مقالات الرأي

من الجذور إلى المستقبل : قوة الحركة وجهود الداخل والخارج في مواجهة جذور الأزمة السودانية

بقلم : زيدان تور

لم تعد الأزمة السودانية مجرد حرب بين أطراف متصارعة، بل هي نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة . ولهذا فإن قوة أي مشروع سياسي لا تُقاس فقط بحضوره العسكري ، وإنما بقدرته على فهم جذور الأزمة وتقديم رؤية تتجاوز لحظة الحرب .
ومن هذا المنطلق ، النظر إلى تجربة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور باعتبارها تجربة سياسية ارتبطت منذ بداياتها بقضايا التهميش ، والعدالة ، والمواطنة، وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة .
من دارفور وكردفان والنيل الأزرق إلى سؤال السودان
أحد أبرز التحولات في خطاب الحركة هو تجاوز قضية الإقاليم إلى طرح سؤال الدولة نفسها : لماذا ظل السودان يعيد إنتاج الحروب ؟ ولماذا أصبحت التعليم و السلطة والثروة والتنمية مركزة في مناطق محددة ؟
هذه الأسئلة تجعل قضية دارفور و كردفان والنيل الازرق جزءاً من أزمة وطنية أوسع ، وليست قضية منفصلة عن بقية السودان .
فالحل ، وفق هذا المنظور ، لا يكون بتوزيع المناصب فقط ، وإنما بمعالجة جذور الخلل في بنية الدولة ، وترسيخ المواطنة المتساوية، والعدالة ، والفدرالية ، والديمقراطية ، وسيادة القانون .
فأن قوة الحركة في تعدد ساحات العمل
لا ينبغي اختزالها في الجانب العسكري .
فهناك العمل السياسي والتنظيمي، والحضور الجماهيري ، والإعلام، والعلاقات الخارجية ، ونشاط السودانيين في المهجر .
وفي الداخل ، يبقى التحدي الأساسي هو الحفاظ على الصلة بالمجتمع والدفاع عن قضايا المدنيين، وتحويل الأفكار السياسية إلى برامج عملية تمس حياة الناس .
في الخارج ، تبرز أهمية الدبلوماسية الشعبية والإعلامية ، والتواصل مع المؤسسات الدولية والحقوقية، وشرح جذور الأزمة السودانية للرأي العام العالمي .
وهنا تصبح الجاليات والمنصات الإعلامية جزءاً من معركة الوعي ، لا مجرد امتداد جغرافي للحركة .
معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي ، أصبحت الرواية السياسية نفسها ساحة للصراع .
لذلك تحتاج الحركة إلى إعلام يقوم على المعلومات والتوثيق والحوار، لا على الشعارات وحدها. فكلما ارتفع مستوى الخطاب السياسي والإعلامي ، أصبحت القدرة على إقناع المجتمع السوداني والعالم بالقضية أكبر .
والأهم أن تكون هناك مساحة للنقد والمراجعة؛ لأن الحركة التي لا تسمع النقد قد تحافظ على خطابها ، لكنها تفقد قدرتها على التطور.
من قوة الحركة إلى قوة المشروع
التحدي الحقيقي أمام الحركة اليوم ليس فقط المحافظة على وجودها، وإنما تحويل تاريخها السياسي إلى مشروع وطني قادر على الإجابة عن أسئلة المستقبل .
كيف تُبنى دولة المواطنة ؟ كيف توزع السلطة والثروة بعدالة؟ كيف يعاد بناء الجيش على أساس مهني ؟ كيف تتحقق العدالة للضحايا ؟ وكيف تتحول المناطق المتضررة من الحرب إلى مناطق للتنمية والاستقرار ؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة أي مشروع سياسي.
المستقبل يحتاج إلى مشروع جامع
السودان أكبر من أي حركة أو حزب أو قبيلة أو إقليم .
ولذلك فإن نجاح أي مشروع سياسي مرتبط بقدرته على مخاطبة السودانيين جميعاً ، واحترام التنوع ، ورفض إعادة إنتاج الإقصاء بصورة جديدة .
إن معالجة جذور الأزمة لا تعني إطالة الحرب، بل تعني الوصول إلى سلام حقيقي لا يعيد إنتاج أسباب الحرب .
فإن قوة حركة جيش تحرير السودان ليست في عدد المنابر التي تتحدث باسمها ، وإنما في قدرتها على تحويل القضية من مأساة دارفور وكردفان والنيل الأزرق إلى مشروع لبناء سودان علماني لبرالي فدرالي ديمقراطي حر موحد ؛ سودان تكون فيه المواطنة أساس الحقوق ، والديمقراطية أساس الحكم ، والعدالة أساس السلام .
من الجذور تبدأ الحكاية ، ومن وضوح الرؤية يُبنى المستقبل .

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x