مقالات الرأي

من الحياد إلى المشروع السياسي: كيف تقرأ حركة عبد الواحد مرحلة السودان الحالية؟


بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن( مجنق)


في ظل حرب استمرت سنوات وأنهكت السودان، واختيارات سياسية تتنازعها الاصطفافات العسكرية، تعود رؤية عبد الواحد محمد النور إلى الواجهة بوصفها نموذجًا مختلفًا في قراءة الراهن. فبموقفه المعلن القائم على الحياد وعدم الانخراط في الحرب بين الجيش والدعم السريع، يطرح عبد الواحد ليس مجرد موقف دفاعي، بل مشروع سياسي أكبر يسعى إلى الانتقال من منطق المقاومة إلى منطق التحول.
الحياد: رفض ليس خوفًا
عندما قرر عبد الواحد محمد نور أن يتخذ موقف الحياد، لم يكن ذلك نتيجة خوف أو تراجع، بل كان قرارًا استراتيجيًا يعكس قراءة عميقة للمشهد. كما صرح في بيان له: “قصطنا مع تحرير السودان تمسكًا بموقفها المعلن البقاء في الحياد وعدم المشاركة في هذه الحرب التي تدور بين القوات العسكرية”.
هذا الموقف ليس هامشيًا، بل هو تعبير عن رفض منطق الاصطفاف العسكري الذي يحوّل السودان إلى ساحة لصراع النفوذ بين طرفين لا يطمحان للسلام بقدر ما يطمحان للاستقرار الممكن. الحياد هنا يصبح مشروعًا في حد ذاته: مشروعًا يرفض أن يكون السودان ألعوبة في يد العسكريين، ويشدد على أن الحل يجب أن يكون سودانيًا-سودانيًا.
المشروع السياسي: من التحرر إلى العدالة
ما يميز رؤية عبد الواحد ليس فقط موقفه من الحرب، بل المشروع الذي يقف وراء هذا الموقف. في إحدى خطبه الثابتة، قال: “لسنا جيشًا يسعى إلى سلطة، بل حركة تحررٍ تسعى إلى عدالةٍ تصون إنسان هذا الوطن”.
هذه العبارة تكشف الجوهر الحقيقي لمشروع عبد الواحد: ليس السلطة، بل العدالة. ليس الحكم، بل التحرر. في هذا المشروع، يصبح السودان وطنًا للإنسان السوداني، لا ساحة للسيطرة. وهذا يختلف جذريًا عن مشروعات أخرى تركز على توزيع السلطة بين الأطراف العسكرية، بينما يتجاهلون البnedi الاجتماعي والعدالة الحقيقية.
المشاورات في أديس أبابا: اختبار للمسار السياسي
مع انعقاد مشاورات أديس أبابا من 3 إلى 5 يونيو 2026، التي نظمها الآلية الخماسية لإنهاء الحرب في السودان، عاد السؤال عن مدى فعالية هذه المشاورات في إنتاج مسار سياسي حقيقي.
هنا يتجلى موقف عبد الواحد بوضوح: رفضه التوقيع مع الكتلة الديمقراطية على الرؤية المشتركة في اجتماع أديس أبابا، وتصريحه بعدم إشراك المؤتمر الوطني في مباحثات الخماسية.
هذا الموقف يعكس قراءة دقيقة: المشروع السياسي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بمشاركة أطراف تعتبر جزءًا من النظام السابق أو سببًا في الأزمة. المشاورات في أديس أبابا، رغم أهميتها، تبقى محدودة بتمثيلها الضيق وخلافاتها حول المشاركين والشرعية.
الراهن السياسي: حرب طويلة وأفق ضبابي
الوضع الراهن في السودان يشبه لوحة معقدة ترسمها تداخلات عميقة بين إرث ثوري، وصراعات عسكرية مدمرة، وانقسامات سياسية حادة، وانهيار اقتصادي خانق.
في عام 2026، يبدو السودان واحدة من أخطر النزاعات في العالم: حرب عالية الكلفة الإنسانية، بلا أفق سياسي واضح، ومفتوحة على مزيد من التصعيد.
التوقعات حول مستقبل السودان تتباين، لكنها تتفق على أن الطريق نحو السلام الحقيقي سيكون طويلًا.
في هذا السياق، يظهر موقف عبد الواحد بوصفها قراءة استشرافية: لا يمكن تحقيق السلام في ظل استمرار الحرب، ولا يمكن تحقيق التحول في ظل استمرار الاصطفافات العسكرية.
من الحياد إلى المشروع: لماذا يهمنا هذا؟
إن قيمة رؤية عبد الواحد محمد نور لا تكمن فقط في رفضه الاصطفاف العسكري، بل في أنها تعكس أزمة أعمق: غياب مشروع وطني متوافق عليه. هذا ما يجعل مشاورات أديس أبابا اختبارًا حقيقيًا لقدرة السودانيين على الانتقال من منطق التسويات إلى منطق الحلول.
المشروع السياسي الحقيقي يجب أن يكون:
سودانيًا-سودانيًا: لا حل خارجي، بل حوار داخلي شامل.
عدالةً لا سلطة: لا هدف هو الحكم، بل إصلاح البنية الاجتماعية.
تحررًا لا سيطرة: لا ساحة للصراع، بل وطن للإنسان.
الخلاصة: هل يستطيع السودانيون إنتاج مشروع حقيقي؟
في بلد أنهكته الحرب وتنازعت فيه مشروعات القوة والشرعية، تبدو رؤية عبد الواحد محمد نور واحدة من أكثر الرؤى السياسية إصرارًا على رفض منطق الاصطفاف. ومع انطلاق مشاورات أديس أبابا، يعود السؤال القديم بثوب جديد: هل يستطيع السودانيون إنتاج تسوية تتجاوز الحرب، أم أن البلاد ستبقى أسيرة إعادة تدوير الأزمة؟
المشروع السياسي الحقيقي لا يتحقق بالتسويات السريعة، بل بالحوار الجاد والشامل. الحياد ليس موقفًا سلبيًا، بل هو انفجار في وجه منطق الاصطفاف العسكري. ومن الحياد، قد يبدأ المشروع السياسي الحقيقي: مشروع العدالة، مشروع التحرر، مشروع السودان للإنسان السوداني.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
عبدالله ادم سليمان بلغب تروفورو
عبدالله ادم سليمان بلغب تروفورو
1 شهر

من الوعي السياسي: اول شيء في انوان اسمو وحدة وهذه الحركة ليست للتفرسة انه حماية من الدولة، فيمشي بنفس الطريقة الكان ود ارباب ماشي 🤝، ومستر نو او ما يسمي بقيادى حركة جيش تحرير السودان.
في تأسيسو عبدالواحد محمد احمد النور
تحية ليك خاص

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x