مقالات الرأي

من أجل من تستمر الحرب؟

حين تصبح السلطة أهم من حياة الإنسان السوداني

بقلم: د. كمال عبدالعزيز
8 سبتمبر 2026م

بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، ربما آن الأوان لأن نخرج من أسر السؤال التقليدي: من انتصر ومن انهزم؟ من يسيطر على الأرض؟ ومن يملك الشرعية؟ فهذه الأسئلة، مهما كانت أهميتها في الحسابات العسكرية والسياسية، لا تلامس جوهر المأساة السودانية. السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يواجه به كل من يملك قرار الحرب والسلام هو: من أجل من تستمر هذه الحرب؟ من أجل الدولة؟ من أجل الوطن؟ من أجل الجيش؟ من أجل السلطة؟ أم من أجل مشروع سياسي وأيديولوجي يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه؟ وإذا كان الجواب أنها تستمر من أجل السودان، فإن السؤال الأخطر يصبح: أي سودان يبقى عندما يموت السودانيون؟ فالوطن ليس أرضًا بلا بشر، والدولة ليست مؤسسات بلا مواطنين، والسلطة لا يمكن أن تكون غاية مستقلة عن الإنسان. عندما يصبح المواطن هو الثمن الدائم لبقاء مشروع سياسي، فإننا نحتاج إلى إعادة التفكير في معنى الدولة نفسها، وفي معنى الوطنية، وفي معنى الانتصار.

منذ أن بدأ الفكر السياسي الحديث في مساءلة علاقة الإنسان بالسلطة، ظل السؤال الأساسي هو: لماذا يقبل الإنسان بوجود الدولة والسلطة؟ عند توماس هوبز، كان الخوف من الموت والفوضى سببًا مركزيًا في نشوء السلطة؛ فالإنسان يقبل سلطة الدولة لأنه يريد الخروج من حالة يكون فيها الموت والخوف قانون الحياة. وعند جون لوك، تصبح حماية الحياة والحرية والملكية أساسًا لشرعية السلطة، فإذا فشلت السلطة في حماية الحقوق فقدت جانبًا جوهريًا من مبرر وجودها. أما جان جاك روسو، فقد نقل المسألة إلى مستوى آخر حين ربط شرعية الدولة بالإرادة العامة، أي بأن تكون السلطة تعبيرًا عن المجتمع لا ملكًا لفئة تدعي امتلاك الوطن. ومن منظور كانط، تصبح كرامة الإنسان قيمة لا يجوز تحويلها إلى مجرد وسيلة لتحقيق غاية أخرى. وعندما ننقل هذه الأفكار إلى السودان، يظهر السؤال بصورة أكثر قسوة: إذا كانت الدولة موجودة لحماية الإنسان، فكيف يمكن أن يصبح الإنسان هو أكثر من يدفع ثمن استمرار الدولة والسلطة؟

هذه ليست مسألة فلسفية بعيدة عن الواقع؛ إنها قلب الأزمة السودانية. فالفلسفة تصبح بلا معنى إذا لم تساعدنا على فهم الإنسان في لحظة أزمته، والسياسة تصبح خطيرة عندما تنفصل عن الأخلاق. الإنسان السوداني الذي فقد منزله، والذي خرج من مدينته تحت القصف، والذي يعيش في النزوح، والذي فقد مصدر رزقه، والذي لا يستطيع إرسال طفله إلى المدرسة، لا يعيش أزمة نظرية في مفهوم الدولة؛ إنه يعيش السؤال الفلسفي في أقسى صورة ممكنة: هل حياتي وكرامتي مهمة لدى من يقررون مصيري؟ وكل خطاب سياسي لا يبدأ من هذا السؤال ينتهي في الغالب إلى الدفاع عن السلطة أكثر مما يدافع عن الإنسان.

لقد أنتجت الحرب خلال أكثر من ثلاثة أعوام واقعًا لا يمكن اختزاله في خرائط السيطرة العسكرية. هناك إنسان سوداني تغيرت حياته إلى الأبد، وهناك مجتمع يتشقق تحت ضغط الخوف والنزوح والفقدان والكراهية. وهناك جيل من الأطفال يتعلم أن الاختلاف قد يعني الموت، وأن الآخر قد يكون عدوًا، وأن السلاح هو الوسيلة الأسرع لحل الخلاف. وهنا نستطيع أن نستحضر الفكرة العميقة لدى حنة أرندت حول خطورة تحويل الإنسان إلى مجرد رقم داخل أنظمة القوة والسياسة؛ فالخطر لا يبدأ فقط عندما يُقتل الإنسان، بل عندما يفقد الفرد قيمته بوصفه إنسانًا ويصبح مجرد “حالة” أو “خسارة” أو “رقمًا” داخل حسابات أكبر منه. وعندما يصبح موت المدنيين مجرد “تكلفة للحرب”، فإن اللغة السياسية نفسها تبدأ في نزع إنسانية الضحية.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط: لماذا لم تنتهِ الحرب؟ بل: لماذا لم تصبح معاناة السودانيين سببًا كافيًا لإنهائها؟ إذا كانت الحرب قد استمرت كل هذه السنوات دون حسم عسكري نهائي ينهي الصراع، وإذا كان المدنيون هم الذين يتحملون الجزء الأكبر من آثارها، فإن الإصرار على الحسم العسكري يحتاج إلى مراجعة سياسية وأخلاقية. لا أحد ينكر حق أي دولة أو مؤسسة أو جماعة في الدفاع عن نفسها، ولا يعني وقف الحرب إلغاء حق العدالة أو المساءلة، لكن هناك فرقًا بين استخدام القوة كوسيلة محددة لتحقيق هدف سياسي، وبين تحول القوة إلى غاية مستمرة لا يعرف المجتمع متى تنتهي. الحرب وسيلة وليست عقيدة. وعندما تستمر الوسيلة بعد أن يصبح ثمنها أكبر من قدرتها على تحقيق الهدف، فإن التمسك بها يصبح سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا مشروعًا.

وما قيمة الحسم العسكري إذا انتهت المعركة ولم يعد الوطن صالحًا للحياة؟ وما قيمة السيطرة على الأرض إذا كان أهلها قد نزحوا؟ وما قيمة رفع راية الدولة فوق مدينة مدمرة إذا لم يستطع المواطن أن يشعر بالأمان فيها؟ هنا يجب أن نعيد تعريف الانتصار. الانتصار ليس فقط أن تهزم خصمك عسكريًا؛ الانتصار أن تمنع وطنك من التحول إلى مقبرة مفتوحة. الانتصار أن تعيد النازح إلى منزله، وأن تعيد الطفل إلى مدرسته، وأن تعيد المريض إلى المستشفى، وأن تعيد الثقة بين المجتمعات.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x