مقالات الرأي

من شيلا إيبانا إلى كل سوداني في المهجر: الجونقو ليس عبثاً، بل بداية الطريق لإنقاذ وطن ينهار


بقلم: أ/عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


في لحظة فراق الوطن، يظن المهاجر أنه يغادر مكاناً، لكنه في الحقيقة يغادر جزءاً من روحه، ويظن أن الجونقو مجرد انتقال جغرافي، لكنه في الحقيقة استثمار مؤجل في مستقبل لا يراه الآن. قصة شيلا إيبانا، الأم القادمة من غينيا الاستوائية، التي لم تغادر وطنها الفقير بحثاً عن المجد، بل بحثاً عن فرصة لابنها، تحمل درساً أكبر مما نتصور. ابنها يمين يامال لم يصنع نجاحه بين عشية وضحاها، بل كان ذلك ثمرة رحلة أمٍّ آمنت بأن الغربة ليست نهاية المطاف، بل نقطة انطلاق لعطاء لم يحن وقته بعد. واليوم، والسودان يحترق تحت وطأة حرب طاحنة، يقف السودانيين في كل بقاع الأرض أمام سؤال مصيري: هل سنظل مجرد شهود على مأساة وطننا، أم سنحوّل غربتنا إلى جسر لإنقاذه؟
في زحمة الأخبار العاجلة وضجيج وسائل التواصل، نمر سريعًا على قصص تُروى في دقائق، ثم ننساها كأن لم تكن. لكن بعض القصص تستحق أن نقف عندها طويلًا، ليس لأنها تحكي عن مجد شخصي، بل لأنها تحمل في طياتها روح أمة بكاملها، وتجيب عن أسئلة كبرى نادرًا ما نطرحها على أنفسنا بصدق: لماذا نهاجر؟ وما الذي نبحث عنه حقًا وراء البحار؟ وهل يمكن أن تكون رحلة ترك الوطن مجرد خطوة في طريق أطول نحو إنقاذه؟
شيلا إيبانا، امرأة قادمة من غينيا الاستوائية، تلك البقعة الأفريقية التي نادرًا ما تحضر في عناوين الصحف، حملت فوق كتفيها أكثر من مجرد حقيبة سفر. حملت أحلامًا لا تتناسب مع حجم الحقيبة، حملت خوف الأم ورجاءها، وحملت إيمانًا غريزيًا بأن الغد لا بد أن يكون أفضل. حين اتخذت قرار الهجرة إلى إسبانيا، لم تكن تعرف أنها تضع ابنها الأكبر، يمين يامال، على طريق لم يكن في الحسبان، طريق سيصعد به يومًا إلى قمة مستحيلة في عالم كرة القدم، حيث يصبح اسمه حديث الملايين، ورقمه على القميص علامة فارقة في تاريخ الرياضة.
لكن بعيدًا عن الأضواء والكاميرات التي تلاحق يمين اليوم، ثمة قصة موازية لا تُروى كما ينبغي. إنها قصة أم أفريقية دفعها الفقر وغياب الأفق إلى المجهول، واجهت وحشة اللغة وبرودة الغربة وجبروت الأنظمة البيروقراطية، وربما واجهت في صمت نظرات ازدراء من لا يفهمون أن من خلفها تاريخًا من النضوج والمعاناة. لم تكن شيلا مجرد مهاجرة عابرة، بل كانت جسرًا يمتد بين قارتين، تحمل في عروقها دماء أفريقيا وفي عينيها حلم أوروبا، وفي قلبها ذلك السؤال المؤلم: هل سأرى يومًا بلادي وهي تنهض؟
هنا تكمن المفارقة العميقة التي تغفل عنها خطابات السياسة والإعلام. فنحن ننظر إلى المهاجرين غالبًا من زاوية ضيقة: إما كأرقام في إحصاءات الضغط على الخدمات، أو كأبطال فرديين استطاعوا “صنع أنفسهم” رغم الصعاب. لكننا قلما ننظر إليهم ككتلة بشرية تحمل في داخلها طاقة هائلة، طاقة لو تم توجيهها واستثمارها لعادت على أوطانها الأصلية بخير لا يقل عن الخير الذي جلبته لأنفسها في بلاد المهجر. فالمهاجر الناجح، في النهاية، ليس من اشترى سيارة فاخرة أو بنى فيلا في ضواحي مدريد، بل من استطاع أن يحوّل نجاحه الشخصي إلى قوة دفع لمجتمعه الأم
وإذا انتقلنا إلى واقع السودانيين اليوم، نجد أن القصة تأخذ منحى أكثر إلحاحًا وأعمق ألمًا. فالسودان، ذلك البلد العريق الذي كان يومًا ما سلة غذاء العالم وملتقى الحضارات، يمر اليوم بأزمة غير مسبوقة. حرب مدمرة أشعلت أوصال الوطن، شرختها إلى شطرين، وأفقرت شعبًا كان يكافح أساسًا تحت وطأة سنوات من العقوبات والتهميش وسوء الإدارة. مدن تحولت إلى أنقاض، وملايين هجروا بيوتهم تحت وطأة القصف والجوع، وأطفال فقدوا سنوات من تعليمهم، وأمهات باتت وجوههن تحكي قصصًا لا تطيقها الكلمات. في هذا المشهد الكئيب، بات السودانيين اليوم واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم، سواء داخل البلاد أو عبر الحدود إلى مصر وتشاد وإثيوبيا ودول الخليج وأوروبا وأمريكا.
ليس السودانيين في رحلة هجرة كغيرهم؛ فهم يهاجرون اليوم من وطن ينهار تحت أرجلهم، من وطن لم يعد يضمن لهم أبسط حقوق الحياة. الكثير منهم وصلوا إلى بلاد المهجر منهكين، ليس فقط جسديًا، بل نفسيًا وروحيًا. حملوا معهم صورًا لمدن احترقت، ولوجوه اختفت، ولذكريات لا تمحى. ومع ذلك، ما أن تضع قدمهم في أرض جديدة حتى يواجهوا تحديات جديدة: غلاء المعيشة، بيروقراطية اللجوء، صعوبة إثبات المؤهلات، ونظرة المجتمع المضيف التي تتراوح بين الفضول والريبة والتعاطف المؤقت.
لكن ثمّة حقيقة يجب أن نقولها بكل جرأة، ليس توبيخًا ولا جلدًا للذات، بل محاولة لفتح عيوننا على مسؤولية قد نغفل عنها في زحمة البقاء على قيد الحياة. فالسودانيين في المهجر، سواء من هاجروا بالأمس البعيد أو اليوم القريب، يشكلون ثروة بشرية هائلة لا تُقدّر بثمن. هم أطباء ومهندسون ومعلمون ومزارعون وتجار وفنانون وحرفيون، يحملون في عقولهم وضمائرهم خبرات تراكمية، ويجيدون لغات عدة، ويملكون شبكات علاقات واسعة، ويعرفون من الداخل كيف تعمل المجتمعات المتقدمة. لكن كم من هذه الطاقات تُستثمر حقًا في إنقاذ السودان؟ وكم من هذه العقول تعمل على بناء مخططات تنموية لمرحلة ما بعد الحرب، بدل أن تنحصر اهتماماتها في تحويلات مالية تغطي احتياجات عاجلة فقط؟
إن رسالتي إلى كل سوداني وسودانية في المهجر، في القاهرة والرياض ودبي ولندن وواشنطن وميلانو وإسطنبول وكوالالمبور، هي رسالة صادقة من قلب يعرف جيدًا معنى الغربة وآلامها، لكنه يعرف أيضًا معنى العطاء الذي لا يموت. أنتم اليوم في موقع قوة لا تدركونه ربما، لأن الألم يخنق الأفق، ولأن تفاصيل الحياة اليومية في بلاد الغربة تستهلك الجهد والوقت. لكن تذكروا أن كل واحد منكم هو سفارة متنقلة للسودان، وكل واحد منكم يستطيع أن يكون جسرًا بين عالمين. لا تكتفوا بإرسال الدولارات لتطعموا جائعًا في مخيم، فهذا ضروري ولكنه ليس كافيًا. فكروا في مشاريع مستدامة: مدرسة يمكنكم تبنيها من بعيد، تدريب مهني لشباب في مناطق آمنة نسبيًا، حملات توعية صحية، دعم للصحافة المستقلة التي توثق الجرائم وتفضح المجازر، دعم قانوني لمنظمة دولية تطالب بوقف إطلاق النار، استثمارات صغيرة في الزراعة أو الطاقة الشمسية في مناطق يمكن إحياؤها.
بل والأهم من ذلك، اجعلوا من تجربتكم في المهجر مختبرًا لبناء السودان الجديد. تعلموا كيف تُدار المدن في بلادكم الجديدة، كيف تُحل النزاعات، كيف تُبنى المؤسسات، كيف يُحترم القانون، كيف يُكافح الفساد. وثقوا هذه المعرفة، ترجموها، بسطوها، وقدموها كأدوات جاهزة ليوم يعود فيه السودان إلى طاولة البناء. لأن السودان لن يُبنى بقرارات من فوق، ولن ينهض بقادة جدد فقط، بل سيبني نفسه بعقول أبنائه وبناته الذين خرجوا ليعودوا، وإن لم يعودوا بأجسادهم، فليعودوا بأفكارهم، بعلاقاتهم، بخبراتهم، بحلمهم الذي لم يستطع القصف أن يقتله.
تأملوا أحوال شعوب نهضت من تحت الرماد. اليهود بنوا إسرائيل بدعم من شتاتهم، والأرمن أعادوا إحياء هويتهم من المهجر، والصينيون استثمروا تحويلات مهاجريهم في البنية التحتية، والهنود جعلوا من خبرائهم في الخارج أداةً ناعمة لقوة بلادهم الناعمة. أما نحن السودانيين، فها نحن نمتلك شتاتًا ربما هو الأكثر تعليمًا وتنوعًا في القارة، لكن نادرًا ما نسمع عن استراتيجية وطنية لاستثمار هذا الشتات، ونادرًا ما نرى مبادرات منظمة تربط بين نجاح الفرد في الخارج ومشروع جماعي في الداخل. هذا التقصير ليس عذرًا، بل حافزًا إضافيًا لكم أنتم، لأن من ينتظر الدولة في زمن انهيارها ينتظر طويلًا، وقد ينتظر إلى الأبد.
أما بالنسبة للشباب السوداني بالذات، الذين هاجروا حديثًا هربًا من الرصاص أو من الجوع أو من انعدام الأمل، فأقول لهم: نعم، أنتم منهكون، ونعم، الطريق شاق، ونعم، ربما تشعرون بالذنب لأنكم تركتوا أهلاً وأصحابًا في مناطق خطرة، وربما تشعرون بالعجز لأن كل ما تملكونه لا يكفي لإنقاذهم. لكن اسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا قد يغير نظرتكم إلى أنفسكم: أنتم اليوم ليست مجرد ناجين من حرب، أنتم شهود عيان على واحدة من أكثر الفصول دموية في تاريخ بلدكم، وشهادتكم وصوتكم هما سلاح لا يقل أهمية عن أي مساعدة إنسانية. استخدموا صوتكم لنقل الصورة الحقيقية للعالم، استخدموا لغاتكم الجديدة لكتابة مقالات، لإنتاج فيديوهات، للحديث مع جيرانكم وزملائكم في العمل عن السودان الذي يعرفونه فقط عبر صورتي الجوع والصراع. كونوا سفراء ليس فقط للسودان المتألم، بل للسودان الغني بثقافته وتنوعه وتاريخه وإنسانيته.
وتذكروا دائمًا أن الجونقو، تلك الرحلة التي تبدو في ظاهرها هروبًا فرديًا، يمكنها أن تتحول إلى مشروع نهضة جماعي، شريطة أن نحمل معنا أكثر من مجرد حقائبنا الشخصية، شريطة أن ننظر إلى الغربة كفرصة لا كعقاب، وأن نرى في نجاحنا وسيلة لا غاية. شيلا إيبانا صنعت نجمًا واحدًا، لكن السودانيين في المهجر، بعقولهم اللامعة وتجاربهم المتنوعة، يمكنهم صنع عشرات النجوم في كل مجال، ويمكن لهذه النجوم أن تضيء سماء وطن غارق في الظلام، إن هم آمنوا بأن العطاء للوطن ليس ترفًا عاطفيًا، بل هو الرد العملي الوحيد على كل من ظن أن السودان انتهى.
لقد سئمنا في السودان من الحلول المستوردة، ومن الوعود الجوفاء، ومن التدخلات الدولية التي تأتي متأخرة أو منقوصة. حان الوقت أن يكون الحل منا نحن، ومن كل سوداني وسودانية في كل بقعة من هذا الكوكب. حان الوقت أن نحول ألم الفراق إلى قوة بناء، وحزن الذاكرة إلى مشاريع حياة، ونظرة العالم إلينا كضحايا إلى نظرة إلينا كصانعي نهضة. لا تنتظروا أن تنتهي الحرب لتبدأوا، ابدؤوا من اليوم، من حيث أنتم، بما تملكون، مهما قلّ. فالبذرة الصغيرة حين تُزرع في الوقت المناسب، تصبح شجرة وارفة، والأفكار الصغيرة حين تتضافر، تصبح حركة تغيير، والجهود الفردية حين تتوحد، تصبح أمة تعود إلى الحياة.
السودان اليوم يحتاج إلى كل ذرة أمل، وإلى كل عقل نيّر، وإلى كل يد تعمل، وإلى كل قلب ينبض بحبه. وأنتم هناك، في مدن الغربة الباردة أو الحارة، في المكاتب والمصانع والمتاجر والمختبرات والفصول الدراسية، تحملون في داخلكم نبضًا سودانيًا لا يمكن لأي جواز سفر أن يلغيه. فلا تجعلوا هذه النبضة تموت في صخب الاندماج الجديد، بل اجعلوها تنبض أقوى، وتتحول إلى طاقة تصل إلى كل قرية وكل مدينة وكل مخيم في السودان، طاقة تقول: نحن هنا، لم ننسَ، وسنعود، وسنبني، وسيكون السودان أفضل مما كان، لأننا تعلمنا من ألمنا ما لم نكن نعرفه أيام الرخاء.
في النهاية، ليس كل الجونقو عبثًا، بل كل رحلة هجرة تحمل في طياتها بذرة أمل، لكن هذه البذرة إما أن تذبل في عزلة الأنانية، أو تنمو في تربة العطاء الجماعي. السودانيين في المهجر اليوم أمام خيار مصيري: إما أن يكونوا مجرد أرقام في إحصاءات النزوح، أو أن يكونوا روح النهضة القادمة. وأنا على يقين أن الجينات السودانية التي صمدت أمام قرون من التحديات، والتي أنجبت أعظم الممالك وأقوى المقاومات، لن تخون أصحابها اليوم. ستنهض، كما نهضت دائمًا، وستجعل من كل جونقو قصة بطولة، ومن كل مهاجر سفيرًا للخلاص، ومن كل غربة جسرًا إلى وطن جديد يليق بعظمة أبنائه.
● خاتمة مضيئة:-
يا سودانيي المهجر، لا تدعوا الغربة تمحو هويتكم، ولا تدعوا صعوبات البدايات تنسيكم أنكم حملتم على أكتافكم أكثر من مجرد حقائبكم. أنتم تحملون وطناً كاملاً في قلوبكم، وطنٌ ينهار اليوم لكنه سينهض غداً بأيديكم وعقولكم. ابدأوا الآن، ولو بشيء صغير، فما تزرعونه اليوم في تربة الغربة، ستحصدونه غداً في سماء السودان. الجونقو ليس عبثاً، بل هو وعد بالعودة، عودة مختلفة، عودة أقوى، عودة تعيد للوطن روحه التي سرقتها الحروب. كونوا ذلك الوعد، فالسودان ينتظركم، ليس بدموعكم، بل بعقولكم وأحلامكم وأياديكم البيضاء.
بتاريخ20يوليو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x