مقالات الرأي

نافذة أمل السودان

بقلم: السمؤل جمال

ليست نيروبي هذه المرة مجرد مدينة تستضيف السودانيين حول طاولة جديدة بل تبدو وكأنها مساحة أخيرة يختبر فيها الوطن قدرته على النجاة قبل أن تبتلع الحرب ما تبقى من ذاكرته وروحه ومستقبله.

فحين تجتمع شخصيات بحجم عبد الله حمدوك وعبد الواحد محمد نور وعمر الدقير والواثق البرير وياسر عرمان وقوى سياسية ومدنية ومسلحة مختلفة المشارب فإن الأمر يتجاوز حدود اللقاءات التقليدية التي اعتاد السودانيون سماع بياناتها ثم نسيانها سريعاً. ما يحدث الآن يحمل ملامح لحظة سياسية فارقة قد تعيد تعريف معنى الدولة أو تؤكد سقوط الصيغة القديمة إلى الأبد.

السودان لا يعيش أزمة حرب فقط بل يواجه انهيار فكرة كاملة ظلت تحكمه منذ الاستقلال. دولة أرهقتها المركزية وأضعفتها الهيمنة وأفقدتها الحروب القدرة على رؤية نفسها خارج منطق القوة والإقصاء. ولهذا لم تعد القضية كيف تتوقف البنادق وحدها بل كيف يولد وطن لا يعود إلى الحرب كلما تبدلت موازين السلطة.

القيمة الحقيقية لأي إعلان أو تفاهم جديد لا تكمن في عدد الموقعين عليه بل في شجاعته للاقتراب من الجرح السوداني العميق دون مواربة. فالسودانيون لم يعودوا بحاجة إلى لغة سياسية مستهلكة تزين الأزمات بمفردات ناعمة بينما يبقى الواقع أسيراً للانهيار ذاته. ما يحتاجه الناس اليوم مشروع يعيد بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها ويؤسس لعقد جديد يقوم على العدالة والمشاركة واحترام التنوع.

إن مشاركة القوى المسلحة والمدنية في هذا الحراك تفتح باباً مهماً لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والهامش وبين الجيش والسياسة وبين السلطة والمجتمع. وهي فرصة نادرة ليغادر السودان دائرة الاحتكار التاريخي نحو أفق أوسع يعترف بالجميع دون استعلاء أو وصاية أو إقصاء.

وتحمل مشاركة عبد الواحد محمد نور على وجه الخصوص دلالة سياسية تتجاوز الرمزية لأنها تعكس إدراكاً متنامياً بأن السلام الحقيقي لا يصنع عبر تقاسم المواقع بل عبر معالجة جذور الأزمة التي أنتجت الحرب والتهميش وانعدام الثقة لعقود طويلة.

إن أخطر ما قد يواجه هذه المساعي ليس الخلاف السياسي وحده بل اليأس المتراكم داخل وجدان السودانيين بعد سنوات طويلة من الانكسارات. ولهذا تصبح مسؤولية القوى المجتمعة اليوم أكبر من مجرد إنتاج إعلان سياسي بل استعادة الأمل نفسه بوصفه ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن وقف إطلاق النار.

السودان يقف الآن أمام منعطف بالغ الحساسية. إما أن تتحول هذه اللقاءات إلى بداية مسار تأسيسي جديد يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والحرية والتوازن الوطني أو يظل الوطن أسيراً لدورات متكررة من الحرب المؤجلة والانفجار القادم.

ومن هنا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي من السودانيين دعم كل جهد صادق يفتح نافذة للحل ويوقف نزيف البلاد مهما كانت التباينات السياسية. فالأوطان لا تنجو بالكراهية ولا تبنى بالمزايدات بل بالإرادة الجماعية التي تضع مستقبل الشعب فوق الحسابات الضيقة.

ربما لا يملك السودانيون ترف اليقين الكامل تجاه ما ستنتجه نيروبي لكن يكفي أنها أعادت فتح الباب أمام فكرة أن السودان ما زال قادراً على الاجتماع حول حلم واحد.

وهذه وحدها بداية تستحق أن تُمنح الفرصة وأن يلتف حولها الشعب باعتبارها نافذة أمل السودان الأخيرة نحو وطن يستحق الحياة.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x