من ذاكرة النضال إلى طريق السلام

اليوم الوطني لحركة/جيش تحرير السودان
«معًا نحو بناء جبهة وطنية لوقف وإنهاء الحرب في السودان»
بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
يأتي الاحتفال باليوم الوطني لحركة/جيش تحرير السودان في لحظة تاريخية فارقة من تاريخ السودان؛ لحظة تستدعي التأمل في مسيرة النضال، واستحضار تضحيات الشهداء، وقراءة دروس الماضي، وتجديد العهد بالمبادئ التي قامت عليها الحركة: الحرية والعدل والسلام والديمقراطية.
إن اليوم الوطني ليس مجرد ذكرى سنوية، بل هو احتفاء بمشروع نضالي وسياسي ظل يطرح بناء دولة سودانية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون، وترفض التمييز والتهميش والاستبداد واحتكار السلطة والثروة. ومن هذا المنطلق، فإن دعم مشروع الحركة هو دعم لرؤية تسعى إلى معالجة جذور الأزمة السودانية وبناء وطن يتساوى فيه جميع أبنائه في الحقوق والواجبات.
ويعيش السودان منذ الخامس عشر من أبريل 2023م واحدة من أقسى مراحل تاريخه الحديث، بعدما امتدت الحرب لتطال الإنسان والأرض ومؤسسات الدولة، وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ونزوح ولجوء الملايين، وتفاقم الكارثة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. غير أن فهم هذه الحرب يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من تاريخ اندلاعها؛ فهي نتاج تراكم طويل لأزمات الدولة والحكم والهوية والتهميش وغياب العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع حركة/جيش تحرير السودان؛ فالحركة لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد صراع على السلطة، وإنما طرحت ضرورة إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، يكون فيها المواطن أساس الدولة، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات، والقانون فوق الجميع.
ووفق رؤيتها السياسية، طرحت الحركة قضية دولة المواطنة المتساوية باعتبارها مدخلًا أساسيًا لمعالجة الأزمة الوطنية. وهذه الرؤية تمثل أحد المداخل المهمة لبناء سودان جديد؛ لأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل دولة تعيد إنتاج التمييز والتهميش، كما أن الديمقراطية لا تستقيم دون مساواة كاملة بين المواطنين.
وقبل اندلاع الحرب الحالية، قدمت حركة/جيش تحرير السودان مبادرات ورؤى متعددة للخروج من الأزمة السودانية، انطلاقًا من قناعة بأن الحل لا يكون بمعالجة نتائج الأزمة وحدها، وإنما بمعالجة جذورها. وفي مقدمة هذه الرؤى جاء الحوار السوداني–السوداني باعتباره مدخلًا لمعالجة قضايا الوطن بأيدي السودانيين أنفسهم، بعيدًا عن الوصاية والصفقات السياسية الضيقة.
ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م، اتخذت الحركة موقفًا واضحًا تمثل في عدم الانخراط فيها، والدعوة إلى وقف القتال وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية. وهذا الموقف يعكس مسؤولية وطنية؛ لأن السودان لا يحتاج إلى طرف جديد في الحرب، وإنما يحتاج إلى صوت قوي يدعو إلى وقفها وإنهائها وفتح الطريق أمام السلام.
كما واصلت الحركة طرح المبادرات السياسية والمدنية الهادفة إلى بناء جبهة واسعة من القوى المؤمنة بالتغيير الشامل ووقف الحرب، والداعمة للحوار السوداني–السوداني، باستثناء حزب المؤتمر الوطني وواجهاته السياسية. وهي محاولة لبناء قوة وطنية قادرة على مواجهة تداعيات الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة.
ومن هنا، فإن شعار اليوم الوطني: «معًا نحو بناء جبهة وطنية لوقف وإنهاء الحرب في السودان» يمثل امتدادًا طبيعيًا للمسار السياسي الذي ظلت حركة/جيش تحرير السودان تدعو إليه. فهو ليس شعارًا للاحتفال فقط، بل دعوة إلى العمل وتوحيد القوى السودانية التي تؤمن بأن استمرار الحرب ليس حلًا، وأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى عبر البندقية وحدها.
إن دعم هذا المشروع يعني دعم وقف الحرب، والحوار السوداني–السوداني، وبناء جبهة وطنية واسعة، ودولة المواطنة المتساوية. كما يعني رفض إعادة إنتاج الأزمات التي قادت السودان إلى الحروب والانقسامات والانهيار.
والحوار السوداني–السوداني الذي تدعو إليه الحركة لا ينبغي أن يكون مؤتمرًا مغلقًا بين النخب السياسية لتقاسم السلطة والمناصب، وإنما حوارًا وطنيًا شاملًا تشارك فيه القوى السياسية والمدنية والثورية والمجتمعية، والشباب والنساء، والنازحون واللاجئون، والإدارات الأهلية، والمزارعون والرعاة، والأكاديميون والمفكرون، وكل أصحاب المصلحة الحقيقيين في مستقبل السودان.
فالسلام الذي تدعو إليه الحركة ليس سلام المحاصصة أو تقاسم المناصب، ولا هدنة مؤقتة بين الأطراف المسلحة، وإنما سلام عادل ومستدام يعالج جذور الأزمة، ويضمن المساواة في الحقوق والواجبات، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تحترم الإنسان وتصون كرامته وحريته.
وفي تقديري، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس: من سينتصر عسكريًا؟ وإنما: كيف ينتصر السودان؟
فالحسم العسكري، أيًا كان الطرف الذي يحققه، لن يعالج وحده جذور الأزمة السودانية، ولن يضمن بناء دولة مستقرة، ولن يصنع سلامًا دائمًا. أما استمرار الحرب فلن يؤدي إلا إلى المزيد من القتل والدمار والنزوح وتفكك النسيج الاجتماعي.
ولهذا، فإن موقف حركة/جيش تحرير السودان الداعي إلى وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام الحل السياسي الشامل يستحق الدعم، لأنه ينطلق من أولوية الإنسان السوداني ومن ضرورة إنقاذ الوطن من دائرة الحرب المستمرة.
لقد أثبتت الحرب أن أي مشروع سياسي ينفصل عن معاناة المواطنين يظل مشروعًا ناقصًا. فالمواطن الذي فقد منزله، والنازح الذي ترك قريته، واللاجئ الذي عبر الحدود، والأسرة التي فقدت أحد أفرادها، لا يحتاج إلى الخطابات السياسية وحدها، وإنما يحتاج إلى الأمن والغذاء والدواء والمأوى، وإلى حقه في العودة الطوعية الآمنة والكريمة.
ومن هنا، فإن حماية المدنيين ومعالجة الكارثة الإنسانية يجب أن تكونا في مقدمة أولويات أي مشروع جاد لإنهاء الحرب.
إن قوة مشروع حركة/جيش تحرير السودان تكمن في أنه لا يفصل بين السلام والعدالة، ولا بين الديمقراطية والمواطنة، ولا بين إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة. فالسلام الذي لا يعالج جذور التهميش والظلم لن يكون سلامًا مستدامًا، والديمقراطية التي لا تقوم على المواطنة المتساوية لن تكون ديمقراطية حقيقية.
ولهذا، فإن دعم مشروع الحركة هو دعم لفكرة أن السودان يمكن أن يكون وطنًا لجميع أبنائه، لا وطنًا لفئة أو منطقة أو مجموعة سياسية دون غيرها.
إن اليوم الوطني لحركة/جيش تحرير السودان ليس مجرد مناسبة للاحتفال بتاريخ الحركة، وإنما مناسبة لتجديد العهد بالمبادئ التي من أجلها قدم الشهداء والمناضلون تضحياتهم، والتأكيد على أن النضال من أجل الحرية والعدل والسلام والديمقراطية لا ينتهي بانتهاء معركة، وإنما يستمر حتى بناء الدولة التي تحقق هذه المبادئ.
ويقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما استمرار الحرب والانقسام والدمار، وإما فتح طريق جديد نحو السلام والعدالة وبناء الدولة. والطريق الثاني يبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين، ثم إطلاق حوار سوداني–سوداني شامل، وبناء جبهة وطنية واسعة، وصولًا إلى عقد اجتماعي جديد ودولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الأزمة، بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع؛ ولا يحتاج إلى سلام مؤقت، بل إلى سلام عادل ومستدام؛ ولا يحتاج إلى دولة لفئة دون أخرى، بل إلى دولة تسع الجميع.
وفي اليوم الوطني لحركة/جيش تحرير السودان، فإن دعم مشروع الحركة يعني الوقوف مع طريق السلام بدل طريق الحرب، ومع المواطنة المتساوية بدل التمييز، ومع الدولة المدنية الديمقراطية بدل الاستبداد، ومع الحوار السوداني–السوداني بدل التسويات المفروضة من أعلى، ومع بناء جبهة وطنية واسعة قادرة على فتح الطريق أمام سودان جديد.
ومن ذاكرة النضال، نجدد العهد بأن تتحول تضحيات الشهداء إلى قوة لبناء المستقبل، وأن يتحول شعار «معًا نحو بناء جبهة وطنية لوقف وإنهاء الحرب في السودان» من شعار يُرفع في المناسبات إلى مشروع وطني للعمل من أجل وقف الحرب، وتحقيق السلام العادل، وبناء دولة المواطنة المتساوية.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والتحية لكل مناضل ومناضلة حملا راية الحرية والعدل والسلام والديمقراطية.
ونجدد العهد على مواصلة النضال والصمود من أجل وقف وإنهاء الحرب، وبناء جبهة وطنية واسعة، وتحقيق السلام العادل، وبناء سودان جديد يسع جميع أبنائه.



