مقالات الرأي

من هرمز الى الليثيوم – كيف يعاد صياغة القوة العالمية خارج حقول النفط؟

بقلم: سيف ارباب

في خضم الأحداث المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط وتحديداً التصعيد العسكري الأخير في منطقة الخليج يبرز سؤال جوهري حول موقع النفط في معادلة القوة الدولية.
هل لا يزال الذهب الأسود يشكل عصب الاقتصاد العالمي وأداة الضغط الاستراتيجية الفاعلة؟
أم أن التحول نحو الطاقة النظيفة يعيد رسم خريطة النفوذ الدولي برمتها؟
هذه المقال تسعى إلى تفكيك المشهد المعقد والغوص في الطبقات المتعددة للصراع حول الطاقة انطلاقا من مضيق هرمز وصولا الى معامل تكرير الليثيوم فى الصين.
فى كل مرة يتصاعد فيها التوتر العسكرى فى منطقة الخليج يعود النفط ليتصدر العناوين بوصفه شريان الاقتصاد العالمي غير ان هذا المشهد يخفى تحولا اعمق و اكثر هدوءاً.فمضيق هرمز الذي يضيق ليصبح ممرا مائيا لا يتجاوز عرضه 50 كيلومتر في بعض النقاط يتوسط مشهدا عالميا متوترا وفقا لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية Energy Information Administration (EIA)يعبر المضيق يوميا ما يزيد من 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي تقريبا.
لا تمثل الرد الإيراني على التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي بفرض حكم واقعي على حركة الملاحة فقط بل ادخلت الأسواق العالمية في حالة من تسعير الحرب Price War فقفز خام برنت فوق حاجز 92 دولار للبرميل بينما تتجه التوقعات إلى مستويات قياسية 120-150 دولار في حال استمرار تعطل الإمدادات.
هذا المشهد يؤكد حقيقة ثابتة رغم كل الحديث عن تنويع مصادر الطاقة فان أي اضطراب في هرمز او منطقة الخليج يرسل موجات صادمة إلى اقتصادات العالم من أوروبا التي تعاني من التضخم إلى آسيا المستهلكة الكبرى للطاقة.
و الاكثر دلالة من حركة الاسعار هو إعادة تشكيل تحالفات القوة الكبرى، ففي الوقت الذي تشدد فيه واشنطن قبضتها العقابية على طهران وكاراكاس نجد ان العقوبات الغربية على موسكو قد انشأت بالتوازي محور طاقة بديل وهو النفط الروسي المباع بخصومات كبيرة ويتدفق نحو الصين والهند لم يعد مجرد سلعة بل أصبح أداة جيوسياسية بامتياز تعزز رؤية عالم متعدد الأقطاب وتحد من هيمنة الدولار كعملة وحيدة لتسعير وتداول الخام.
بعيدا الأزمة الحالية تشير بعض الدراسات الى ان العالم ربما يقف على أعتاب تحول بنيوي مغاير وهنا الحديث يدور عن فائض ثلاثي محتمل قد ينجم عن تسوية سياسية في أوكرانيا تعيد الغاز والنفط الروسي إلى الأسواق الغربية أو عن انهيار الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران أو حتى عن تحولات داخل فنزويلا ، هذا السيناريو قد يضخ ملايين البراميل الإضافية قادر على إنهاء عصر الندرة الجيوسياسية الذي استفادت منه دول أوبك لسنوات. أسعار النفط المنخفضة والمستقرة بين 50 و65 دولار ستمثل تهديدا وجوديا لتماسك منظمة الدول المصدرة للنفط وستضعف بشدة ميزانيات دول خليجية تحتاج إلى أسعار أعلى من 90 دولارا لتغطية التزاماتها المالية الطموحة.
وهنا تتحول أدوات الضغط المالية إلى سلاح ذو حدين فالعقوبات الغربية ولا سيما آلية سقف الأسعار المفروضة على الخام الروسي يمكن إعادة هندستها لتصبح أداة لتحفيز الإنتاج وليس خنقه. الفكرة تكمن في دفع المنتجين إلى خيار صعب وهو استخرج أكبر قدر ممكن الآن قبل أن يفقد نفطك قيمته أو اتركه في باطن الأرض لأجيال قادمة قد لا تحتاج إليه و هذه المعادلة الجديدة تحول فائض الإنتاج المحتمل من مجرد خطر اقتصادي إلى ورقة ضغط سياسي بامتياز.
ربما يكون التحول الأكثر عمقا و الذي تكشفه الأحداث الجارية هو تسريع الانتقال من نظام عالمي تقوده الهيدروكربونات إلى اخر تهيمن عليه سلاسل توريد الطاقة النظيفة نجد ان مفهوم الدولة البترولية Petrostate التي بنت نفوذها على احتياطياتها من النفط والغاز يواجه تحديا وجوديا من نموذج جديد هو الدولة الكهربائية Electrostate، في هذا النموذج الناشئ لا ينبعث القوة من ضخ النفط بل من السيطرة على العناصر الأرضية النادرة وعلى تكنولوجيا تصنيع البطاريات والألواح الشمسية وشبكات الكهرباء الذكية ، هنا تحتل الصين موقعا لا ينافس فهي تهيمن على تكرير نحو 60% من الليثيوم والكوبالت في العالم وتنتج أكثر من 80% من الألواح الشمسية ونصف بطاريات الليثيوم أيون هذا التفوق منح بكين نفوذا هائلا استخدمته بالفعل لتقييد تصدير معادن استراتيجية ردا على الرسوم الجمركية الأمريكية في مشهد يعيد إنتاج صراعات النفط ولكن بأدوات جديدة.
المفارقة أن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يعني بالضرورة نهاية الصراعات، بل نقلها إلى ساحات أخرى. فبدلا من الاعتماد على الغاز الروسي تخشى أوروبا اليوم الاعتماد المفرط على البطاريات الصينية و في المقابل توفر الطاقات المتجددة ميزة استراتيجية كبرى هي اللامركزية فمحطات الشمس والرياح الموزعة أصعب في التعطيل من حقول النفط المركزية وتحرر الدول من تقلبات السوق العالمية وهو ما يتجلى بوضوح في تجارب دول مثل كوبا وأوكرانيا في اللجوء إلى هذا البديل لمواجهة الأزمات.
يمكن القول ان النفط لم يفقد بريقه بعد وقادر على إشعال فتيل ازمات كبرى كما نرى في مياه الخليج اليوم، لكن الرؤية المتكاملة للأحداث تؤكد أننا نعيش في عصر انتقالي معقد تتصارع فيه قوى الماضي النفط والدولار والتحالفات التقليدية مع قوى المستقبل المعادن النادرة والتكنولوجيا والاستقلال الطاقوي ومع استمرار أزمات هرمز في اجتذاب الأضواء تتشكل في الظل قواعد جديدة للقوة قد تجعل من يمتلك مفاتيح التحول إلى الطاقة النظيفة هو صاحب الكلمة العليا في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x