وطنٌ يتشظّى… وقبيلةٌ تتضخّم…

بقلم: عبدالله عيسى (النزير)
ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد حرب، بل انهيار كامل لفكرة الوطن. لم تعد المسألة صراعاً على السلطة فحسب، بل تحوّلت إلى صراع يمزّق المجتمع من داخله، ويعيد الناس إلى انتماءات ضيّقة لم يكن يُفترض أن تكون بديلاً عن الدولة.
حين غابت الدولة، حضرت القبيلة. لكن هذه العودة لم تكن بريئة ولا طبيعية بالكامل، بل دُفِع بها عمداً إلى الواجهة. والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: بعض القيادات السياسية تتحمّل مسؤولية مباشرة في تعميق هذا الانقسام، إذ استخدمت قبائلها كأدوات للتجييش والتمليش، وزجّت بأبنائها في أتون الحرب، لا دفاعاً عن الوطن كما تدّعي، بل سعياً وراء مكاسب سياسية وامتيازات خاصة.
هؤلاء لم يكتفوا بإدارة الصراع، بل غذّوه. خاطبوا الغرائز البدائية، وأحيوا العصبية القبلية، وصوّروا الحرب وكأنها معركة بقاء أو كرامة، بينما هي في جوهرها صراع نفوذ. والنتيجة كانت واضحة: دماء تُسفك، ومجتمع يتفكّك، ووطن يتآكل يوماً بعد يوم.
القبيلة التي كان يمكن أن تكون سنداً اجتماعياً، تم تحويلها إلى أداة حرب. والشباب الذين كان يمكن أن يكونوا طاقة لبناء المستقبل، صاروا وقوداً لمعركة لا تعود عليهم ولا على أهلهم بأي خير. وفي المقابل، يحصد الساسة المكاسب، بينما يدفع المواطن الثمن.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما نشهده من سلوك اجتماعي مقلق، حيث يتفاخر كثير من الناس اليوم بانتماءاتهم الضيقة، وكأنها الهويّة الأعلى، بينما ينسون أن هناك وطناً يجمعهم جميعاً، وطناً أولى بأن يُفخر به ويُعتزّ بانتمائه. هذا التحوّل في الوعي يعكس عمق الأزمة، ويكشف كيف تم إزاحة فكرة الوطن لصالح هويات جزئية.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج يزرع أحقاداً عميقة ستبقى لسنوات طويلة. فالحروب قد تنتهي، لكن الكراهية التي تُبنى على أساس قبلي لا تزول بسهولة. وهذا يعني أن إعادة بناء السودان لن تكون مجرد إعادة إعمار، بل معركة أشدّ تعقيداً لترميم النسيج الاجتماعي.
لا يمكن الحديث عن مستقبل للسودان دون مواجهة هذه الحقيقة: لا دولة تقوم على العصبية، ولا وطن يعيش إذا اختُزل في قبائل. وإذا استمر هذا المسار، فلن يبقى هناك شيء اسمه السودان، بل كيانات متناحرة تتقاسم ما تبقّى منه.
المطلوب اليوم ليس فقط إيقاف الحرب، بل وقف هذا الاستغلال القبيح للقبيلة. يجب أن يُسأل كل من حرّض، وكل من جنّد، وكل من دفع بالناس إلى الموت من أجل مصالحه.
في النهاية، المعركة الحقيقية ليست بين أطراف الحرب فقط، بل بين فكرتين: فكرة الوطن، وفكرة القبيلة كبديل عنه. وإذا لم ينتصر الوعي، فإن ما يتشظّى اليوم لن يكون مجرد جغرافيا، بل مستقبل وطن بأكمله.



