مقالات الرأي

هجليج بين الموارد والأرواح: ماذا يحدث في السودان؟


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


اندلعت الحرب الأهلية في السودان في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على خلفية خلافات سياسية وعسكرية حول توحيد المؤسسة الأمنية في البلاد. ومنذ ذلك الحين تحوّل السودان إلى ساحة نزاع دموي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح ملايين المدنيين ومعاناة إنسانية واسعة، إضافة إلى انهيار كبير في الاقتصاد والخدمات الأساسية. وتختلف التقديرات حول عدد الضحايا، لكن المنظمات الدولية تشير إلى أن الحرب تسببت في مقتل وإصابة مئات الآلاف، إضافة إلى أزمات غذائية وصحية غير مسبوقة أثرت على ملايين الأسر السودانية.
وفي خضم هذا الخراب الإنساني، تبرز منطقة هجليج كواحدة من أكثر المناطق حساسية في المعادلة السودانية. تقع هجليج في ولاية جنوب كردفان جنوب غرب البلاد، وتضم الحقل النفطي الأكبر في السودان. ولا تقتصر أهميتها على استخراج النفط، بل تُعد أيضًا نقطة معالجة رئيسية لصادرات النفط القادمة من جنوب السودان عبر الأنابيب المتجهة إلى ميناء بورتسودان. قبل الحرب كان إنتاج هجليج يتراوح بين 20 ألفًا و60 ألف برميل يوميًا، إلا أن النزاع أدى إلى تراجع الإنتاج وتعطّل بعض العمليات. يمثّل النفط عبر هجليج مصدر دخل أساسيًا لكل من السودان وجنوب السودان، حيث يعتمد الأخير على صادرات النفط لتغطية معظم نفقاته الحكومية.
وفي ديسمبر 2025 سيطرت قوات الدعم السريع على هجليج بعد انسحاب الجيش السوداني من المنطقة، مع سحب العاملين والموظفين تجنبًا لتعرض المنشآت النفطية لأي أضرار. وصرّحت السلطات بأن الانسحاب جاء لتفادي دمار البنية التحتية وحماية الموارد النفطية الحيوية، مما يظهر أن الحفاظ على المنشآت الاقتصادية كان سببًا محوريًا في هذا القرار. ولاحقًا، وصل عدد من جنود الجيش السوداني إلى جنوب السودان بعد الانسحاب، في خطوة تؤكد حساسية المنطقة وتعقيدات الميدان العسكري والسياسي.
يثير هذا الواقع سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا ملحًا: هل كانت موارد هجليج أهم من الأرواح التي أُزهقت منذ اندلاع الحرب؟ فمقارنة الموارد بالأرواح ليست مسألة اقتصادية فحسب بل هي قضية إنسانية عميقة. النفط يمثل موردًا أساسيًا للدولة، وربما ترى المؤسسات العسكرية والسياسية أن السيطرة عليه ضرورة لبقاء الدولة أو لتمويل الحرب. لكن في المقابل، تسببت الحرب في فقدان مئات الآلاف من الأرواح، وتدمير البيوت والمجتمعات، ونزوح ملايين السودانيين، وهي خسائر لا يمكن تعويضها ولا يمكن قياسها بقيمة النفط أو أي مورد طبيعي آخر. الانسحاب من هجليج بحجة حماية الموارد يفتح بابًا للتساؤل حول أولويات الأطراف المتحاربة: هل كانت حماية المنشآت أكثر أهمية من حماية المدنيين؟ وهل كان بالإمكان اتخاذ قرارات تقلّل عدد الضحايا بدل التركيز على الثروة النفطية فقط؟
إن ما يحدث في هجليج وفي السودان عمومًا يعكس غياب التوازن بين البعد الاقتصادي والبعد الإنساني في قرارات الحرب. الأرواح البشرية لا تُقاس بالمال ولا بالثروات الطبيعية، والقيم الأخلاقية تفرض أن تكون حياة الإنسان فوق كل اعتبار. ومع استمرار النزاع واستمرار الخسائر الإنسانية، يبدو السؤال ملحًا أكثر من أي وقت مضى: هل يمكن لموارد النفط أن تكون أغلى من أرواح السودانيين؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة تقييم الأولويات ووضع الإنسان في موقعه الطبيعي كأعلى قيمة يجب حمايتها؟
هنا ينتهي النص الأصلي، ومن حوله تبدأ الطبقات الصحفية والسياسية والأدبية والأكاديمية، لتتفكّك أزمة هجليج وتُقرأ كمرآة لواقع الدولة السودانية، وكواحدة من أعقد عقد الصراع بين السلطة والموارد والشعب.
لقد تحوّلت هجليج في المخيال السوداني من مجرد حقل نفطي إلى استعارة كبرى: موقع صغير في الخريطة لكنه كبير في المعنى. كل نقطة نفط تُستخرج فيها هي نقطة دم تُهدر في مكان آخر، وكأن ثروة البلاد تعيش على حساب حياة شعبها. هذا الشعور ليس أدبيًا فقط بل سياسيًا أيضًا، لأن إدارة الموارد في السودان لم تكن يومًا محايدة أو بعيدة عن الصراع على السلطة. وعلى مدى العقود الماضية، تكررت المأساة نفسها: عندما تشتعل الحرب، تُصبح الموارد إمّا وقودًا لها أو غنيمة تنتظر من ينتصر أولًا.
الأكاديميون يرون أن أزمة هجليج مرتبطة مباشرة بطبيعة الدولة السودانية منذ الاستقلال: دولة ريعية، تعتمد على موارد غير متجددة، تُدار في مركز ضيّق، وتُهمل الأطراف. هذا الفراغ البنيوي جعل أي منطقة ذات قيمة اقتصادية تتحول إلى ساحة صراع، وليس إلى ورشة تنمية. ولذلك فإن الحرب حول هجليج ليست حدثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لسلسلة طويلة من الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أما الصحافة فترى المشهد من زاوية أخرى: صور المدنيين الذين يهربون من القتال، العمال الذين تركوا الحقول النفطية تحت تهديد الهجوم، الأسر التي كانت تنتظر راتبًا حكوميًا ممولًا من نفط هجليج لكنها اليوم بلا مأوى أو دخل. إنها الحكايات التي لا تظهر في تقارير السياسة أو البيانات الرسمية. الصحفيون الذين غطّوا الحرب في جنوب كردفان وصفوا هجليج بأنها “مدينة تحتضر بين نارين: نار الحرب ونار النفط”.
أما السياسيون، فينظرون إلى هجليج بعيون مختلفة: إنها ورقة قوة، ورقة ضغط، ورقة تفاوض. من يسيطر عليها يمتلك جزءًا من مستقبل السودان الاقتصادي. ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت محورًا للصراع، ولماذا كان الانسحاب منها قرارًا مثيرًا للجدل: فهو يطرح سؤالًا قاسيًا حول من يحمي من؟ الدولة أم الثروة؟ المواطن أم الأنبوب؟
في البعد الأدبي، يمكن قراءة هجليج كرمز لدراما سودانية طويلة: الأرض التي تُنهب، والإنسان الذي يموت، والحرب التي تتكرر. الأدب السوداني مليء بصور الأرض المهددة والجسد المقهور، وكأن هجليج لم تكن سوى فصل جديد في رواية لم تُكتب نهايتها بعد.
أما البعد الأكاديمي فيعيد المسألة إلى إطارها البنيوي: موارد طبيعية تُدار في غياب الشفافية، دولة متنازعة بين أجنحة عسكرية، بنية اقتصادية قائمة على الريع، مجتمع تعرض للتهميش لسنوات طويلة. وهجليج تمثّل النقط.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x