
بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور )
اندلعت المواجهات في السودان يوم 15 أبريل 2023 بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتدخل البلاد في نفق مظلم من الحرب الشاملة التي أعادت رسم المشهد الجيوسياسي. بعد أكثر من عامين، لم تعد هذه الحرب مجرد صراع على السلطة بين مؤسستين عسكريتين، بل تحولت إلى أزمة وجودية معقدة تطال كيان الدولة السودانية ومستقبلها. بحلول منتصف عام 2025، تشهد السودان تحولات عميقة على الأرض. فبعد سقوط مدينة الفاشر، العاصمة الإدارية لشمال دارفور، بيد قوات الدعم السريع وتحالفها من الميليشيات في أبريل 2024، انقلبت المعادلة العسكرية بشكل لافت. لم يكن هذا السقوط حدثاً عسكرياً فحسب، بل كان ضربة رمزية وسياسية قوضت شرعية الجيش بصفته ممثلاً للدولة وحامياً لحدودها. توسعت رقعة الحرب شرقاً لتمس ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر، حيث تتصاعد الاشتباكات حول الممرات اللوجستية والمصالح الاقتصادية، فيما تتحول مدينة بورتسودان، الميناء الحيوي والمنفذ الأخير للجيش على العالم، إلى خط أحمر وهدف استراتيجي للمواجهة المقبلة.
لقد أدت الحرب إلى عسكرة المجتمع السوداني بشكل غير مسبوق، حيث برزت كيانات قتالية محلية ومجالس عسكرية على أساس قبلي أو إقليمي، تعمل أحياناً بشكل مستقل عن الطرفين الرئيسيين، مما زاد من تعقيد المشهد وحول الصراع إلى حرب بالوكالة على أسس هوياتية، خاصة في إقليمي دارفور وكردفان. على الصعيد الإقليمي، اتخذ التدخل أشكالاً أكثر وضوحاً وصراحة. فبينما تدعم مصر الجيش السوداني سياسياً وعسكرياً انطلاقاً من مخاوفها على أمنها القومي والمائي، تتهم تقارير أممية وبحثية الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع عبر قنوات إمداد تمر عبر تشاد وليبيا، في إطار تنافس جيوسياسي أوسع على النفوذ. كما دخلت إيران وتركيا على الخط عبر تقديم مساعدات عسكرية، أهمها الطائرات المسيرة، مما حول السودان إلى ساحة لصراع نفوذ إقليمي متشعب. في المقابل، باءت الجهود الدبلوماسية، سواء تلك التي قادتها السعودية والولايات المتحدة في جدة أو مبادرات تجميع إيقاد الإقليمي، بالفشل الذريع، بعد أن ظلت رد فعل على التطورات العسكرية دون القدرة على قيادتها أو فرض حلول حاسمة.
وسط هذه العسكرة المتصاعدة، برز طرح بديل يحاول استعادة المبادرة السياسية للمجتمع السوداني، تمثل في دعوة حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ:عبدالواحد محمد أحمد النور، لتكوين “جبهة مدنية عريضة” كقوة ثالثة فاعلة. هذا الطرح، الذي يعد تنظيماً وتطويراً لشعار “لا للجيش.. لا للدعم” الذي رفعته لجان المقاومة سابقاً، يسعى ليكون إطاراً جامعاً لكل الفاعلين السياسيين الرافضين للحرب، لكنه يضع حدوداً فاصلة وواضحة. فالجبهة المقترحة، وفق رؤية الحركة، تشمل الأحزاب السياسية الديمقراطية التقليدية، ومنظمات المجتمع المدني النشطة، وقوى الشباب والشابات الطليعية، ولجان المقاومة في الداخل التي تحافظ على زخم الاحتجاج السلمي، وممثلي النازحين واللاجئين في المخيمات والبلدان المجاورة الذين يعيشون تبعات الحرب مباشرة، والإدارات الأهلية التي تحاول الحفاظ على السلام المحلي ونسيج المجتمع. إلا أن هذا الطرح يرفض رفضاً قاطعاً ومبدأياً أي مشاركة لـ “مؤتمر الوطني” البائد أو أي من واجهاته وأذرعه السياسية أو الأمنية السابقة، ويعتبر استبعادهم شرطاً أساسياً لـ “نقاء” الجبهة وقطيعتها التامة مع منظومة الفساد والقمع والاستبداد التي أوصلت البلاد إلى حافة الهاوية. الهدف المعلن هو تشكيل قطب سياسي موحد ونقي، قادر على طرح “حوار سوداني-سوداني” حقيقي ومستقل، يعيد تعريف الدولة من خلال عقد اجتماعي جديد، ويضع أجندة واضحة للمرحلة الانتقالية تكون مدخلاً لأي مفاوضات خارجية. هذا الاستبعاد يهدف إلى ضمان مصداقية الجبهة وجاذبيتها الجماهيرية، خاصة لدى جيل الثورة الذي يرى في المؤتمر الوطني رمزاً للفشل والاستعلاء القديم.
النتيجة المأساوية لكل هذا هي كارثة إنسانية تتسارع نحو نقطة اللاعودة. فبحلول منتصف 2025، يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن السودان يواجه أسوأ أزمة جوع في العالم، حيث يعاني أكثر من 25 مليون شخص من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وتوجد مناطق في دارفور وكردفان على شفا مجاعة كاملة. لقد انهار النظام الصحي تماماً مع انتشار الأوبئة مثل الكوليرا والملاريا في ظل تدمير ما يزيد عن 80% من المرافق الصحية. كما توقف التعليم لنحو 19 مليون طفل، مما يهدد بخلق جيل ضائع محروم من أبسط الحقوق ومهيأ لمزيد من العنف والتطرف. على الأرض، يشهد الواقع العسكري والسياسي جموداً استنزافياً. فبينما تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على معظم الأراضي الغربية وأجزاء كبيرة من العاصمة الخرطوم، حافظ الجيش على معاقله التقليدية في الشمال والشرق والسيطرة على الموانئ الحيوية. هذا الجمود يخفي تحته ظهور ثلاث سلطات واقعية: سلطة الجيش والمجلس السيادي المنحاز إلى بورتسودان وتعترف بها الدول رسمياً لكنها تفتقر إلى الفعالية، وسلطة الدعم السريع والمجالس المحلية المتحالفة معه في مناطق السيطرة، ومحاولات من قبل لجان المقاومة والمبادرات المدنية المحلية لتنظيم الخدمات في جيوب معزولة، رافضة كلا الطرفين العسكريين. وفي هذا المشهد المعقد، تبدأ فكرة “الجبهة المدنية العريضة” وفق الرؤية الحاسمة التي ترفض تركة النظام السابق، في الظهور كقوة سياسية تسعى لتجسيد إرادة القطيعة مع الماضي. تحاول هذه الرؤية خلق قناة اتصال بين جيوب المقاومة السلمية والنازحين، وبين الدوائر الدبلوماسية، مع تقديم نفسها كبديل أخلاقي وسياسي “أنقى”. نجاحها مشروط بقدرتها على تحقيق وحدة داخلية بين مكوناتها المتنوعة رغم هذا الاستبعاد الحاسم، وبناء خطاب سياسي مقنع لا يستدعي شواغل الماضي، وعرض برنامج عملي لإدارة المناطق المحررة، وبالتالي التحول من فكرة إلى فاعل سياسي لا يمكن تجاوزه.
اقتصادياً، تحول السودان بالكامل إلى اقتصاد حرب
وإجرام منظم. فأصبحت الموارد الطبيعية مثل مناجم الذهب في دارفور، والممرات التجارية، والأراضي الزراعية المسقية، مصادر تمويل رئيسية للأطراف المتحاربة، تسيطر عليها الميليشيات وتدار خارج أي إطار قانوني. وتفكك الاقتصاد الرسمي مع توقف عمل البنك المركزي الموحد، لتعمل المناطق المختلفة بأنظمة مالية ومصرفية متوازية ومنفصلة. بالنظر إلى المستقبل، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لعام 2026. السيناريو المركزي والأكثر ترجيحاً هو استمرار الجمود العسكري مع ترسيخ حدود فعلية لمناطق النفوذ، ليتحول السودان إلى “كونغو جديدة”؛ دولة مفككة فعلياً إلى كيانات إقليمية يحكمها أمراء الحرب وقادة الميليشيات، مع حكومة مركزية صورية في بورتسودان بلا سلطة حقيقية. هذا السيناريو يعني تحول السودان إلى دولة فاشلة بالكامل وملاذ للجماعات المتطرفة والجريمة العابرة للحدود، مما يهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله. سيناريو آخر أقل ترجيحاً لكنه خطر هو التصعيد الإقليمي المباشر، حيث قد يؤدي السعي للسيطرة على بورتسودان أو التوسع في الدعم الخارجي إلى تدخل عسكري مفتوح من قوى إقليمية، مما يعمق عسكرة الصراع ويحوله إلى حرب إقليمية بالوكالة قد تمتد لجيران السودان.
كما لا يمكن استبعاد سيناريو الانهيار الديمغرافي والمجتمعي، في حال استمرار الحصار على المناطق المتضورمة جوعاً ورفض الوصول الإنساني، مما قد يؤدي إلى مجاعات جماعية وموجات نزوح غير مسبوقة تهز استقرار المنطقة. وأخيراً، يبقى سيناريو التسوية الهشة بضغط دولي غير مسبوق ممكناً ولو بنسبة ضئيلة، في حال حدوث صدمة إقليمية أو عالمية تدفع الداعمين الإقليميين إلى فرض اتفاقية تقسم السلطة والثروة، وإن كانت ستكون هشة ومهددة بالانهيار مع أول أزمة. هنا يكمن التحدي والفرصة للطرح البديل القائم على “الجبهة المدنية العريضة” في نسختها ذات الحدود الواضحة؛ فرفضها لمشاركة رموز النظام السابق قد يمنحها نقاءً ثورياً وجاذبية جماهيرية كبيرة، خاصة لدى الفئات الأكثر تضرراً، لكنه قد يحد من شموليتها السياسية في نظر بعض الأطراف الإقليمية أو الدولية المعتادة على التعامل مع نُخب سابقة. نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرته على إثبات فعالية ميدانية وإدارية في المناطق الخارجة عن سيطرة العسكر، وتحويل المبدأ الأخلاقي للاستبعاد إلى قوة تفاوضية تضمن أن أي تسوية مستقبلية تبني دولة مدنية حقيقية، وتوفر عدالة انتقالية، وتقطع تماماً مع تركة النظام الشمولي. هذا السيناريو يعتمد على قدرة القوى المدنية على خلق واقع جديد على الأرض، وليس فقط على الخطاب.
في الختام، أصبحت الحرب في السودان بحلول منتصف العقد آلية لإعادة إنتاج نخب جديدة قائمة على اقتصاد الغنيمة والعنف. أي حل حقيقي يتطلب أكثر من وساطة بين المتحاربين؛ فهو يحتاج إلى ضغوط دولية حاسمة على الداعمين الإقليميين عبر عقوبات ذكية، وإطار سياسي جديد يعترف بتعدد مراكز القوى ويقبل بشكل كونفدرالي مرن قد يكون الوحيد القابل للحياة. الأهم من ذلك، أن أي مسار للمستقبل أصبح رهيناً بمصير ومكانة القوى المدنية المنظمة ومدى تماسكها. الطرح الذي تقدمه حركة تحرير السودان، برفضه القاطع لرموز النظام السابق، يضع معياراً أخلاقياً وسياسياً عالياً لأي تحالف مدني. فبدون تمثيل حقيقي وحصري للقوى التي لم تلوثها مشاركة في حكومات الماضي الفاشلة، كاللجان الشبابية والنسوية والنازحين، ستكون أي اتفاقية مجرد هدنة مؤقتة بين العسكريين أو إعادة تدوير للنخب القديمة تحت مسمى جديد. الخطر الأكبر أن يعتاد العالم على هذه المأساة كأزمة إنسانية مزمنة يمكن إدارتها بالمساعدات، بينما تستمر آلة الدمار في الدوران. عام 2026 قد يكون إما سنة العبور نحو التفكك النهائي، أو لحظة صحوة دولية متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي كلا الحالتين، فإن قدرة السودانيين على بناء جبهة مدنية عريضة، حازمة في مبادئها وواضحة في استبعاداتها، ستكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان المصير سيكون تفكيك الدولة، أو إعادة بنائها على أساس عقد اجتماعي جديد ونظيف.
28 ديسمبر 2025م



