مقالات الرأي

اجتماعات أديس أبابا.. بين فرصة إنقاذ السودان وخطر إعادة إنتاج الأزمة

بقلم: عادل إبراهيم عبدالله.

تشكل اجتماعات الآلية الخماسية المنعقدة في أديس أبابا واحدة من أهم المحطات السياسية منذ اندلاع حرب 15 أبريل، لأنها جاءت في وقت أصبح فيه السودان مهدداً في وحدته، واستقراره، ومستقبل شعبه. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت إلى أزمة وطنية شاملة تهدد وجود الدولة نفسها، بعد الانهيار الاقتصادي، واتساع النزوح، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتصاعد خطاب الكراهية والانقسام.
ورغم اختلاف مواقف القوى المشاركة في الاجتماعات، إلا أن مجرد جلوس هذه القوى حول قضية “إيقاف الحرب” يمثل تحولاً مهماً في المشهد السياسي السوداني، ويعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب لن يصنع منتصراً، بل سيدفع البلاد نحو التفكك والانهيار الكامل.
لقد كشفت اجتماعات أديس أبابا عدة حقائق مهمة يجب التوقف عندها بوضوح:

أولاً، أن هناك تيارين واضحين داخل الساحة السودانية؛
تيار يؤمن بأن الحل يكمن في وقف الحرب والدخول في عملية سياسية شاملة تؤسس سودان الجديد، وتيار آخر ما يزال مرتبطاً بخطاب الحرب، ويرى في استمرار القتال وسيلة للحفاظ على النفوذ والسلطة، حتى ولو كان الثمن هو تدمير السودان نفسه.

ثانياً، أن الأزمة السودانية ليست أزمة حرب فقط، بل هي أزمة دولة منذ الاستقلال. فالسودان ظل يُدار بعقلية الإقصاء واحتكار السلطة والثروة، دون الاعتراف الحقيقي بالتنوع الثقافي والعرقي والسياسي. ولذلك ظلت الحروب تتكرر في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، لأن جذور المشكلة لم تُعالج بصورة عادلة.

ثالثاً، أن القوى السياسية السودانية بدأت تدرك أن أي تسوية لا تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية ستفشل مهما وجدت من دعم خارجي، لأن الشعب السوداني أصبح أكثر وعياً بحقوقه، وأكثر رفضاً لعودة الاستبداد أو هيمنة أي جهة على الدولة.

إن أهم ما يميز هذه الاجتماعات هو أنها أعادت النقاش حول “شكل الدولة السودانية” وليس فقط “من يحكم السودان”. وهذه نقطة جوهرية، لأن المشكلة الحقيقية ليست في تبديل الحكومات، بل في بناء سودان الجديد تقوم على أسس مختلفة تماماً عن الماضي.

فالسودان اليوم يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يقوم على:

حكم مدني ديمقراطي تحترم القانون والمؤسسات.

مواطنة متساوية دون تمييز قبلي أو جهوي أو ديني.

توزيع عادل للسلطة والثروة بين جميع الأقاليم.

جيش قومي مهني بعيد عن السياسة والحزبية.
عدالة انتقالية تنصف الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب.

تنمية حقيقية للمناطق المهمشة التي دفعت ثمن الحروب لعقود طويلة.

كما أن أي حل مستقبلي يجب أن يعتمد على الحوار السوداني ـ السوداني،
لأن الحلول المفروضة من الخارج لا تصمد إذا لم تجد قبولاً داخلياً واسعاً. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أهمية الدور الإقليمي والدولي في تقريب وجهات النظر، والضغط من أجل وقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية وحماية المدنيين.

ومن الواضح أيضاً أن اجتماعات أديس أبابا نجحت في فرز القوى السياسية بين من يسعى لبناء السلام، ومن لا يزال أسير مشروع الحرب.
وهذه نقطة مهمة قد تساعد مستقبلاً في تكوين أكبر جبهة مدنية وطنية تدافع عن السلام والديمقراطية ووحدة السودان.

لكن التحدي الحقيقي لا يزال قائماً، لأن إنهاء الحرب يحتاج إلى شجاعة سياسية وتنازلات وطنية كبيرة، بعيداً عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
فالسودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما التوجه نحو السلام والحوار السوداني السوداني وبناء دولة المواطنة المتساوية،
وإما استمرار الحرب بما يحمله ذلك من خطر التقسيم والانهيار الكامل للدولة.

وفي تقديري، فإن مستقبل السودان لن يُبنى بالسلاح، بل بالإرادة الوطنية الصادقة، والاعتراف المتبادل، واحترام التنوع، وإعطاء كل السودانيين حقهم الكامل في وطن يسع الجميع دون إقصاء أو تهميش.
إن الشعب السوداني لا يريد حرباً دائمة، بل يريد وطناً آمناً، عادلاً، مستقراً، يشعر فيه الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات. وهذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن تتوحد من أجلها كل القوى الوطنية اليوم قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x