هل هي غياب الضمير الإنساني أم حسابات سياسية باردة؟

بقلم :أ/عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
سؤالك عن استمرارية الحرب في السودان وتقبل السياسيين لها يلامس جرحاً عميقاً في الضمير الإنساني، جرح ينزف يومياً مع كل قنبلة تسقط على منزل آمن، ومع كل طفل يموت جوعاً أو برصاصة طائشة، ومع كل أم تفقد فلذة كبدها في مخيم لجوء بعيد. لكن الحقيقة الأكثر قسوة، والتي قد لا ترضي العاطفة ولا تستسيغها النفس، أن استمرار هذه الحرب ليس مجرد شرٍ مطلق ناتج عن قلوب قاسية أو ضمائر ميتة، بل هو نتاج لحسابات سياسية واقتصادية باردة ومتشابكة يتقاسمها أطراف النزاع، يغلفونها أحياناً بخطاب الوطنية المقدسة أو الشرعية التاريخية أو الدفاع عن الهوية، بينما تبقى الجثث في الشوارع دليلاً صامتاً على هشاشة كل تلك الذرائع.
إن التأمل في المشهد السوداني منذ اندلاع شرارة الحرب في منتصف أبريل من عام 2023م يكشف عن نمط مأساوي من إدارة الصراع، حيث تحولت المدن إلى ساحات قتال، وتحولت المؤسسات المدنية إلى ثكنات عسكرية، وتحول المواطن العادي إلى رهينة في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل. فالسودان، الذي كان يعيش حالة من الترقب والحذر بعد ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بنظام عمر البشير، سرعان ما وجد نفسه غارقاً في مستنقع دموي أعاد إنتاج أسوأ كوابيس الحروب الأهلية التي عرفتها البلاد في عقود سابقة. ولكن لماذا يستمر هذا القتال رغم كل الدعوات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار؟ ولماذا تبدو النخب السياسية والعسكرية غير مكترثة بمعاناة ملايين النازحين واللاجئين والمجوعين؟ الإجابة تتطلب الغوص في أعماق العقلية السياسية السودانية، وفي البنية المعقدة للصراع الحالي، وفي المصالح المتضاربة التي تجعل من الحرب مشروعاً قائماً بذاته وليس مجرد أداة لتحقيق غايات.
بالنسبة للعديد من النخب السياسية والعسكرية، أصبحت الحرب ليست وسيلة لتحقيق نصر عسكري حاسم، بل غاية في حد ذاتها لضمان البقاء في السلطة والحفاظ على النفوذ. إن استمرار القتال يمنح كل طرف شرعية استثنائية يستطيع من خلالها تعبئة جماهيره، وتجييش مؤيديه، وتبرير أي إجراءات قمعية أو استثنائية تحت ذريعة حالة الطوارئ والحرب. ففي اللحظة التي تتوقف فيها إطلاق النار، سيجد القادة العسكريون أنفسهم أمام طاولة مفاوضات قد تخرجهم من المعادلة السياسية نهائياً، أو تفرض عليهم تنازلات مؤلمة لا يمكنهم تحمل تبعاتها أمام أنصارهم وأنظمتهم الداخلية. تشير التحليلات السياسية المتخصصة إلى أن “الإسلاميين” في السودان، الذين كانوا النواة الصلبة لنظام عمر البشير الحاكم لعقود، والذين فقدوا السلطة بعد ثورة 2019م لكنهم احتفظوا بقدرات تنظيمية ومالية وعسكرية كبيرة، يرون في استمرار القتال فرصتهم الوحيدة للعودة إلى المشهد السياسي من جديد. ففي سيناريو يتجه نحو السلام والمفاوضات الجادة، سيكون مصيرهم الإقصاء التام وربما الملاحقة القانونية والمحاسبة التاريخية، خاصة مع اتهامات محكمة الجنائية الدولية لبعض قادتهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة في دارفور، ومع الملفات الثقيلة للفساد وسرقة المال العام التي قد تفتح عليهم أبواباً من المساءلات لا يستطيعون تحمل عواقبها. لهذا فإن استمرار الحرب، بالنسبة لهذه الجماعة، يمثل شريان حياة سياسي وقانوني، حتى لو كان الثمن هو دماء السودانيين وتدمير وطنهم.
ولكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عندما ننظر إلى الأطراف المتحاربة الرئيسية، أي الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). فكل من الطرفين يدرك أن أي تسوية سياسية قد تعني فقدانه لمكتسبات ضخمة، سواء كانت اقتصادية أم عسكرية أم سياسية. فالجيش السوداني، الذي كان يحكم البلاد عبر انقلابات متعاقبة لعقود، يجد نفسه اليوم في موقف دفاعي غير مسبوق، حيث فقد السيطرة على مساحات واسعة من البلاد، وانهارت هياكله المؤسسية جزئياً، وظهرت خروقات وانشقاقات كبيرة في صفوفه. بالنسبة لقادة الجيش، فإن استمرار الحرب يعطيهم أمل الوصول إلى نتيجة عسكرية تعيد لهم هيبتهم المفقودة، أو على الأقل تضعهم في موقع تفاوضي أقوى يمكنهم من الاحتفاظ بجزء كبير من سلطاتهم ونفوذهم في أي ترتيبات مستقبلية. أما قوات الدعم السريع، التي نشأت من رحم مليشيا الجنجويد في دارفور وتطورت لتصبح قوة شبه نظامية ضخمة تمتلك ثروات هائلة من الذهب والثروة الحيوانية ومناطق واسعة في غرب السودان، فإنها تنظر إلى الحرب كفرصة ذهبية لتثبيت وجودها السياسي والعسكري، والانتقال من كونها قوة رديفة للجيش إلى شريك أساسي في الحكم، أو حتى قوة مهيمنة على مقاليد الدولة في بعض المناطق. وبينما يلوح كلا الطرفين بشعارات الوطنية والدفاع عن السودان الموحد، فإن أفعالهما على الأرض ترسم واقعاً مختلفاً تماماً، حيث يتم تعزيز الانقسامات الجهوية والقبلية، ويتم استغلال المخاوف المجتمعية لتجييش المجموعات المسلحة، وتصبح المدن السودانية أشبه بمناطق نفوذ متنازع عليها بين قوتين متناحرتين، لا بين جيش وطني وقوات متمردة كما يحاول كل طرف تصوير نفسه.
ما يزيد الطين بلة ويعمق المأساة هو أن الحرب في السودان لم تعد محصورة في طرفين متصارعين فقط، ولا حتى في جماعة إسلامية تسعى للعودة، بل أصبحت ساحة مفتوحة لتجاذبات إقليمية ودولية معقدة تزيد من تعقيد المشهد وتجعل من الصعب بل من المستحيل التوصل إلى تسوية سريعة. هناك محاولات واضحة وممنهجة من قِبل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لتشكيل حكومات موازية أو هياكل إدارية في المناطق التي يسيطرون عليها، وكأنهم يرسخون لتقسيم فعلي للبلاد أو يبنون شرعياتهم الإدارية الخاصة التي تمكنهم من التعامل مع المجتمع الدولي والإقليمي بشكل مستقل. هذه الخطوة، التي تهدف بشكل أساسي إلى كسب الشرعية الدولية وفتح قنوات اقتصادية وإنسانية مباشرة، تأتي بنتائج عكسية على وحدة السودان، حيث تكرس واقع الانقسام وتجعل من العودة إلى دولة موحدة حلماً بعيد المنال، حتى لو توقف القتال في يوم ما. وكما ذكر أحد المحللين السياسيين المتابعين للشأن السوداني، فإن البلاد أصبحت محاصرة في ما يمكن وصفه بـ “توازن غير عادي” يعصى على الوحدة ويقاوم التقسيم في آن واحد؛ فكل طرف يمتلك موارد طبيعية هائلة وأقاليم واسعة تجعل من الصعب عليه التنازل عنها أو التفريط بها، لكنه أيضاً لا يستطيع الانفصال بشكل كامل دون خسائر اقتصادية فادحة، خاصة فيما يتعلق بطرق تصدير الذهب والنفط والثروة الحيوانية والمياه التي تمر عبر مناطق الآخر، ودون أن يفقد شرعية التمثيل الوطني التي يبحث عنها كل طرف ليكون اللاعب الأساسي في المحافل الدولية.
وإذا أردنا قراءة هذا المشهد المأساوي من زاوية أخلاقية وإنسانية، فإن الإجابة ستكون مؤلمة ومخجلة بكل المقاييس. فغياب الضمير الإنساني يتجلى بوضوح في ممارسات يومية ترتكب بحق المدنيين العزل، وتتخذ أشكالاً متعددة من القسوة والوحشية التي تنم عن فقدان كامل لأبسط معاني الإنسانية. إن تجنيد المليشيات وتشكيل كتائب مسلحة تتبع ولاءات خاصة، مثل “كتائب البراء بن مالك” التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، والتي يُنظر إليها على أنها أدوات تابعة للإسلاميين تهدف إلى إطالة أمد الحرب وإعادة إنتاج نموذج المليشيات المسلحة التي عانى منها السودان لعقود، يعكس رغبة واضحة في استدامة الصراع بدلاً من إخماده. كما أن تعطيل مبادرات السلام المتتالية، مثل مبادرة “الرباعي” الدولية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، أو مبادرات الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، تحت حجج مختلفة تارة بالسيادة وتارة بالتدخل الخارجي وتارة بالانحياز للطرف الآخر، يكشف عن نية مبيتة لعرقلة أي تسوية قد تخرج الأطراف المتحاربة من دائرة الضوء وتجبرهم على تقديم تنازلات مؤلمة. لكن الأكثر إيلاماً هو المشهد الإنساني الكارثي الذي يتجاهله الجميع، فملايين السودانيين نزحوا من ديارهم، وأطفالهم يموتون من الجوع والأمراض في مخيمات اللجوء التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة، والنساء يتعرضن لأبشع أنواع الانتهاكات، وكبار السن يتركون في منازلهم دون رعاية أو دواء، بينما ينشغل القادة بعقد المؤتمرات الصحفية وإطلاق التصريحات المتناقضة. إن هذا الإصرار على مواصلة القتال رغم كل هذه المعاناة لا يمكن تفسيره بأي منطق إنساني أو ديني أو أخلاقي، بل هو تجسيد لصراع وجودي أعمى يضع مصالح الفئة الحاكمة وقادة المليشيات فوق حياة ملايين البشر.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا: هل هذا الشر المدمر الذي يعصف بالسودان مدفوع فقط بـ “غياب الضمير” الأخلاقي والفردي لدى هؤلاء القادة؟ أم أنه نتيجة حتمية ومنطقية لصراع وجودي على السلطة والبقاء، حيث تصبح الحرب هي الخيار العقلاني الوحيد في ظل معادلات القوة القائمة؟ إن الإنصاف في التحليل يقتضي الاعتراف بأن الأمر ليس مجرد مسألة أخلاقية فردية يمكن حلها بتغيير القيادات أو إصلاح النفوس، بل هو نتاج تراكمي لبنية سياسية واقتصادية واجتماعية فاسدة أنتجت هذا الواقع المريع. وكما يصفه بعض الباحثين والمحللين السودانيين، فإن القادة العسكريين والساسة يواجهون معضلة وجودية حقيقية؛ فـ “إنهاء الحرب دون تحقيق نصر عسكري واضح وحاسم، أو مع هزيمة ساحقة لأي من الطرفين، يُعتبر أمراً غير مقبول بالنسبة لهم ويمثل فشلاً ذريعاً لا يمكن تبريره أمام أنصارهم وقواعدهم الشعبية”، كما أنهم يخاطرون بفتح ملفات الفساد الكبير التي نهبت فيها ثروات السودان لعقود، وملفات جرائم الحرب التي ارتكبت بحق المدنيين في دارفور وغيرها من المناطق، وهذه الملفات قد تطالهم شخصياً وتقودهم إلى السجن أو المنفى أو المحاكمة الدولية. ولهذا السبب، يفضل هؤلاء القادة استمرار الحرب مهما كان ثمنها، لأن وقفها سيكون بداية النهاية لهم سياسياً وقانونياً، وربما جسدياً أيضاً. إنهم يختارون حرباً طويلة قد تنتهي بموتهم أو هروبهم، لكنهم لا يختارون سلاماً قد ينتهي بمحاكمتهم وإسقاطهم نهائياً.
وفي النهاية، وبعد هذا التحليل الموجز والمعمق في آن، يمكننا أن نخلص إلى أن ما نشهده اليوم في السودان ليس مجرد انهيار أخلاقي عابر أو نزوة شريرة استحوذت على قلوب قادة عسكريين فاسدين، بل هو مشهد مركب ومعقد من الرغبة الجامحة في البقاء السياسي، والانقسامات الإقليمية والدولية العميقة، والصراع الوحشي على الثروات الطبيعية الهائلة، والرغبة المريضة في الإفلات من العقاب والمحاسبة التاريخية. السياسيين والقادة العسكريين في السودان ليسوا غائبي الضمير بالمعنى المطلق، بقدر ما هم رهائن لمصالحهم الشخصية والفئوية التي باتت تتغذى على استمرار الدماء، وأسرى لمعادلات سياسية وعسكرية معقدة تجعل من السلام خياراً صعباً ومكلفاً بالنسبة لهم، بينما تبدو الحرب هي الخيار الأسهل والأقل كلفة في المدى المنظور، ولو كان الثمن هو تدمير وطن بأكمله وضياع جيل كامل من أبنائه. إن القول بـ “غياب الضمير” قد يكون وصفاً دقيقاً ومؤثراً للنتائج والمشاهد المروعة التي نراها يومياً، لكن الأسباب الجذرية لهذه المأساة أعمق وأكثر تعقيداً من مجرد أخلاقيات فردية، فهي تمتد إلى بنية الدولة السودانية ذاتها، التي ظلت لعقود مجرد غطاء لنظام محاصصة عسكرية وجهوية، ولم تتحول أبداً إلى دولة مدنية قانونية ومؤسسية تحمي حقوق مواطنيها وتحتوي صراعاتهم وتدير تنوعهم. وعلاج هذه الأزمات يتطلب حلولاً جذرية تعالج الصراع على السلطة والثروة قبل أن تنتصر القيم الإنسانية، ويتطلب إرادة دولية وإقليمية حقيقية تضع مصالح الشعب السوداني فوق مصالح أية دولة أو جماعة، ويتطلب وعياً مجتمعياً سودانياً قادراً على تجاوز خطابات التعبئة العرقية والعسكرية، والالتفاف حول مشروع وطني جامع يضع حداً لهذه الحرب العبثية ويبني دولة السلام والكرامة التي يستحقها السودانيين، دولة لا يكون فيها الضمير الإنساني ترفاً أخلاقياً، بل أساساً للحكم والسياسة والعلاقات الإنسانية كلها.
بتاريخ 20يونيو2026م



