مقالات الرأي

من حماية النازحين إلى استغلالهم: حين تتحول الإدارة التقليدية إلى سلطة جباية

بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن ( مجنق )

النازح كضحية مزدوجة
لم تعد معسكرات النزوح في السودان، ولا سيما في دارفور، مجرد فضاءات مؤقتة للإيواء من ويلات الحرب، بل أصبحت م labouratoriًا اجتماعيًا جديدًا يُعاد فيه تشكيل نظم الهيمنة والسيطرة على أطراف ضعف إنساني واقتصادي عميق .
النازح الذي يهرب من الموت والدمار يجد نفسه أمام مأساة ثانية: إذ تتحول أحيانًا سلطة الحماية التي من المفترض أن تحمي النسيج الاجتماعي والفرد، إلى أداة للسيطرة على الموارد وتوزيع الامتيازات، مشكلة ما يمكن تسميته بـسلطة جباية غير رسمية داخل المعسكرات .
النزوح كأرضية للاستغلال
تطالب النزوح المنظومة الإنسانية بضمان الأمن والغذاء والصحة والإيواء، لكن في معسكرات دارفور بقيت هذه الضمانات محدودة، وسط حصار معايشي وفشل طويل في برامج العودة والدمج المستدام .
في هذه الفراغات، تظهر شبكات الوساطة والتأثير التي تتحكم في الوصول إلى المساعدات، والخدمات، وأحيانًا في فرص العمل أو التوظيف داخل المنظمات الإنسانية، حيث يصبح النازح بحاجة ماسة إلى مساعدة، في حين يمتلك بعض الأشخاص نفوذًا في التعامل مع الجهات المانحة أو الإدارية .
تظهر هنا مؤشرات على أن الاحتياج الإنساني لا يُدار فقط بالمعايير التقنية، بل يدخله بُعد اجتماعي وسياسي، حيث تُستخدم المكانة الاجتماعية أو الأهلية أو السياسية لتشكيل ميزات اختيارية لا تقوم على الشفافية أو العدالة بقدر ما تقوم على الولاءات والموارد غير المعلنة .
الإدارة التقليدية: من الوساطة إلى الجباية
لعبت الإدارات الأهلية في دارفور دورًا تاريخيًا في فض النزاعات وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وكانت تُنظر إليها كمرجعية للعدالة والصلح قبل اندلاع الحروب .
ومع تأسيس هياكل جديدة في معسكرات النازحين، تمت إعادة ترتيب هذه الإدارات في شكل “إدارة محلية” داخل المعسكرات، غالبًا لربط النازحين بالدولة وتعبئتهم سياسيًا أو لإدارة أوامر التوزيع وتنظيم الحياة اليومية .
لكن في ظل غياب الرقابة المؤسسية، وضبابية التفويض القانوني، وانهيار البنى الأمنية، قد تنزلق هذه الأدوار إلىاستغلال سلطة الوساطة. فحين يرتبط النازح بالحصول على مساعدات غذائية أو مأوى أو رعاية صحية أو فرصة عمل بموافقة “شخص ذو نفوذ تقليدي”، يتحول العنوان من حماية المجتمع إلى جباية الاحتياج .
هنا يُستغل نقص الموارد، وغياب بديل مؤسسي واضح، لتحويل النفوذ الاجتماعي إلى سلطة اقتصادية وسياسية متنامية.
كيف تُمارس سلطة الجباية؟
يمكن رصد ممارسات تشي باستشراء هذه الظاهرة في أشكال مختلفة:
التحكم في التوزيع: توزيع السلال الغذائية أو البطاقات أو فرص العمل في الخدمات المساندة يتم غالبًا عبر قوائم تُعدّ بوساطة شخصيات محلية، تُستخدم فيها معايير غامضة أو مبنية على الولاء السياسي أو الاجتماعي بدلًا من الشفافية والمعايير الإنسانية الكلية .
الإتاوات الاجتماعية: في بعض الحالات، يُطلب من النازحين تقديم “هدايا” أو خدمات أو ولاءات غير معلنة للحفاظ على مكانهم في القائمة أو لتسهيل معاملاتهم .
الاستقطاب السياسي داخل المعسكرات: تُستخدم المعسكرات كفضاء حيوي للنفوذ السياسي، حيث تعمل بعض الأطراف، بما يشمل منظمات الحركات المسلحة أو النخب المحلية، على استقطاب النازحين عبر وعود مساعدات أو خدمات، ما يعزز اعتماد الناس على وسطاء بدلاً من مؤسسات الدولة .
كل هذه الممارسات ترسّخ نوعًا من الاختراف الإنساني: أي تحويل الحاجة الإنسانية إلى سلعة مرجحة للنفوذ، بينما يبقى الفقراء داخل المعسكرات في وضعية استضعاف مستمر .
انعكاسات اجتماعية وسيكولوجية
يترتب على هذه الظاهرة آثار خطيرة على النسيج الاجتماعي داخل المعسكرات. فعندما يتحول النازح من “موقع المُعانَى عليه” إلى “موقع الخاضع لسلطة جباية”، تُستنزَف مشاعر الثقة بالقادة التقليديين، وتفقد القيم التقليدية—مثل الكرم والعدالة والصلح—من قيمتها الأخلاقية، لتُستبدل بصورتها اللقائية: النفوذ مقابل الولاء .
ويترتب على ذلك تفكك الروابط المجتمعية، وتصاعد الصراعات الداخلية داخل المعسكرات، وزيادة تهميش الفئات الأضعف (النساء، الأطفال، ذوي الإعاقة) الذين لا تملك أسرهم مناصرين أو وسطاء قويين .
كما أن هذا الوضع يُضعف من قدرة المجتمعات على المقاومة الفعّالة أو التعبير عن مطالبها، لأن أي محاولة للمواجهة قد تُقابل بقطع المساعدات أو فرض وصاية غير رسمية على الحركة والوصول إلى الخدمات .
سلطة الجباية في مواجهة الحماية الإنسانية
في ظل المعيقات الأمنية واللوجستية، تُضطَر المنظمات الإنسانية إلى الاعتماد على كوادر محلية أو شركاء تقليديين لتسهيل التوزيع، وحفظ الأمن، وحل النزاعات داخل المعسكرات .
لكن هذا الاعتماد قد يفتح الباب لاستغلال غير مقصود، عندما لا تُربط هذه الأدوار بآليات مراقبة واضحة: تقارير معلنة، لجان رقابة تمثِّل النازحين، وشفافية في التوزيع، وآليات شكوى مستقلة .
لذلك لا يكفي الاعتماد على “الثقة التقليدية” في الزعامة المحلية، بل يجب أن تُبنى عملية إدارة المعسكرات على مبادئ الحماية الإنسانية: الشفافية، عدم التمييز، إشراك المجتمع، وضمان أن أي سلطة تُمنح داخل المعسكرات تُخضع لضوابط رسمية يمكن مساءلتها قانونيًا وأخلاقيًا .
مقترحات تنموية وإصلاحية
لإيقاف التحول من حماية النازحين إلى استغلالهم، يمكن اقتراح مسار تدريجي:
إنشاء لجان تمثيلية محلية منتخبة: تضم ممثلين عن النازحين، بمن فيهم النساء، الشباب، وذوي الإعاقة، لتشارك في المراقبة والتوزيع وتقييم الأداء .
إضفاء الشفافية على عملية التوزيع:
إتاحة القوائم، والمعايير، وآليات التظلم، وربطها بمنصات رقمية أو لوحات معلنة في المعسكرات.
تدريب وتأهيل للقيادات التقليدية والإدارية:
لتوضيح أن دورهم يجب أن يبقى في حماية المجتمع وتسهيل الحماية، وليس في جباية الحقوق الأساسية .
بناء قدرات الرقابة المجتمعية: دعم مجموعات الرصد، ومجموعات الشباب، ولجان المرأة، لمراقبة التوزيع والخدمات وتوثيق المخالفات.
ربط المعسكرات بنظام رسمية قانونية أوضح:
من خلال تطوير مفوضيات أو إدارة مدنية قوية قادرة على الإشراف على المعسكرات، وتقليل اعتماد النازحين على السلطات غير الرسمية .
خاتمة: نحو إعادة تعريف “الحماية”
النازح ليس مجرد مستفيد سلبي من المساعدات، ولا يُفترض أن يدفع في المقابل امتثالًا لسلطات غير رسمية تفرض نفسها عبر الاستغلال. إن حماية النازحين لا تقتصر على إيوائهم أو إطعامهم، بل تبدأ من منع تحويل الضعف الإنساني إلى مادة للنفوذ .

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x