. - بند معالجة جذور الأزمة
ما وعدت به أبوجا: لا شيء. الاتفاقية تعاملت مع دارفور كملف أمني إداري.
ما حدث: لم تُناقش قضايا مركز/هامش، الهوية، شكل الدولة، دور الحركة الإسلامية.
النتيجة في 15 أبريل: الأزمة التي لم تُحل في دارفور 2006 انتقلت للمركز وانفجرت 2023. نفس المرض، جولة جديدة. - بند وقف إطلاق النار الدائم
ما وعدت به أبوجا: وقف دائم لإطلاق النار تحت مراقبة دولية.
ما حدث: هدنة مؤقتة انهارت، وشرعنة لسلاح خارج الدولة.
النتيجة في 15 أبريل: “السلام الشكلي” في أبوجا علّم الأطراف أن الحرب أداة تفاوض، فعادوا لها بأسلحة أثقل وعاصمة أكبر.
ومن أبوجا إلى جوبا.. تكرار الخطيئة ببصمة أوضح
في 3 أكتوبر 2020 وقّعت الحكومة الانتقالية على “اتفاق جوبا للسلام”. لم يصحح أخطاء أبوجا، بل كرها وزاد عليها. وها هي 6 بنود رئيسية في جوبا صنعت طريق 15 أبريل:
- بروتوكول الترتيبات الأمنية – المسار العام
ما وعدت به جوبا: دمج وتسريح قوات الحركات خلال 39 شهراً + جيش قومي واحد مهني.
ما حدث: تأجيل الدمج لـ 3 سنوات + بقاء قوات الحركات والدعم السريع كجيوش موازية.
النتيجة في 15 أبريل: الـ39 شهر كانت “فترة سماح” لتسليح الطرفين. انفجر الصراع قبل اكتمال الدمج. - بند تقاسم السلطة – الفصل الثاني
ما وعدت به جوبا: مناصب سيادية وسيادية وتنفيذية لموقعي جوبا + مجالس انتقالية.
ما حدث: تحول السلام إلى “غنيمة وظائف”. 3 مناصب في مجلس السيادة + وزارات + ولاة.
النتيجة في 15 أبريل: اصطفاف عسكري ضد المدنيين لحماية المناصب. هذا الاصطفاف هو ما أنتج انقلاب 25 أكتوبر 2021، والانقلاب هو ما مهد الطريق لحرب أبريل. - بند العدالة الانتقالية – الفصل الخامس
ما وعدت به جوبا: محاكم خاصة لدارفور + لجنة الحقيقة والمصالحة + تعويضات.
ما حدث: لا محاكمات + لا لجنة حقيقة + تعويضات لم تصل. “الإفلات من العقاب” استمر شرعياً.
النتيجة في 15 أبريل: من أفلت من محاسبة دارفور، لم يخشَ ارتكاب جرائم الخرطوم. غياب العدالة صنع ثقافة “الحرب بلا ثمن”. - بند الثروة وتقاسم الموارد – الفصل الثالث
ما وعدت به جوبا: 40% من عائدات الإقليم + صندوق إعمار دارفور 750 مليون دولار سنوياً.
ما حدث: المركز احتفظ بالسيطرة + الموارد ذهبت لتمويل الجيوش والمليشيات بدل الخدمات.
النتيجة في 15 أبريل: الصراع على موارد الذهب والنفط والموانئ صار سبباً مباشراً في اشتعال الحرب بين مراكز القوى. - بند أمن الإقليم – مسار دارفور
ما وعدت به جوبا: “القوات المشتركة لحفظ الأمن في دارفور” + نزع سلاح المليشيات.
ما حدث: قوات مشتركة بلا تمويل ولا صلاحيات + استمرار تسليح المليشيات القبلية.
النتيجة في 15 أبريل: دارفور ظلت ساحة صراع مسلح. وعندما اشتعلت الخرطوم، انتقلت الحرب للجنينة وكتم ونيالا بنفس السيناريو. - بند استبعاد غير المسلحين
ما وعدت به جوبا: سلام بين الحكومة والحركات المسلحة فقط.
ما حدث: إقصاء كامل للمدنيين والقوى السياسية والمهنية من صناعة السلام.
النتيجة في 15 أبريل: فراغ سياسي مدني سمح للعسكر والمليشيات باختطاف القرار. لما تصادموا، لم يكن هناك طرف مدني قوي يمنع الانفجار.
الخلاصة: أبوجا 2006 شرعنت المليشيا. جوبا 2020 شرعنت النخب المسلحة وأجلت الدمج 39 شهراً. الاثنتان تجاهلتا جذور الأزمة والعدالة. فكانت حرب 15 أبريل المحصلة الحتمية لـ “سلام المناصب” بدل “سلام الوطن”.
من أبوجا وجوبا إلى نيروبي: تشريح جذور الأزمة
وفي اجتماعات نيروبي الأخيرة، ذهب عبدالواحد أبعد من نقد أبوجا وجوبا. وضع يده على “أبعاد الحركة الإسلامية في خراطة الطريق القادم” كأحد أهم مفاتيح فهم الأزمة السودانية.
فمنذ الاستقلال وحتى اليوم، ظلت الحركة الإسلامية – بوصفها مشروعاً سياسياً مسيطراً على الدولة – هي التي صاغت قواعد اللعبة: مركزية السلطة، إقصاء الهامش، وتحويل الدين إلى أداة حكم بدل أن يكون قيمة جامعة. أبوجا وجوبا فشلتا لأنهما ناقشتا تقاسم السلطة داخل ذات القواعد التي أنتجت الحرب، دون أن تمس جوهر المشروع الذي يخرط الطريق. وحرب 15 أبريل هي المحصلة الحتمية لهذه القواعد.
من هذا الإدراك، اختار عبدالواحد الحياد عن صراع السلطة، والانحياز الكامل لدماء الضحايا. ومنذ أبوجا 2006 وحتى اليوم، ظل الموقف ثابتاً: لا اتفاقية بلا محاسبة، ولا سلام بلا عدالة انتقالية، ولا مستقبل بلا تفكيك البنية التي أنتجت الحرب.
ومن هنا تأتي مبادرة الحركة للحوار السوداني السوداني
إدراكاً من حركة/جيش تحرير السودان أن فشل أبوجا وجوبا هو الذي أوصلنا إلى 15 أبريل، تطرح الحركة اليوم مبادرة “الحوار السوداني السوداني” كمسار بديل. حوار لا يقوم على تقاسم كراسي بين طرفي الحرب، بل على تشريح موضوعي لأزمة الدولة السودانية ومكوناتها، بما في ذلك الدور التاريخي للحركة الإسلامية في تشكيل الدولة.
الحوار الذي تدعو إليه الحركة يضع إنهاء حرب 15 أبريل في مقدمة أولوياته، لكنه لا يكتفي بوقف إطلاق النار. يبدأ بمخاطبة جذور الأزمة: مركز الهامش، الهوية، توزيع السلطة والثروة، وسيادة حكم القانون. لأن وقف الحرب دون تفكيك أسبابها يعني فقط تأجيل جولة جديدة منها.
شروط نيروبي: المسار الإنساني ووقف إطلاق النار قبل أي حديث سياسي
ودرس أبوجا وجوبا علّمنا أن توقيع الاتفاق أولاً ثم الحديث عن الناس لاحقاً = فشل محقق. لذلك تضع الحركة في نيروبي شرطين غير قابلين للتفاوض قبل أي مسار سياسي:
- المسار الإنساني العاجل
فتح ممرات آمنة لإيصال الإغاثة دون قيود. السماح للمنظمات الدولية والمحلية بالوصول لكل المتضررين في الخرطوم، دارفور، كردفان، الجزيرة. حماية المدنيين والمستشفيات والمدارس من الاستهداف. فالجوع والمرض يقتلان الآن أكثر من الرصاص، ولا شرعية لأي اتفاق يتجاهل إنسان اليوم مقابل وعود غد. - وقف إطلاق نار حقي وملزم
ليس هدنة 72 ساعة تُخرق في الساعة الأولى. وقف شامل بإشراف ورقابة دولية، سحب القوات من الأحياء والمدن، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة. فلا حوار يُبنى على جث، ولا سلام يُصنع ودوي المدافع يسمع في القاعة.
هذان الشرطان ليسا “بنوداً تفاوضية” بل “مدخل إنساني” لأي حديث عن مستقبل. من فشل في حماية مواطنه وقت الحرب، لا يُؤتمن على صياغة دستوره وقت السلم. نيروبي يجب أن تبدأ بإنقاذ الأرواح قبل تقاسم الكراسي.
واليوم في نيروبي، نقف أمام المرآة الأخيرة للتاريخ.
جوبا 2020 منحت المناصب وتجاهلت الجذور. أبقت على سلاح خارج الدولة 39 شهراً. استبعدت المدنيين وصنعت اصطفافاً عسكرياً. فكانت النتيجة: انقلاب 25 أكتوبر، ثم حرب 15 أبريل.
درس جوبا أوضح من درس أبوجا: السلام الذي يبدأ بتقاسم الكراسي ينتهي بتقاسم المقابر. والسلام الذي يؤجل الترتيبات الأمنية، يؤجل الحرب فقط ولا يلغيها.
فالسؤال الآن ليس: هل نوقع اتفاقاً جديداً؟
السؤال: هل نكرر خطيئة جوبا باتفاق نخبوي آخر يسكت البندقية عامين ثم تعود الحرب أشد؟ أم نبدأ في نيروبي حواراً سودانياً سودانياً حقياً يفك بنية “سلام المناصب” التي صنعتها جوبا، ويبني دولة المواطنة التي أجلتها كل الاتفاقيات؟
يقول درس جوبا إن تأجيل معالجة جذور الأزمة أخطر من الأزمة نفسها. لأن كل يوم تأجيل = دم جديد، ومدينة جديدة تتحول لخراب.
أمامنا في نيروبي خياران لا ثالث لهما:
إما أن تكون نيروبي “جنازة جوبا” ونبدأ من الصفر: حوار وطني شامل، عدالة انتقالية، جيش واحد، دولة مدنية.
وإما أن تكون نيروبي “جوبا جديدة” نكتب عنها بعد 3 سنوات: “كررنا الخطأ نفسه.. ودفعنا الثمن نفسه”.



