مقالات الرأي

هل أخفقت الأحزاب والحركات المسلحة معًا في قيادة التغيير السوداني؟


بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن( مجنق )


ظلّ التغيير في السودان، منذ عقود طويلة، أسيرًا لمعادلة معقدة تتنازعها الأحزاب السياسية من جهة، والحركات المسلحة من جهة أخرى. وبينما رفعت هذه القوى شعارات كبيرة باسم الديمقراطية والعدالة والمساواة، ظل الواقع يكشف عن عجز متكرر في تحويل تلك الشعارات إلى مشروع وطني مستدام.
واليوم، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل أخفقت الأحزاب والحركات المسلحة معًا في قيادة التغيير السوداني؟
الإجابة، في تقديري، نعم. ليس لأن هذه القوى لم تملك قضايا حقيقية أو مظالم مشروعة، بل لأنها لم تنجح في بناء رؤية وطنية تتجاوز حدود التنظيم والولاء الضيق، ولم تستطع أن تصنع من التغيير مشروعًا جامعًا يلتف حوله السودانيون جميعًا. فكل طرف دخل المعركة وهو يحمل جزءًا من الحقيقة، لكنه تعامل معها كأنها الحقيقة كلها.
الأحزاب السياسية السودانية، تاريخيًا، لعبت أدوارًا مهمة في لحظات مفصلية من حياة البلاد، لكنها كثيرًا ما وقعت في فخ الانقسامات الداخلية، وضعف البنية التنظيمية، وتغليب الحسابات الشخصية والحزبية على المصلحة الوطنية العامة. وفي أكثر من محطة، بدت هذه الأحزاب عاجزة عن تقديم قيادة موحدة، أو برنامج واضح لإدارة التحول الديمقراطي، أو حتى خطاب سياسي يقنع الشارع بأن البديل أفضل من الواقع القائم. ومع تكرر الأزمات، تراجعت الثقة الشعبية، وأصبح المواطن ينظر إلى كثير من الأحزاب بوصفها جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل.
أما الحركات المسلحة، فقد نشأت في الأصل من رحم التهميش والظلم والتفاوت في توزيع السلطة والثروة، وهي قضايا لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. لكن الإشكال أن بعض هذه الحركات، بعد أن رفعت السلاح باسم القضية، لم تتمكن من تطوير نفسها إلى مشروع سياسي شامل يتجاوز الجغرافيا الضيقة أو المطالب القطاعية. فالسلاح قد يلفت الانتباه إلى المظالم، لكنه لا يصنع وحده دولة عادلة، ولا يبني مؤسسات، ولا يرسخ عقدًا اجتماعيًا جديدًا. وكثيرًا ما تحولت الحركات المسلحة، حين دخلت في التسويات، إلى جزء من ترتيبات السلطة أكثر من كونها أداة لتجديدها.
المشكلة الأساسية هنا أن الأحزاب والحركات المسلحة التقتا أحيانًا في رفض الواقع، لكنها لم تلتقيا بما يكفي في بناء البديل. كلاهما رفع شعار التغيير، لكن التغيير ظل مشلولًا بسبب غياب الثقة، وضعف المشروع المشترك، وتضارب الأولويات. الأحزاب أرادت استعادة موقعها السياسي، والحركات المسلحة أرادت الاعتراف بقضايا الهامش، لكن الطرفين نادرًا ما قدما تصورًا متكاملًا للسودان الذي يريدان بناءه. وهكذا ظل التغيير يدور في حلقة مفرغة: إسقاط هنا، وتسوية هناك، ثم عودة سريعة إلى المأزق نفسه.
ولعل أخطر ما في هذا الفشل أنه لم يبقَ محصورًا في النخب السياسية، بل انعكس مباشرة على حياة الناس.
فالمواطن السوداني الذي خرج مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، وجد نفسه مرة أخرى أمام وعود مؤجلة، وصراعات على الشرعية، وتنازع على تمثيل الشارع، بينما بقيت أزمات الاقتصاد والأمن والخدمات والمؤسسات بلا حلول جذرية. ومع كل تعثر جديد، تتسع الفجوة بين الشارع وبين من يتحدثون باسمه.
إن التغيير في السودان لا يمكن أن يُختزل في حزب أو حركة أو تحالف عابر.
فالدولة السودانية، بتعقيدها وتنوعها وتاريخها المثقل بالأزمات، تحتاج إلى مشروع وطني أوسع من منطق المغالبة، وأعمق من تقاسم السلطة، وأكثر نضجًا من التحالفات المؤقتة. المشروع الحقيقي يجب أن ينطلق من المدنيين، والنقابات، والنساء، والشباب، والمجتمع المحلي، وكل القوى الحية التي لم تتورط في إعادة إنتاج الأزمة. فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يعارض، بل إلى من يبني.
ربما آن الأوان للاعتراف بأن الأحزاب والحركات المسلحة، رغم أدوارها التاريخية، لم تعد وحدها قادرة على حمل عبء التغيير. فقد أثبتت التجربة أن التغيير الذي يُدار بعقلية التنظيم المغلق ينتهي غالبًا إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها.
وما لم يظهر جيل سياسي جديد، يتعامل مع السودان بوصفه وطنًا كاملًا لا ساحة تنافس بين مكونات متنازعة، فإن الحديث عن التغيير سيظل أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل أخفقت الأحزاب والحركات المسلحة معًا؟ بل أيضًا: من يملك الجرأة والقدرة على تجاوز هذا الإخفاق؟ فالسودان يستحق أكثر من مجرد بدائل متنافسة؛ يستحق مشروعًا وطنيًا صادقًا، يضع الإنسان قبل التنظيم، والوطن قبل القيادة، والمستقبل قبل الحسابات الضيقة.

مقالات ذات صلة

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x